اشكالية الترفيه في المجتمع الديني

عندما اسافر الى بعض البلدان ارى الترفيه حاضر كنمط من انماط الحياة، لا سيما السياحية منها. ذهبت في رحلة قصيرة الى قطر، تلك الدولة الصغيرة الواعدة، وجدت الترفيه حاضرا بقوة حتى في ايام الدراسة والعمل، اذ يبدو ان قطر تسعى الى تحويله الى جزء من اسلوب الحياة، لما له من فوائد جمة على الاصعدة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والامنية.

في المجتمعات الدينية يعتبر الترفيه مشكلة عويصة ويواجه الكثير من الالتباسات العميقة المتصلة بالتراث والقوانين الدينية المتأصلة في حركة المجتمع.

في بداية هذا العام شاهدت جزءا من لقاء مع المنشد اللبناني محمد رمال وأحد رجال الدين، حيث كان المنشد يستعد لاقامة حفل انشادي بمناسبة اعياد الميلاد، بينما كان رجل الدين يستنكر اقامة حفل في مناسبة مسيحية في اصلها، علاوة على تحريمه حضور الرجال والنساء في مكان واحد، واستخدام الالات الموسيقية، بل انه طالب بإيجاد حل لمشكلة علاقة الرجال بالنساء، حيث اكد على حرمة وجود نساء مع غير محارمهم حتى وإن كانوا في مكان عام، وطالب بإيجاد حلول لكل ما طرحه من اشكالات حتى يمكن قبول الحفل من الناحية الشرعية.

في المجتمع السعودي تطرح بشدة مثل هذه الاشكاليات المعقدة، لذلك فإن ايام الاعياد والمناسبات لا تجد لها اية مظاهر فرح او احتفالات بهيجة كتلك التي نشاهدها في المجتمعات الاخرى، وتغلب اجواء الرتابة والجمود المشهد الاجتماعي، حيث تقف ثقافة التحريم وتجاوز القوانين الدينية امام الترفيه كصناعة واستثمار من جهة، وحق مادي ومعنوي لكافة شرائح المجتمع.

في المجتمع التقليدي تتحول الاحكام الفقهية الشائعة الى قوانين صارمة معيقة للتنمية. ولعل مشكلة انفاق السيولة المالية في الخارج احد اهم المشكلات الاقتصادية التي تواجهها مثل هذه المجتمعات. قبل سنتين كنت اتابع اذاعة محلية سعودية فسأل المذيع احد اصحاب المتاجر عن مدى اقبال الناس على شراء سلع متعلقة بمناسبة اليوم الوطني فأجاب بأن الاقبال محدود وان السوق ضعيفة، بسبب سفر الكثير من المواطنين وقضائهم اجازة اليوم الوطني خارج الوطن!

تعود جذور اشكالية الترفيه في المجتمعات الدينية الى العصور العربية بعد الاسلام. ففي تلك العصور لم تكن هناك اية التباسات، لاسيما في العصر العباسي الذي شهد فترة ازدهار الحضارة العربية، حيث لم يكن متعارضا بشكل عام مع القوانين الفقهية. فمثلا كانت هناك دور لهو يغني فيها المغنيين والمغنيات وترقص فيها الجواري، لم تكن ثمة اشكالية دينية والسبب ان الجواري هن من يقمن بالانشطة الترفيهية، والجارية في احكام الفقه ليس عليها حجاب، وعورتها كالرجل، وليس بينها وبينه ستر، اما المراة الحرة فكان الحجاب مفروضا عليها، ويحرم حضورها بين الرجال، والمجتمع العربي في تلك الازمنة عوض نقصه بحضور الجواري. ولعل الميثولوجيا العربية وقصص التراث شاهدا على ذلك، فالكثير من قصص الف ليلة وليلة وغيرها تدور حول المرأة الجارية، وذلك لسهولة حضورها في المجتمع وتعاملها مع الرجال وقدرتها على خوض المغامرات والمواقف.

لقد كان الترفيه جزءا من نسق المجتمع العربي، لاسيما في المدن والحواضر الكبرى كبغداد وقرطبة ودمشق والقاهرة ولم يكن مقيدا بأية قوانين دينية معيقة، والسبب يعود الى وجود الجواري وطبقة الارقاء من الرجال والنساء بشكل عام، الذين لا تنطبق عليهم معظم الاحكام الفقهية الخانقة.

الا ان الاشكالية بدأت بطبيعة الحال مع اختفاء طبقة الارقاء والعبيد، حيث تعارض الترفيه كممارسة ومنظومة ديناميكية مع احكام الفقه الاسلامي كقوانين متزمتة وصعبة التغيير.

وهذا ما تعاني منه المجتمعات الدينية بشكل عام، ومن الصعب ان لم يكن من المستحيل الوصول الى حلول تؤدي الى المصالحة بين الفقه والحياة، والدين والحرية، ذلك ان القوانين الدينية تقوم على اصول وقواعد مجمع عليها، تعود جذورها الى العصور الاسلامية الاولى، اي انها مرتبطة بتاريخ ثابت الوقائع والاحداث، ولا يمكن بأي حال تجاوزه او القفز عليه من خلال الفقه كعلم ديني محض واداة تشريعية تستند على قواعد غير قابلة للتغيير في اغلب الاحيان.

ولا ارى بصيص امل في امكانية انشاء صناعة ترفيهية مبتكرة ومنتجة وقادرة على المنافسة تشكل جزءا من اسلوب الحياة وتعد جزءا من مصادر الدخل القومي اذا ما كانت القوانين الدينية بمثابة المصدر الرئيسي والضابط الاولي للتشريعات العامة.

ان البلدان التي تعمل وفقا للنظم المدنية ولو جزئيا يمكنها انشاء قطاع ترفيه ناجح ومجدي اقتصاديا، وبالتالي يمكنها الاستفادة من فوائده على صعيد الامن الاجتماعي والتنمية الثقافية والاجتماعية. فالذهاب مثلا لحضور الحفلات الغنائية والعروض الموسيقية والاستعراضية امر يخص الفرد بما هو فرد لا المؤسسة، والالتزام بالقوانين الدينية والقيم الروحية امر يخص الفرد كفرد، وعلى هذه القاعدة المحورية يمكن تاسيس صناعة ترفيه حقيقية منتجة للوظائف وجزء من قطاع سياحي يعد احد مصادر الدخل الوطني.

ان القاعدة المعمول بها في عالم اليوم تقوم على معادلة توسيع نطاق الخدمات لتشمل كافة شرائح المجتمع، لا تقديم خدمات تخص شريحة معينة، ففي تايلاند مثلا توسعت الخدمات السياحية لتشمل افتتاح منشات سياحية خاصة بالمتدينين من المسلمين. ففي بانكوك افتتح مؤخرا فندق فاخر يلتزم بالقوانين الدينية، فلا يقدم المشروبات الكحولية، وبرك السباحة منفصلة، ولا يحتوي على بارات او مراقص، ويضم مسجدا، وموظفوه محتشمون في ملابسهم. والمعروف عن تايلاند انها من اهم البلدان السياحة واغلب سكانها من معتنقي الديانة البوذية.

دبي كمثال اخر، توفر منشات سياحية لكافة زوارها، ومنهم المتدينون. ففيها ما لا يقل عن ستة فنادق فخمة تراعي القوانين الدينية في خدماتها، كحظر المشروبات الروحية، وفرض الملابس المحتشمة على موظفيها، وحظر الملاهي الليلية، وتلتزم بتقديم الاطعمة الحلال، وبعضها يحظر حتى الموسيقى!، (في المقابل يبرز تساءل مهم وان كان خارج نطاق الموضوع: ما هي الخدمات الترفيهية التي تقدمها مثل هذه الفنادق لنزلائها ام انها اماكن للاقامة فقط؟ علما بأنها من فئة الخمس نجوم، ثم ما هي الانشطة الترفيهية والسياحية بشكل عام التي من الممكن ان تقدم لهذه الشريحة من السياح في ظل النسبة العالية من المحظورات والمحرمات في الفقه الاسلامي؟)

تبرز دول عديدة في العالم العربي ذات امكانيات سياحية كبيرة، ومن الممكن انشاء قطاع سياحي يشكل جزءا من موارد الدخل. الا ان سيادة القوانين الدينية بما تشمله من سطوة وهيمنة للثقافة الاحادية يشل اي امكانية احداث نهضة حقيقية في هذا القطاع الحيوي.

ان الترفيه كصناعة لها متطلبات ونواميس وسنن خاصة بها، فإذا ما قيدت بقوانين مغايرة لجنسها تكون النتيجة لا محال الفشل والجمود والتأخر.

ان ايكال امر الالتزام بالعديد من القوانين الى الفرد دون المؤسسة، وتحجيم سلطة الدولة وسطوة القانون العام، الى مستوى يتمكن فيه الفرد من ممارسة خياراته امر حتمي لاي نهضة واعدة.

ان من معضلات المجتمعات الدينية والنامية عموما هو في فرضها الوصاية على الفرد وذلك استنادا إلى الاعتقاد بأن الانسان يميل الى التمرد على القانون، لذلك فأنه بحاجة دائما الى العيش في مجتمع قائم على التنظيم القطيعي ذي النظم الحديدية التي لا تمنحه هامش للاستقلال وممارسة قناعاته بعيدا عن هيمنة الجماعة.

ولا شك ان هذا النمط من البيئة الاجتماعية لا يمكن ان تنبثق عنه نهضة او يكون نواة لاي ازدهار، ولا تعيشه اليوم سوى المجتمعات الريعية او تلك التي تعيش في ظل انظمة حكم توتاليتارية.

المستقبل فقط وفقط للمجتمعات الحرة، للمجتمعات التي تؤمن بالحرية وتمارسها ولا تقبل بها بديلا، مهما كانت الاثار السلبية الناتجة عنها، فالحرية دائما وابدا اساس تقدم أي شعب ونهضة أي امة.