اشتعال أسعار النفط ومطفأة قمة الأوبك الثالثة

بقلم: د.خليل حسين

تبنّت منظمة الأوبك في العام 1968، "إعلان المبادئ الخاص بالسياسة النفطية في الدول الأعضاء" الذي دعا دولها إلى اتخاذ خطوات من بينها التنقيب المباشر عن الموارد الهيدروكربونية وتطويرها، المشاركة في ملكية اتفاقيات الامتياز القائمة، التخلي التدريجي والمتسارع عن المساحات الموجودة في المناطق المتعاقد عليها حاليًا، وضع قوانين حماية وصيانة من أجل تقيّد شركات النفط العاملة في دول المنظمة بها، وكذلك تحديد أسعار معلنة أو فرض ضرائب على الأسعار من قبل حكومات الدول الأعضاء في المنظمة بهدف منع تدهور العلاقة بين أسعار النفط وأسعار البضائع المصنعة التي تتم المتاجرة فيها دوليًا.وقد أضافت القمة الأولي للأوبك التي عقدت في الجزائر آذار/مارس 1975 على هذا الإعلان إرشادات إضافية تتعلق بالسياسات النفطية على قاعدة تغير نمط العلاقات بين الدول المنتجة والدول المستهلكة بهدف السعي لتأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد، مبنيٍ على أسس العدالة والتفاهم المشترك والاهتمام برفاهية جميع الشعوب وازدهارها.وفي اجتماعها الثاني الذي عقد في فنزويلا العام 2000، أكدت التزامها بالمبادئ الاسترشادية للمنظمة، بهدف تحقيق نظام واستقرار دائمين في أسواق النفط العالمية، بأسعار معقولة وعوائد مجزية للمستثمرين.كما أعيد النقاش في مسألة الخدمة التي يقدمها النفط للعالم بصفة عامة، والحاجة إلى ربط واردات الطاقة بالتنمية الاقتصادية والتوافق والانسجام في المسائل البيئية، بهدف المساعدة في تقليل المعاناة وحالات الفقر التي تواجهها الدول النامية، إضافة إلى تحفيز اقتصادياتها على النمو والازدهار.
وعلى الرغم من إعلان منظمة "أوبك"، بعد اجتماعها الوزاري الأخير في أيلول/سبتمبر 2007 في فيينا، أنها ستعمل لتحافظ على مستوى للأسعار لا يتجاوز 80 دولاراً للبرميل. إلا أن الأمور أفلتت من يدها إلى حد كبير، وباتت غير قادرة على تحقيق التزاماتها لذا ينبغي التعامل بحذر بهدف تحقيق الأهداف التي تسعى إليها، وبالتالي العمل على صحة كل من سوق النفط والاقتصاد العالمي من جهة أخرى. وإذا كانت هذه التوجهات تبدو متكررة في بيانات المنظمة فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا المجال هل أن للمنظمة قدرة على تنفيذ أهدافها؟وما هي حقيقة الأسباب الفعلية والواقعية للارتفاع غير المسبوق والمتسارع لأسعار النفط الخام؟وما آلت إليه الأمور في قمة الرياض الأخيرة؟ وفي هذا المجال يمكن تسجيل العديد من الملاحظات من بينها:
- ثمة واقعا يصعب تجاوزه أو القفز عنه مفاده أن النفط سيبقى محورا أساسيا في استراتيجيات الدول المنتجة والمستهلكة على السواء، باعتبار أن الذهب الأسود بالنسبة للأولى يعتبر الرئة التي تتنفس منها، وبالنسبة للثانية يعتبر عصب الإنتاج، وبالتالي مهما قيل ستظل هذه السلعة تتحكم بالكثير من قواعد النظام الاقتصادي الدولي وبالتالي انعكاس مباشر لمرتكزات النظام العالمي، وما يؤكد ذلك العديد من مظاهر الصراعات الإقليمية والدولية التي تتركز في نهاية الأمر على منابع النفط وسبل نقلها وصولا إلى تسعيرها وإعادة تدويرها في الحياة الاقتصادية الدولية.
- على الرغم من العمر المديد لمنظمة الأوبك والتي تعتبر من أهم المنظمات الاقتصادية الدولية، ظلت مقاربتها للسياسات النفطية متواضعة مقارنة بالسلعة التي من المفترض التحكم بها، فجميع بياناتها وقراراتها تبدو طموحة وتواقة إلى غد أفضل بما يخدم الإنسانية جمعاء، إلا أن واقع الأمر يبدو مغايرا وربما في كثير من أسبابه خارج عن إرادتها، فالإنتاج والاستهلاك والتسّعير يبقى في كثير من الأحيان خارج اطر السيطرة المتعارف عليها اقتصاديا بل يتحكم بها مجموعة عوامل سياسية ذات طابع نزاعي إقليمي أو دولي.
- ثمة تبايانات سياسية واضحة بين مختلف تيارات الأعضاء المنضمين إليها، إذ نادرا ما اتفقت على مسائل استراتيجية ذلك بفعل التوجهات السياسية لهذه الدول وطبيعة تحالفاتها مع القوى الدولية الوازنة في النظام الاقتصادي الدولي.
- وعلى الرغم من الطبيعة الاستراتيجية لهذه السلعة لم تتمكن الدول المنتجة لها من استثمارها في عمليات التنمية بأقصى حدودها وظلت في مستويات أقل مما هو مراد منها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وفي بعض الأحيان بدت هذه السلعة عبئا ونقمة بدلا من أن تكون مساعدا ونعمة.
إن هذا الواقع تسبب في عمليات اختلال كبيرة أدت إلى ارتفاع متسارع لسلعة من الصعب الاستغناء عنها أو إيجاد بدائل منها في وقت منظور، كما أدت إلى عمليات تقاذف ورمي الأسباب جزافا عما يتحمل المسؤولية المباشرة لملامسة سعر البرميل المئة دولا مؤخرا، فما هي حقيقة الأمر؟ في الواقع تعددت واختلفت الآراء حول ذلك فمنهم من يعزوها إلى عوامل جيولوجية على قاعدة أن الدول النفطية الوازنة وصلت إلى ذروة طاقتها الإنتاجية ولا تتوافر لها احتياطيات جديدة يمكن استغلاله.فيما يرى آخرون أن أسبابا اقتصادية تقف وراء الارتفاع منها النمو المستدام في الصين والهند، ويلصق البعض السبب بالمضاربات غير الشرعية، .ويحصر بعض المراقبين سبب التقلبات بمستوى المخزون التجاري الأمريكي للنفط الخام.وثمة التأخر في تشييد مصاف جديدة في الدول الصناعية. كما يرتبط الارتفاع بازدياد الحديث عن تأثير ضعف قيمة الدولار على زيادة الاستهلاك، وارتفاع الطلب على النفط في أوروبا أو اليابان.
ثمة صعوبة قوية لإسناد الارتفاع إلى سبب محدد بعينه إذ أن مقاربة موضوعية تشير إلى لعب أكثر من سبب في ذلك وان يمكن ملاحظة تأثير سبب أكثر من سبب آخر، إلا أن الراجح في الموضوع أن الأسباب المتعلقة بغير الدول المنتجة لها في الترجيح على التسبب في ارتفاع الأسعار المتسارع.
فالدول الصناعية الكبرى دائمة التطلب في زيادة الإنتاج وتلاقيها عدم ممانعة بذلك وعليه فان الأمر لا يتعلق بعدم القدرة على الإنتاج، بل بوجه آخر يتعلق بحجم التخزين مثلا أو بسعر صرف الدولار الذي يشهد انخفاضا ملحوظا إضافة إلى العامل النفسي المتأتي من الخوف الناجم عن احتمال نشوب نزاع في الخليج بين الولايات المتحدة وإيران.
فوفقا لبعض الإحصائيات يقدر الطلب على النفط بـ 85 مليون برميل يوميا يجري استهلاك 21 مليون برميل في الولايات المتحدة أي بنسبة 25 في المئة من الاستهلاك العالمي؛ وفي حين ان عدد سكان الصين يقترب من 1.3 بليون نسمة فان الاستهلاك النفطي يقدر بـ 7.3 ملايين برميل يوميا أي ما يقارب ثلث الاستهلاك في الولايات المتحدة التي لا يتعدى عدد السكان فيها 300 مليون نسمة، أي أن استهلاك الصين في ظل تسارع معدلات النمو الاقتصادي وتحسن مستويات المعيشة خلال السنوات القادمة لا بد أن يرفع احتياجاتها من النفط، وكما هو معلوم أن الصين التي تنتج اقل من 4 ملايين برميل يوميا كانت تكتفي ذاتيا بإنتاجها أصبحت تستورد من الخارج ما يزيد على مليون برميل يوميا، هناك أيضا، الهند التي توسعت رقعة الطبقة الوسطي فيها وزاد إعدادها إلى أكثر من 200 مليون نسمة، من أصل بليون نسمة، ما يعني تحسن القدرة الشرائية وارتفاع التوقعات.
ثمة من يتخوف من أن يؤدي الارتفاع في أسعار النفط إلى حدوث تضخم في النظام الاقتصادي العالمي ما يزيد من امكانات الركود.. إلا أن المؤشرات تظل تؤكد أن سعر النفط وان لامس المئة دولار للبرميل إلا انه بعد احتساب معاملات التضخم خلال السنوات السبع والعشرين الماضية، فإن سعر النفط يظل معقولا بأسعاره آنذاك، التي تقارب 102 دولار للبرميل إذا تمَّ احتساب عوامل التضخم... ولذلك فان عناصر التحولات الاقتصادية الجارية في العالم وتحسن الأوضاع المعيشية في العديد من البلدان النامية تشير إلى أن الطلب على النفط وارتفاعه يعد أمرا طبيعيا وليس نتاجا لمشكلات سياسية أو أمنية، وان وجدت أو أحدثت تأثيرات على الأمد القصير.
ثمة كلام آخر تمَّ التداول به في القمة الثالثة في الرياض انقسم في اتجاهين، الأول قادته بشكل عام الدول العربية الخليجية التي رأت بأن النفط سلعة للبناء كما وصفها الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، وهو أمر محق من الناحية العملية لجهة مساهمته في تطوير القدرات الإنسانية على المستوى الإقليمي والعالمي، فيما قاد التوجه الثاني كل من إيران وفنزويلا اللتان رأتا أن النفط ينبغي أن يكون سلعة جيوسياسية يمكن استثمارها في القضايا المحلية والإقليمية.وأيا يكن الأمر من هذين التوجهين فان قمة الرياض قد التفت إلى مواضيع إضافية متعلقة بالبيئة عبر تخصيصها 300 مليون دولا للأبحاث والمساعدة في احتواء عمليات التلوث الناجمة من الاستهلاك النفطي وهي بادرة حسن نية تجاه الدول الكبرى التي تنتج من الغازات الملوثة عشرات الأضعاف من مثيلاتها في الدول المنتجة أو المستهلكة في الدول النامية.
إن النفط رغم أهميته الاستراتيجية وتعدد وتنوع النظرة إليه يبقى املأ في أن يكون سلعة رائدة في تطوير البشرية، بيد أن حسابات الدول ليس ما يشير فيها إلا لمصالحها بصرف النظر عن اتجاهات إنتاج أو استهلاك تلك السلعة التي ستظل متربعة على عرش تحديد وتقويم السياسات الدولية.غريب المفارقات أننا وصلنا إلى يوم تساوى فيه النفط بالماء، فالأول سينضب يوما والثاني طاقة متجددة بذاتها، فلمن ستكون الغلبة، في كلا الحالتين ثمة وقفة تأمل ضرورية للنظر إلى تلك السلع بأنها ضرورة إنسانية قبل أن تكون سلعة استراتيجية لكن من يقرر؟الأمل في أن تكون الأوبك موئلا ومنطلقا لذلك!.

د.خليل حسين
أستاذ القانون والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني