اسطورتان لبنانيتان: الضعف والحياد السويسري

بقلم: فيصل جلول

تداعب فكرة الحياد مخيلة بعض القادة اللبنانيين في الاكثرية النيابية الحالية. ويعتقد هؤلاء ان لبنان "دفع ما فيه الكفاية في الصراع العربي الاسرائيلي وقد حان الوقت ليرتاح وليعيش اللبنانيون" خارج هذا الصراع. وتنهض فكرة الحياد على خليط من المقاربات كالتلويح بالمثال السويسري او الرجوع الى اطروحة معروفة لدى تيار لبناني قديم مفادها ان لبنان بلد صغير بمساحته وبمحدودية وسائله الاقتصادية والبشرية وبالتالي لا يستطيع حماية نفسه الا بالحياد بل ربما كانت "قوته في ضعفه" بحسب شعار درج الرئيس الراحل شارل حلو واخرين على ترديده في النصف الثاني من القرن الماضي.
تنطوي مقارنة الحالة اللبنانية مع سويسرا على مغريات مهمة لكنها غير كافية لبلوغ الحياد المنشود. ذلك ان المكونات الاجتماعية السويسرية الاساسية الثلاث ـ الفرنسية والالمانية والايطالية ـ هي امتداد لمحيط هذا البلد الذي ارتضى سكانه العيش معا في وطن مفدرل بدلا من العيش مع امتداداتهم الطبيعية. والقطاع المصرفي اللبناني يشبه بالقطاع المصرفي السويسري في نجاحه وسريته فضلا عن السياحة والطبيعة الجبلية وذلك الى حد ان اللبنانيين كانوا يصفون بلدهم في ستينيات القرن الماضي بـ"سويسرا الشرق" اضف الى ذلك ان اطراف الحرب الاهلية اللبنانية اجتمعت في سويسرا في ثمانينات القرن الماضي للتوصل الى اتفاق وطني وفي اعتقادهم ان الحرب الاهلية السويسرية ختمت بالحياد ويمكن للحرب اللبنانية ان تختم بالطريقة نفسها بيد أن المقارنة تقف عند هذه الحدود ولا تتعداها الى الجوهر. فالحياد السويسري تم بقرار اوروبي اتخذ في العام 1815 من طرف الدول الاساسية في اوروبا وليس ناجما عن رغبة محلية حصرا والمجتمع السويسري هو محصلة لتعددية ثقافية ولغوية متناقضة ولا يشبه لبنان العربي في ثقافته ومجتمعه في حين ان الجيش السويسري الذي يضمن حياد البلد يصنف بين اقوى جيوش العالم (10 بالمئة من السكان يجيدون استخدام السلاح ويصل عديدهم الى 600 الف جندي اواخر القرن الماضي) في حين تكاد السلطة المركزية ان تكون شكلية الى حد ان احد لايذكر اسم رئيس البلاد او حكامها وغالبا ما يقال ان الثراء السويسري يحيل النخبة الحاكمة الى مجموعة من الاداريين البيروقراطيين الذين يملكون ولا يحكمون بالمقابل يكاد الجيش اللبناني ان يشكل فدرالية طوائف و لايحوز على الوسائل اللازمة التي تتيح له الدفاع الفعلي عن البلاد بل يكاد دوره ان ينحصر في الداخل اللبناني وليس على الحدود الدولية.في حين تتكون النخب الحاكمة اللبنانية من بيوت سياسية متنازعة وفقيرة في ثقافتها السياسية ولا يعول على وطنيتها.
وبخلاف طبيعة النزاعات الاوروبية التي اتاحت حياد سويسرا فان الصراع ـ العربي الاسرائيلي ذا الطابع الوجودي لا يتيح لاي بلد عربي ان يكون محايدا فما بالك اذا كان هذا البلد يحاذي فلسطين المحتلة وتستخدم الدولة العبرية اجواءه واراضيه للضغط على سوريا المعنية حتى العظم بالصراع مع اسرائيل فضلا عن وجود اكثر من نصف مليون فلسطيني مهجر في المخيمات اللبنانية ينتظرون الرجوع الى فلسطين. هذا اذا اردنا اهمال عضوية لبنان في الجامعة العربية ورفض القسم الاكبر من اهله الانفصال ولو حيادا عن العالم العربي.
هكذا يتضح ان مقومات الحياد اللبناني على الطريقة السويسرية تكاد ان تكون منعدمة فلا غالبية اللبنانيين تريد الحياد ولا سوريا تحبذه فيما اسرائيل ربما تقبل به فقط خلال الوقت المطلوب للتخلص من المقاومة اللبنانية التي باتت تشكل بحق تهديدا جديا لقوة الردع الاسرائيلية في الشرق الاوسط.
اما عن التلويح بـ"ضعف لبنان" في معرض المطالبة بحياده فهو ما لا يعول احد عليه بصورة جدية ذلك ان الضعف يغري الجميع بالتدخل في الشؤون اللبنانية ولا يفضي باية صورة من الصور الى الحياد. فالدولة الضعيفة لا تحمي ثروتها وتستدرج الاقوياء للاعتداء عليها وهضم حقوق ابنائها ولا تنتزع اعتراف المتحاربين بعدم انحيازها. واذا كان لبنان قد تذرع بحياده الوهمي ولم يشترك في الحروب العربية ـ الاسرائيلية فان مفاعيل واثار هذه الحروب طرقت ابوابه وتفاعلت في المجتمع اللبناني المنقسم وداخل المخيمات الفلسطينية وتسببت بحرب اهلية دموية واحتلال اسرائيلي لبيروت في العام 1982 ومن ثم حروب تحرير الارض اللبنانية التي لم تتم فصولا بعد.
اما القول بان القوانين الدولية مرشحة لضمان الحياد اللبناني فهو يصدر عن اعتقاد ساذج ومثير للسخرية او عن محاولة استغباء للرأي العام لا تصمد طويلة امام الوقائع الدامغة فالقانون الدولي هو قانون الاقوياء وقد وضع لحماية مصالحهم وهم ينتهكونه ساعة يحلو لهم ويطبقونه حين يشاءون والدليل ان اسرائيل محمية بالقانون الدولي وتدوس القرارات الدولية يوميا دون حسيب او رقيب.
ما يعني ان القوانين الدولية لا تحمي لبنان المحايد وانما لبنان الخاضع لاسرائيل وللقوى الدولية التي تقف وراءها .
قصارى القول ان "الحياد اللبناني" المرتجى لا يبنى على الضعف معطوفا على المثال السويسري الا في خيال بعض اللبنانيين الذين يتوهمون ان "عبقريتهم" ساحرة الى حد التوليف بين المتنقاضات ولي عنق الحقائق وقهر وقائع الجغرافيا والتاريخ وموازين القوى ولعل هذا الضرب من العبقرية كلفنا في لبنان اثمانا باهظة منذ نشؤ الكيان ومن حسن الحظ ان "عباقرتنا" ما عادوا يملكون وحدهم سلطة القرار في "بلاد الارز" وعليه لن يكون مصير "الحياد" الذي يلوحون به افضل من مصير مشاريعهم السابقة حول الفدرالية والكونفدرالية والكانتونات والدويلات الطائفية.
لقد ادرك القسم الاعظم من اللبنانيين ان حماية بلدهم لا تتم بغير قوتهم الذاتية وان مصير وحدتهم الوطنية معلق على قدرتهم على ردع عدوهم الاسرائيلي الوحيد ولعل الشعب الذي يتملكه مثل هذا الاعتقاد من الصعب خداعه بأوهام "الحياد" و"الضعف" واحترام القانون الدولي المزعوم. فيصل جلول