'اسطاسية' صرخة ضد الفساد والعنصرية في مصر

حاوره ـ حمدي أبوجليل
اكتشفت أن هناك قارئا جديدا

معروف أن الروائي خيري شلبي واحد من أهم أدباء جيل الستينيات، وأغزر الروائيين المصريين إنتاجا بعد نجيب محفوظ، وحصل على عدد من الجوائز منها جائزة نجيب محفوظ، وجائزة الدولة التقديرية، وترجمت أعماله إلى عديد من اللغات، فضلا عن أنه عصامي، صنع نفسه بنفسه، واشتغل في مهن يدوية كثيرة، وعاش حتى في القبور.
أنجز شلبي مشروعاً ضخما تجاوز السبعين كتابا، ولكن ما قد لا يعرفه كثيرون أنه حكاء من طراز فريد، تربى على الشعر الشعبي والسير الشعبية التي يحفظها عن ظهر قلب، وفي طفولته كان يرويها لأهالي قريته، ولعل أهم ما يميز روايته الأخيرة "اسطاسية" الصادرة عن دار الشروق بالقاهرة، أنه عاد فيها إلى عالم القرية الذي عرف به. والرواية استفادت من الاثنين، من الأسطورة الشعبية، ومن الخبرة الروائية الطويلة، وبهما اقتحمت بجرأة غير مسبوقة موضوعا في منتهى الحساسية، هو وضع "الأقباط" في مصر الحالية، وحول هذه الرواية كان هذا الحوار. * لماذا عدت للقرية في هذه الرواية بعد أن غادرتها للمدينة في روايتيك السابقتين؟ ■القرية أساس مشروعي، رواياتي (السنيورة، والأوباش، والعراوي، وفرعان من الصبار، وموت عباءة، وبغلة العرش) كلها في القرية، وأنا اعتبرها مصدر الهامي، ولا يزال لدي إحساس بأن القرية ما زالت بكرا، ولم تكتب كما ينبغي في الأدب، أو قل إنها كتبت من زاوية واحدة هي زاوية أبناء البورجوازية في أعمال يوسف إدريس، وعبدالرحمن الشرقاوي، ومحمد حسين هيكل، وسعد مكاوي، وغيرهم من الكتاب الفلاحين الذين كتبوا عن القرية. وأنا أحاول تناولها من وجهة نظر الطبقة الفقيرة، أنفار اليومية والحرفيين والمعدمين والتملّية والعاطلين وصغار الفلاحين، أي البنية التحتية للقرية. * القرية التي تدور فيها رواية "اسطاسية" تبدو قرية ديموقراطية، الناس فيها متساوون رغم الصراع الدموي المستمر بينهم طوال أجزاء الرواية؟ ■ هذا يرجع للبنية الأساسية للقرية المصرية التي تفرض هذه المساواة في العلاقات، فالقرية، أي قرية، عبارة عن مجموعة عائلات، وكل عائلة لها كبير، وكل عائلة يجب أن تُحترم سواء كانت فقيرة أو غنية، لأن القانون الذي يحكم القرية هو قانون الاحترام المتبادل والتكافل، وبدونه تنفك القرية، وربما تدمر، لذلك فإن عمدة القرية لا ينجح في إدارتها وإقرار الأمن فيها، إلا إذا تضامن معه كبار عائلاتها وخلق بينهم توافقاً وتآلفاً وأشركهم دائما في قراراته سواء كانوا من الأغنياء والفقراء.
الرواية في مجملها تبدو أقرب إلى صورة مصغرة للواقع المصري في الفترة الراهنة، وتركز على نحو خاص على أشكال الانهيار، من أول انهيار بعض المسؤولين الفاسدين حتى انهيار القيم والأخلاق بين الناس.. هل هي رسالة تحدٍ؟
■ احتمال، هي تقدم نوعا من الرثاء للعدالة المفتقدة، والموضوع الأساسي في فكرة العدل، فكرة الجريمة والعقاب، ومأساة مصر الآن هي هذه، مصر الآن ترتكب فيها جرائم مروعة، ومن هنا جاء بطل الرواية دارس حقوق ومرشحاً للعمل بالنيابة، ومن سوء حظه أن عائلته متورطة في جريمة رغم أنها العائلة الحاكمة في القرية، وهذا هو السؤال الأساسي في الرواية: كيف يكون الحاكم هو المجرم. * الرواية تتضمن جزأين متداخلين، الأول وهو المختص بسيرة بطلها حمزة وأسرته تتابع فصوله عبر الأرقام، والثاني وهو المختص بالتحقيق في مقتل ابن بطلتها "اسطاسية" تتابع فصوله عبر الحروف، هل كنت تقصد كتابة رواية داخل الرواية؟ ■ لا هي راوية واحدة، يقوم التكنيك فيها على قسمين متوازيين ومتجادلين مثل طرفي الحبل، والمقصود حبل العدالة الذي سيطوق المجرمين في النهاية، الطرف الأول هو الفصول الحرة التي تتطور حسب التطور الزمني مع إيقاع الفعل والأحداث من أول الرواية حتى آخرها، والطرف الثاني للحبل هو ملف التحقيقات التي يجريها حمزة بطل الرواية لكشف قتلة ابن "اسطاسية"، وهو ملف غير تقليدي قائم على حكايات الناس، ويختلط مع الفصول الحرة لتقديم تطور جديد في الجريمة التي لا تظهر إلا مع نهاية الرواية. "اسطاسية" بطلة الرواية الفقيرة الضعيفة انتصرت في النهاية وانتقمت من كل ظالميها وقتلة ابنها بسلاح الدعاء والبكاء المتواصل رغم أنهم يملكون السلطة والمال.. بمَ تفسر ذلك؟ ■ الرواية تقدم تفسيراً إنسانياً لما يسمى بالعدالة الإلهية، مثل الجريمة والعقاب لدوستيوفسكي، المجرم في الجريمة والعقاب لم يكشفه البوليس وإنما هو الذي كشف نفسه، "يكاد المريب أن يقول خذوني"، وهذا من وجهة نظري هو العدل الإلهي. ومن ناحية أخرى حاولت في هذه الرواية أن أحقق قانون الصدفة، أنا مؤمن بنظرية الصدفة لكن ليس باعتبارها صدفة إنما باعتبارها نتيجة لأحداث خفية لا ندركها، بمعنى أن هناك قانوناً خفياً يحكم الأشياء ويحكم حياتنا، وهذا ما حاولت أن أحققه وأقترب منه في قضية "أسطاسية"، فهي التي خلقت بالدعاء والنواح المتواصل لمدة خمس سنوات المناخ المتوتر الذي أوقع كل المجرمين في حقها. *الرواية تناقش التشدد الديني وتنتقده بشدة. كيف ترى هذه المسألة، وهل هي رسالة تحذير أخرى؟ ■أرى أن محنة مصر الآن هي الفكر الديني السلفي المتشدد الذي تغلغل بالفعل في التربة المصرية وليس فقط في الشخصية، والأجيال الجديدة تولد فيه، وأي برامج للتنمية في مصر محكوم عليها بالفشل مقدما، ما دام هذا الفكر التواكلي الكاره للحياة والتقدم متغلغلاً هكذا، فهو يحيل الناس قبائل من العبدة المخلصين الذين لا يشغلهم أي شيء في الدنيا سوى إقامة الطقوس الدينية، ونسيان العلم والرياضة والإبداع وكل ما يعني الحياة وتطورها! * هل الاهتمام بوضع أو أزمة "الاقباط" في الرواية من خلال شخصية "اسطاسية"، وبجرأة جديدة على الرواية المصرية، يأتي في هذا السياق، وهل هو استجابة لواقع التوترات الطائفية التي تحدث في مصر بين فترة وأخرى؟ ■ لا .. هو الواقع فعلا، وأنا في الحقيقة لا فضل لي في رسم شخصية "اسطاسية" لأنها موجودة في كل قرية مصرية، المرأة القبطية الأرملة التي أنجبت ولدا وحيدا، وهذا النموذج كان موجوداً في قريتي وبنفس الاسم "اسطاسية"، وهو على ندرته كثير جدا في الصعيد، وعندما انتهيت من الرواية عرفت أنه يعني "الاقتراب من الرب" باللغة القبطية.
أنا من مواليد 1938 كما تعلم، وطوال فترة طفولتي كان التوتر الطائفي في مصر على أشده، خصوصا في القرى وبالذات قبل حرب 1948، وذلك يرجع إلى أن الاحتلال الإنجليزي كان يعمل بلا هوادة على إشعال التوتر الطائفي وفق نظريته الشهيرة "فرق تسد"، ونجح في خلق روح عدائية بين قطبي الأمة. *لكن الاحتلال الإنجليزي رحل منذ زمن، والرواية ترصد توتراً طائفياً في اللحظة الراهنة؟ ■ نعم فهو من آثاره الباقية، ثم إن الاحتلال ما كاد يرحل حتى ظهرت التيارات السلفية المتشددة المتعصبة بالسليقة ضد كل ما هو غير إسلامي، وهذا مكمن خطورتها على المجتمع المصري والإنساني العمومي. * يلاحظ أن بطل الرواية "حمزة" عكس بطلتها "اسطاسية"، لا يقدم على الفعل بل يدفع من الآخرين سواء كانت أمه أو حبيبته أو "اسطاسية" نفسها؟ ■ هذا يرجع إلى أن كل دوره يقوم على كشف جريمة القتل، والإصرار على الوصول إلى الحقيقة وتقديم المجرمين للعدالة، وحينما يصل إليها وإليهم تبدأ حياته، وهذا ما تم في نهاية الرواية.
* بما أن هذه الرواية نجحت بسرعة وتصدرت قوائم الأعلى مبيعاً في مصر، وطبعت أكثر من طبعة هل تشعر بظهور قارئ جديد للأدب؟

■ نعم، سأعترف لك بأني منذ فترة تملكني الإحساس بالزهد، وبأنني أديت رسالتي في الحياة، ولكن في الفترة الأخيرة أصبحت أتمنى أن يطول العمر لأني اكتشفت أن هناك قارئاً جديداً لم أعرفه طوال مسيرتي الأدبية. * هل ظهور هذا القارئ ارتبط بغياب نصوص الحداثيين الغامضة ومقولاتهم النقدية العويصة، وهل نقد الحداثيين الذي هيمن في السبعينيات والثمانينيات أثر في انتشار أعمالك؟
■ نعم هذا صحيح تماما لأن نصوص الحداثيين، وعلى رأسهم أدونيس وإدوار الخراط، باغترابها وغموضها وكونها أصداء مشوهة للثقافة الغربية، أبعدت القارئ عن الأدب. وأنا شخصيا عانيت منهم طويلا ولم ينقذني إلا التوقف عن قراءة إسهاماتهم النقدية والإقامة الدائمة في المقابر!
حمدي أبوجليل ـ القاهرة