اسرائيل تبحث عن مفاوضات سلام في الوقت بدل الضائع

من سيدفع الثمن؟

ضغوط من واشنطن وقلق بشأن مكانتها الدولية وتوجس من الاضطرابات في الشرق الأوسط كانت كلها من الأسباب الكثيرة التي دفعت إسرائيل للعودة إلى محادثات السلام مع الفلسطينيين هذا الأسبوع بعد أن توقفت لمدة ثلاث سنوات.

ظاهريا لم يجد الإسرائيليون أسبابا تذكر للعودة سريعا إلى المفاوضات فالوضع الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة متماسك كما أن مسألة ما يعرف باسم عملية السلام سقطت من الأجندة السياسية المحلية إلى حد كبير.

لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ربما أدرك أنه لا يمكنه تجاهل جهود الولايات المتحدة الرامية لاحياء المحادثات وأقر بأن الاليات المضطربة في المنطقة تجعل التواصل مع الفلسطينيين مجديا.

وقال نتنياهو لمجلس الوزراء الإسرائيلي الأحد قبل أن يقرر استئناف المحادثات "استئناف العملية الدبلوماسية في هذا الوقت مهم لدولة إسرائيل لمحاولة إنهاء الصراع وبالنظر إلى الواقع المعقد في منطقتنا خاصة التحديات الأمنية من سوريا وإيران".

وانهارت الجولة السابقة من المفاوضات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة بعد أن بدأت في 2010 بسبب خلاف حول استمرار البناء الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية على أراض يريدها الفلسطينيون جزءا من دولتهم في المستقبل.

وعلى الرغم من استمرار رفض نتنياهو لمطالب الفلسطينيين بوقف البناء فإنه وافق على الافراج عن 104 سجناء من الفلسطينيين كبادرة حسن نوايا مما أدى إلى انتقادات شديدة من حلفائه اليمينيين الذين يقولون إن هذا الأمر سيشجع الارهاب.

ويشير تقديم نتنياهو لهذا التنازل السياسي الحساس إلى أنه يقع تحت ضغط هائل من وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي زار المنطقة ست مرات في غضون خمسة أشهر فقط في محاولة لاحياء عملية السلام المتعثرة.

وقال عاموس يدلين وهو رئيس سابق للاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ويترأس حاليا معهد أبحاث الأمن القومي "لم يرد أحد أن يخسر لعبة إلقاء اللوم لذلك ذهبنا إلى واشنطن".

والأمر نفسه ينطبق على الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وقد يسفر هذا الضغط عن تقدم حيث قال مسؤول إسرائيلي طلب عدم ذكر اسمه "من يحبط خطط الأميركيين سيدفع الثمن".

لكن سياسة لي الذراع الأميركية وحدها لا تفسر قرار نتنياهو العودة لطاولة المفاوضات بشكل كامل. فالاضطرابات في المنطقة لعبت دورا مهما أيضا.

خلال السنوات الثلاث التي أعقبت آخر مسعى فاشل لتحقيق السلام انقلب العالم العربي رأسا على عقب بانتفاضات غيرت شكل الشرق الأوسط.

ولم تتحدد معالم الانتفاضة خاصة في سوريا ومصر لذا حث سياسيون إسرائيليون كثيرون نتنياهو على عدم فعل أي شيء وانتظار مرور العاصفة الأمر الذي بدا أنه استراتيجيته المفضلة حتى الان.

لكن ايتامار رابينوفيتش السفير الاسرائيلي السابق في واشنطن قال إن رئيس الوزراء لا يمكنه التظاهر بأن إسرائيل ليست جزءا من الشرق الأوسط وعليه أن يحاول إحلال بعض الهدوء والنظام وسط الفوضى.

وأضاف "انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط يلعب دورا معقدا ومتناقضا. إن تقديم تنازلات تتعلق بالاراضي أصعب لكن على الناحية الأخرى فإن إسرائيل تريد أن تكون لاعبا في منطقة تشهد مثل هذه التغيرات الكبيرة. "ولكي تفعل هذا يجب عليها أن تتفاوض مع الفلسطينيين".

ومنذ اندلاع الانتفاضات الشعبية في العالم العربي في أواخر 2010 أصبح الغموض هو الشيء الوحيد تقريبا الذي يمكن لاسرائيل الاعتماد عليه ليجلب لها مكاسب على المدى القصير ومخاوف على المدى البعيد.

ووقعت إسرائيل اتفاقية سلام مع مصر قبل ثلاثة عقود وهي في حالة حرب باردة مستقرة مع سوريا منذ فترة طويلة لكن الاضطرابات أضرت كثيرا بالدولتين العربيتين.

ورغم صمت المسؤولين الاسرائيليين حيال التغيرات الأخيرة في مصر فإنهم ارتاحوا دون شك لعودة الجيش المصري إلى المشهد وعزل الرئيس الاسلامي السابق محمد مرسي مما يضعف حركة المقاومة الاسلامية (حماس) التي تسيطر على قطاع غزة.

كما أن الحرب الأهلية في سوريا تجعل إسرائيل تسترخي لتتابع التخلص ممن كان عدوا قويا لها في يوم من الأيام.

لكن الفوضى سمحت لمسلحين جهاديين بالنشاط في جبهتين ظلتا هادئتين في السابق وزرعت بذور اضطرابات محتملة في الأردن الدولة العربية الأخرى التي أبرمت اتفاقية سلام مع إسرائيل.

وبناء على هذا قال يوسي بيلين مهندس اتفاقات أوسلو عام 1993 مع الفلسطينيين إن الوقت مناسب لمحاولة إنهاء الصراع مع الفلسطينيين.

وأضاف "عندما ترى كل هذه الأزمات من حولنا فإنه يمكننا أن نخلق مع الفلسطينيين والأردنيين ومع المصريين في المستقبل مجموعة من الدول المسالمة التي تفهم أهمية السلام والتعاون ويكون لها تأثير في المنطقة بأسرها".

وعبر دبلوماسيون في الاتحاد الأوروبي عن الأمر نفسه وزاد الاتحاد من الضغوط على نتنياهو للعودة إلى المحادثات عندما أعلن هذا الشهر أنه سيقطع المساعدات المالية عن الجماعات الاسرائيلية التي تعمل في الأراضي المحتلة الأمر الذي نبه إسرائيل إلى أن صبر الاتحاد الأوروبي ينفد.

وقال رابينوفيتش "خلال الشهور القليلة الماضية أصبح ثمن استمرار الوضع الراهن أوضح بكثير أمام نتنياهو وفي فترته الثالثة ربما يكون قد فكر في تاريخه."

وعند الحديث عن التاريخ فإن حلفاء نتنياهو يقولون إن تركيزه الأكبر ينصب دائما على التصدي للبرنامج النووي الإيراني. وقال نتنياهو نفسه لحكومته يوم الأحد إن المخاوف بشأن إيران تؤثر مباشرة على صنع قراراته فيما يتعلق بالفلسطينيين.

وقال نتنياهو لسنوات إن إيران تخطط لصنع قنبلة نووية وحذر من أن هذا خطر على وجود إسرائيل.

ورغم نفي إيران هذا الأمر فإن نتنياهو يعتقد أن الوقت ينفد أمام محاولة حل هذه القضية. وقال الزعماء الاسرائيليون مرارا إن واشنطن يجب أن تقود جهود وقف إيران إما عسكريا أو عن طريق العقوبات الاقتصادية أو الدبلوماسية.

وفي هذا السياق قال محللون إن إسرائيل لا يمكنها المجازفة بإثارة ضيق الولايات المتحدة بإحباط جهود كيري التي لم يسبق لها مثيل.

وقال عوزي رابي رئيس مركز موشي ديان لدراسات الشرق الأوسط "وضع نتنياهو إيران في الاعتبار وأقدم على خطوة محسوبة للغاية لضمان بعض التأييد الأميركي في خطوات ملموسة وفاصلة أكثر تتعلق بالشأن الإيراني".