اسواق «البالة» في عمان تجتذب الاغنياء والفقراء معا

عمان ـ من هشام عودة
ارخص .. ارخص

البالة او الملابس الاوروبية المستعملة، هي اسماء لمسمى واحد بات اليوم منتشرا في اسواق العاصمة الاردنية عمان وغيرها من المدن الاخرى، في محلات صارت متخصصة ببيع هذا النوع من البضاعة، يأتي اليها المواطنون من كل مناطق العاصمة، رغم ان بعض هذه المحلات انتقلت بدورها الى الاحياء السكينة لتكون قريبة من المواطنين ولتوفر عليهم مشقة الذهاب الى السوق.
غير ان الحركة التجارية في سوق وسط البلد، حيث تنتشر محلات البالة، تظل في اوجها وعلى مدار ساعات النهار، ولم يؤثر على هذه الحركة وصول جزء من المحلات الى مناطق السكن.
يقول محمد سليمان عيسى "ان وجود محل او محلين لبيع الملابس المستعملة في الحي السكني، لا يمنع ابناء هذا الحي من التوجه الى مركز المدينة بسبب كثرة هذا النوع من المحلات وتنوع وفارق الاسعار ايضا، فأنت عندما تذهب الى سوق يضم عشرات المحلات تختار الذي تريد وبالسعر الذي تريده ايضا، لان مجال المنافسة موجود، وهذا لن يكون متوفرا حسب ما تريده في المحلات الموجودة في مناطق السكن، لانها قليلة ولا مجال فيها للمنافسة والاختيار."
ويقول سلطان قاسم محمود صاحب احد محلات البالة الموجودة في وسط البلد في العاصمة عمان، وهو السوق الذي يعرف بين اوساط العامة بسوق اليمنيين، لانه اقيم على مساحة كان فيما مضى يستعملها الاشقاء اليمنيون لترويج بضاعتهم، يقول "هناك تجار كبار «تجار الجملة» متخصصون في استيراد البالة وبيعها لاصحاب المحلات، نحن لا نتعامل مباشرة مع هؤلاء التجار، لانهم بدورهم صار لهم وكلاء منتشرون في كافة انحاء البلاد، ونحن نقوم بشراء بضاعتنا من هؤلاء الوكلاء."
ويضيف "تأتي رزم مربوطة ومغلفة من مصادرها، وهي انواع، اما ان تكون رزما متخصصة، اي يكون هناك رزما خاصة بالبنطلونات واخرى بالقمصان وثالثة بالبدل وهكذا، او ان تكون رزما مختلطة، اي انها تضم هذه الاشياء، ولكل واحدة من هذه الرزم سعرها الذي بات معروفا ومتفقا عليه بين تجار المفرد وهؤلاء الوكلاء، وعندما نشتري بضاعتنا منهم، نقوم بفتح الرزم وترتيبها حسب ما تحتويه،ثم نقوم بغسلها وكيّها قبل ان نعرضها في محلاتنا، وذلك لاكثر من سبب، ان نقضي على بعض الجراثيم ـ ان وجدت ـ ولابعاد التالف منها، ولكي يكون المعروض من البضاعة مغريا بشكله على الاقل للزبائن."
ويقول "وفي هذه المرحلة لا يفوتنا ان نقوم بتفتيش جيوبها للتأكد من خلوها من بعض المحتويات، وكثيرا ما وجدنا فيها اوراقا نقدية بفئات متفاوتة من عملات بعض الدول الاوروبية، او بعض الاوراق والرسائل الخاصة والصور والفواتير وغير ذلك مما يمكن ان تحتويه جيوب الملابس عادة."
وعن زمن دخول "البالة" الى الاردن وانتشارها بهذه السرعة، يقول السيد سلطان "لا اعرف بالضبط متى كان ذلك، لكنني اذكر ان بعض محلات البالة كانت منتشرة في الستينات من القرن الماضي، وكنا نتردد عليها في مطلع شبابنا، ولم يكن ليخطر في بالي يومذاك انني سأصبح بائعا لمثل هذه الملابس، لكن الذي اعرفه اليوم انها اصبحت تجارة رائجة ومربحة في الوقت نفسه، الى درجة ان بعض كبار التجار صار لهم وكلاء يزودوهم بهذه البضائع بشكل دوري من روما وباريس ولندن وبون وبروكسل وغيرها من العواصم الاوروبية."
وعند سؤالنا له عن اهم زبائنه وعن كيفية تصرفه بالبضاعة اجاب "اعذروني عن ذكر الاسماء، لانني اعتقد ان ذلك يمكن ان يسبب لهم حرجا اجتماعيا، لكنني اؤكد ان زبائني كثيرون، منهم كتاب وادباء وصحفيون وفنانون، باختصار ان شرائح المجتمع كلها تأتي الى البالة، وعندما تأتي بضاعة جيدة اقوم بالاتصال ببعض الزبائن المهمين لاعطائهم فكرة عنها، وعادة ما يكونون اول من يشتري، لانني بت اعرف اذواقهم ومقاساتهم واحتياجاتهم ايضا."
وفي السوق التي كانت مكتظة بالمواطنين سألنا الشاب هيثم فلاح النجار عن نظرته للبالة وسبب تردده على السوق، فقال "بالنسبة لي لم يعد وجودي في سوق البالة يحرجني، خصوصا وانا ارى امامي كثيرا من الاشخاص الذين يتمتعون بمكانة اجتماعية هامة، ولا اخفي عليكم ان ملابسي وملابس عائلتي كلها نشتريها من البالة، وهناك اكثر من سبب لذلك لعل في مقدمتها الجودة والمتانة، فكثير من الملابس التي نشتريها من هذه السوق هي افضل كثيرا من شبيهتها المحلية حتى لو كانت جديدة. في البالة تجد ملابس في حالة جيدة من منتوجات اشهر المحلات الاوروبية، ومع ذلك فإنني اعتقد ان هناك بعض المواطنين ما زالوا يخجلون من التجول في مثل هذه الاسواق، واذا صدف وان اشتروا منها فإنهم لا يعلنون ذلك لاحد."
زيضيف "الوضع الاقتصادي الصعب الذي نمر به جميعا يدفعنا للتعامل مع مثل هذه البضاعة، لانها ارخص كثيرا من مثيلاتها في المحلات الاخرى، ومع ذلك فإن الكثيرين منا قد تخلصوا مما يمكن ان نطلق عليه «ثقافة العيب» وهم يأتون مع الاسرة كلها للتسوق وشراء ما يحتاجونه."
سليم صادق الزيات صاحب محل كبير تبدو عليه النظافة يقول "ان محلي متخصص ببيع الملابس النسائية فقط، فقد اتفقنا، اخي وانا، على هذا الشيء، ان يكون هو متخصصا ببيع الملابس الرجالية، وان اكون انا متخصصا ببيع الملابس النسائية، وها انتم ترون ان المحل مليء بالسيدات من مختلف شرائح المجتمع، الى درجة انني اصبحت اعرف بعضهن معرفة شخصية، واعرف ايضا بنات من هن، او زوجات من، وقد يتفاجأ البعض عندما اقول ان اباءهن وازواجهن رجال معروفون في المجتمع."
وقبل ان نسأله قال السيد سليم الزيات "ان التعامل مع السيدات اصعب بكثير من التعامل مع الرجال، فالنساء يدققن كثيرا في القطعة التي يردن شراءها، اضافة الى مساومتهن في السعر، وهذا لا يعني ان الرجال لا يدققون ولا يفاصلون، لكن ذلك يأتي بدرجة اقل. في البداية كانت السيدات يخجلن من وجودهن في محلات البالة او ترددهن عليها، لكن طبيعة البضاعة الممتازة، وتلبية مثل هذه البضاعة لرغباتهن، مع الاسعار المناسبة، جعلتهن يأتين باستمرار الى هنا، وفي كل مرة تأتي واحدة منهن بصديقتها بعد ان تكون قد اطلعتها على ما اشترته او اخبرتها بسعره."
ويضيف "لأنني اعرف دور المرأة في الاسرة فانني ادركت انها ترغب بتوفير احتياجات اطفالها ايضا من الملابس، لذلك فقد خصصت جانبا من المحل لملابس الاطفال، باعتبار ان المرأة هي الاكثر قدرة على تحديد حاجة اطفالها، وكثير من النساء يأتين الى هنا للشراء لانفسهن ولاطفالهن."
ويقول السيد الزيات "لقد قمت باضافة ركن اخر في هذا المحل لكثير من الاشياء التي تهم البيت وتظل في صلب اهتمامات المرأة ايضا، فلدي انواع كثيرة من الستائر المختلفة الانواع والاشكال، اضافة الى شراشف الاسرة والمناشف وبعض انواع السجاد، وغيرها من احتياجات المنزل التي تقدرها المرأة جيدا. اقول هنا، نادرا ما تدخل امرأة الى المحل دون ان تشتري شيئا، سواء لها او لاطفالها او لبيتها، والذي يدفعها الى ذلك كما قلت، فارق النوعية والاسعار، فهي اذا كانت تقضي جزءا من وقتها تتفرج على المحلات في الاسواق الاخرى ولا تشتري، ليس لأن شيئا لم يعجبها، او انها تريد قضاء الوقت فقط، بل اعتقد جازما ان الاسعار الباهضة في المحلات قياسا بمعدل الدخل هي التي تمنع المرأة من الشراء، فميزانيتها حتما لا تساعدها على ذلك."
ويضيف "وتأتي الى المحل نساء كثيرات ومختلفات في انتماءاتهن العمرية والطبقية، فهناك طالبات في المدارس والجامعات والموظفات وهناك سيدات المجتمع، والكبيرات في السن ايضا، فلكل من هؤلاء حاجتها في المحل الذي يتسع لكل شيء."
وحول هذا الموضوع تقول ام اشرف التي وجدناها في المحل واعتذرت عن ذكر اسمها او التقاط صورة لها لاسباب اجتماعية "انني اتردد على محلات البالة منذ اكثر من عشر سنوات، في البداية وجدت رفضا مطلقا من الزوج والابناء وخصوصا البنات، وقتها لم نخبر احدا من الاقارب والاصدقاء اننا نقوم بشراء بعض الاحتياجات من هنا، اما اليوم فإن الصورة تختلف تماما، فأنا احضر الى هنا مع بناتي وصديقاتي، ولم يعد الامر محرجا لان «عدوى» التسوق من البالة انتقلت الى الجميع."
وتضيف "هنا استطيع اختيار ما اريد، وانا متأكدة من المنشأ الذي ينتمي اليه، بعكس ما هو موجود في المحلات الاخرى والتي قد تحتمل «التزوير»، لكن ما يدفعني الى المجيء هنا هو تناسب اسعار هذه الحاجيات مع ميزانيتي وقدراتي المالية انني لا اتفاءل كثيرا هناك، وتشير بيدها الى بعض المحلات في الشارع الاخر والتي تبيع البضاعة الجديدة، وصارت القضية بالنسبة لي ليس المصدر الذي اشتري منه ملابسي، بل النوعية التي ارتديها امام الناس، وهذا ما توفره محلات البالة التي باتت منتشرة كالجراد في كل ارجاء المدينة، الى درجة الاعتقاد ان الناس جميعهم لا يشترون الا منها."
وتقول ام اشرف "ليس الملابس ومستلزمات البيت وحدها المعروضة في سوق البالة،فهناك محلات متخصصة ببيع الاحذية المستعملة، وربما الاحذية الايطالية ذات الشهرة العالمية هي الانواع الاكثر رواجا وتداولا في سوق الاحذية المستعملة."
يقول صبحي حمد صاحب احد المحلات المعروفة في مركز المدينة "ان للاحذية سوقها وروادها ايضا، ولدينا مصادرنا التي نحصل من خلالها على بضاعتنا المرغوبة كثيرا من المواطنين، وذلك لاكثر من سبب، فهي مصنوعة في اغلبها من الجلد الطبيعي، اضافة الى ما تعنيه الصناعة الاوروبية بشكل عام والايطالية بشكل خاص بالنسبة للمشتري حين يقارن هذه البضاعة مع مثيلاتها المحلية. اهم شيء في عملنا الا تكون البضاعة «مضروبة»، وهذا ما يقوله صاحب المحل، وما عدا ذلك نتكفل به بحيث تبدو بضاعتنا مرغوبة ومقبولة من حيث النظافة والمتنانة والشكل."
ويضيف "لدينا ورشة تصليح داخل المحل ايضا، نقوم من خلالها باجراء بعض التعديلات التي غالبا ما تكون طفيفة على الاحذية، لكن الاهم هو تلميعها وصباغتها بحيث تبدو في نظر الزبون مقبولة.
كثير من الشباب يترددون على محلنا ويشترون احتياجاتهم، سواء الاحذية الصيفية او الشتوية، ومع ذلك فانني اكاد اجزم بان اقبال الشباب على شراء احذيتهم من محلات بيع المستعمل هو اكثر من اقبال السيدات والفتيات، وهذا في تصوري يعود الى الاهتمام الكبير الذي تبديه المرأة بحذائها وحرصها على نوعيته، وكذلك قلة استهلاك الاحذية بالنسبة للسيدات قياسا بالرجال."
وهناك العديد من المشاكل التي يواجهها اصحاب بيع الملابس والاحذية المستعملة، هذا ما يؤكده اصحاب هذه المحلات، وهم يتفقون في الغالب على التفاصيل، حيث يؤكدون ان كثيرا من الزبائن يعتقدون اننا نحصل على بضاعتنا مجانا او بأسعار رمزية جدا، الامر الذي يطلبون معه الشراء باسعار اقل كثيرا من كلفة المتوسط من هذه البضاعة. اننا ندفع ـ يقول اصحاب هذه المحلات ـ اضافة لسعر البضاعة الذي يزداد شهرا بعد اخر، اجرة محلاتنا واجرة عامل او اكثر لدينا، واجرة تنظيف الملابس وكيها او تلميع الاحذية وتصليحها، كل هذه المصاريف مع ما يستحق علينا من ضرائب، يضاف تلقائيا لسعر البضاعة، هذا عدا عن استحقاقنا المادي ومصروفنا ومصروف عائلاتنا.
ويضيف هؤلاء ان انتشار محلات بيع الملابس والاحذية المستعملة قد تضاعف كثيرا في السنوات الاخيرة، الى درجة ان عددها في بعض الاحياء الشعبية يوازي عدد البقالات تقريبا، الامر الذي تسبب في توزيع الزبائن وانحسارهم عن بعض المحلات.
لكن الجميع يؤكدون ـ باعة ومشترين ـ ان زبائن محلات بيع الملابس المستعملة "الاوروبية " ليسوا من الفقراء او ذوي الدخل المحدود فقط، فان اماكن انتشار هذه المحلات لم يعد مقتصرا على الاحياء الشعبية، بل امتدت لتغزو ارقى الاحياء واحدثها في العاصمة، لكن الشيء المختلف حتما بين هذه المحلات او تلك، ليس في نوعية البضاعة فحسب، بل في اسعارها ايضا، فالقطعة التي يمكن ان تباع بخمسة دنانير في الاحياء الشعبية قد يصل سعرها الى اكثر من عشرين دينارا في الاحياء الراقية.
وفتحي ابراهيم صاحب احد المحلات في واحد من هذه الاحياء يقول "ان ابناء وبنات الاحياء الراقية لا يحبون شراء البضاعة الرخيصة حتى لو كانت نوعيتها جيدة، فحتى تبيع بضاعتك لابد من رفع سعرها. لم تعد البضاعة الرخيصة الاوروبية هي وحدها المسيطرة على سوق الملابس والاحذية المستعملة في السوق الاردنية، بل اصبح لها الان منافس واضح، حيث انتشرت مؤخرا الكثير من المحلات التي ترفع على واجهاتها لافتات تقول «الملابس الاميركية» كنوع من المنافسة والتميز عن السائد الذي تعود عليه التاجر والمشتري معا، واذا كان القول بان ثمن البضاعة وكلفة شحنها من اوربا الى هنا، قد يكون اقل من مثيلاتها في اميركا. اذن ما الذي يجنيه التاجر او يستفيد منه، اذا لم يكن منافسا حقيقيا للبضاعة الاوروبية. الاجابة تظل واضحة في حجم المحلات والبضاعة الاوروبية المنتشرة في كل مكان. ثم ما الذي يمنع صاحب المحل الذي يرفع لافتة تقول الملابس الاوروبية من بيع الملابس الاميركية دون اعلان عن ذلك، المهم ان البضاعة رائجة جدا والمستهلك هنا لا يهمه مصدر البضاعة.. بقدر ما يهمه ثمنها ونوعيتها.. وهذا وحده يكفي."