اسرائيل فقدت في 'الشيخ اسامة' حليفا استراتيجيا...

بقلم: خيرالله خيرالله

لقي اسامة بن لادن المصير الذي يستحقه. يفترض في العرب ان يكونوا اوّل المباركين لادارة باراك اوباما بهذا الانجاز. لكنّ الاهمّ من ذلك كله، يفترض بهم السعي الى التعلّم من التجربة التي مروا بها بسبب اسامة بن لادن وان لا يترددوا في طرح الاسئلة الصعبة التي تتناول البيئة التي انتجت مثل هذه الظاهرة التي اساءت اليهم، بغض النظر عن الديانة التي ينتمون اليها، اضافة الى انها اساءت الى كل المسلمين في كل بقعة من هذا العالم. متى تجرّأ العرب على طرح الاسئلة المحرجة المرتبطة بالبيئة التي انجبت بن لادن وامثاله، يصبح هناك امل في تلافي تكرار الظاهرة المرضية مستقبلا.

ربما كان الدرس الاوّل الذي يمكن تعلّمه من قتل اسامة بن لادن ان الحرب على الارهاب مستمرة وان اوباما مصرّ على السير فيها الى النهاية على الرغم من اعلانه في مرحلة معينة ان هذه الحرب انتهت. كل ما في الامر ان الرئيس الاميركي الحالي شاء تمييز نفسه عن سلفه جورج بوش الابن. يتبين اليوم انه يتابع تلك الحرب ولكن بطريقة مختلفة. لن يفلت اي مجرم من العدالة الدولية حتى لو احتاجت ملاحقته الى عشر سنوات او اكثر. لا يمكن لايّ ارهابي ان يبقى حرا طليقا الى ما لا نهاية. ستطاله يد العدالة عاجلا ام آجلا...

انتهى العالم من اسامة بن لادن الذي كان بعض الجهلة، او على الاصحّ اشباه المتعلّمين يسمونه "الشيخ اسامة". كانت نهايته اكثر من طبيعية. حصد اسامة بن لادن ما زرعه. اسوأ ما في الامر انه انتهى على يد الاميركيين الذي لعبوا في الاصل دورا اساسيا في صناعته وصناعة امثاله.

الاكيد الآن ان هناك من سيترحم على اسامة بن لادن داعيا الى دوام الخط الذي التزمه، بدليل الموقف الغريب الصادر عن "حماس". انه خط قائم على الكراهية ورفض الآخر قبل اي شيء. ان رفض الآخر هو ما برر لبن لادن القتل على الهوية والانقلاب على كل القيم التي يدعو اليها الدين الحنيف. المؤسف انه وجد اتباعا له في كل انحاء العالم لا همّ لهم سوى الترويج للكراهية وصولا الى تنفيذ غزوتي نيويورك وواشنطن في العام 2001. اولئك الذين سيترحمون على اسامة بن لادن يعرفون ان مصيرهم مرتبط باستمرار "القاعدة" وجرائمها والوجه البشع الذي يظهر عبره العرب والمسلمون في العالم. بين هؤلاء عرب وغير عرب واسرائيليون كانوا يرون في اسامة بن لادن افضل حليف في حربهم على السلام في الشرق الاوسط وعلى الفلسطينيين تحديدا. اقام العرب وغير العرب من عشاق اسامة بن لادن حلفا سرّيا معه سمّي في العلن جبهة "الممانعة". لا همّ لهذه الجبهة سوى القضاء على كل امل في السلام مع التركيز على تشجيع الاحزاب المذهبية من اجل تفتيت المجتمعات العربية من داخل. اكمل هؤلاء العرب وغير العرب على طريقتهم ما باشر به اسامة بن لادن الذي قسم العالم الى فسطاطين على طريقة بوش الابن. اما الاسرائيليون، على رأسهم بنيامين نتانياهو فانّهم، بغض النظرعما يقولون في العلن، فقدوا في اسامة بن لادن حليفا استراتيجيا مهما كان يوفّر عليهم بذل اي جهد من اي نوع كان في اتجاه الاقدام على اي خطوة تصبّ في تقدّم عملية السلام مع الجانب الفلسطيني. هل هناك من يريد ان يتذكّر ان ارييل شارون استغلّ العمل الارهابي الذي ارتكبه اسامة بن لادن واتباعه في الحادي عشر من ايلول- سبتمبر 2001 كي يضع ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني في الاقامة الجبرية مانعا اياه، بتواطؤ عربي، من حضور قمة بيروت في آذار- مارس من العام 2002؟ اعتبر شارون نفسه شريكا في الحرب على الارهاب التي اعلنها بوش الابن وقتذاك. وفر له الفلسطينيون الذين نفذوا عمليات انتحارية في اسرائيل فرصة لرفع شعار غياب الشريك الفلسطيني.

ذهب "ابو عمّار" ضحية اسامة بن لادن. بقي اسير "المقاطعة" في رام الله حتى وفاته في العام 2004. الى اليوم لا تزال القضية الفلسطينية تعاني من فكر بن لادن ولا يزال الاحتلال الاسرائيلي يتسلح بهذا الفكر الانتحاري لتبرير رفضه التفاوض الجدي مع الجانب الفلسطيني

لم يتغيّر شيء حتى يومنا هذا. لا يزال الشعار الذي يرفعه الاسرائيليون نفسه. الفارق ان العالم العربي كله يتغير، بما في ذلك الاسلام السياسي. يبدو ان الحكومة الحالية في اسرائيل لا تريد اخذ العلم بذلك. رهانها على ان فكر بن لادن سينتصر وان لا امل في تطور الاخوان المسلمين الذين خرج فكر "القاعدة" من رحم فكرهم. رهانها لا يزال على فكر "حماس" التي دانت عملية التخلص من اسامة بن لادن واظهرت مرة اخرى انها متواطئة مع الاحتلال الاسرائيلي وان همها محصور في تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني وليس تحقيق حلم قيام الدولة المستقلة...

من الملفت ان الثورات العربية لم ترفع شعارات تدعو الى الكراهية ورفض الآخر. لم يكن هناك شاب عربي واحد يحرق علما اميركيا او يدعو الى رمي اليهود في البحر. يعرف الثوار العرب من تونس الى ليبيا مرورا بمصر وسوريا والجزائر ان مشكلتهم مع حكامهم اوّلا وان القاء المسؤولية على اميركا ممارسة لعملية هروب الى امام ليس الاّ. من الواضح ان قتل بن لادن يأتي في وقت هناك ثورات على كل نوع من انواع الفكر المتحجر، بما في ذلك فكر "القاعدة". الى اي حدّ ستنجح هذه الثورات في التخلص من هذا الفكر؟ الجواب ان الكثير يعتمد على مدى قدرة الاخوان المسلمين على التطور والانتقال من مرحلة الحزب الديني المتزمت الذي يراهن على اثارة الغرائز، حتى لو تطلب ذلك التحالف سرا مع ايران، الى الحزب الليبيرالي القادر على الانفتاح على كل ما هو حضاري في هذا العالم. ما يدعو الى بعض التفاؤل ان الاخوان المسلمين في تركيا، على راسهم رئيس الجمهورية عبدالله غلّ، لم يجدوا حرجا في ابداء ارتياحهم الى التخلص من بن لادن، علما ان التخلص من رجل لا يعني في الضرورة التخلص من الفكر المتخلف الذي وجد من يعتنقه في مناطق مختلفة من العالم!

خيرالله خيرالله