اسرائيل انموذج الحضارة التكنوالكترونية الاميركية

بقلم: بلال شرارة

-1-
لا يختلف اثنان على ان اسرائيل هي الثابت الوحيد في السياسة الاميركية الخارجية، وان اتفاقيات التعاون العسكري والمتنوع التي تربط بين الولايات المتحدة واسرائيل هي اقوى واشد ارتباطا من ما يجمع الولايات المتحدة مع دول حلف شمال الاطلسي، بل ان الاسلحة والخدمات الاستخباراتية والتكنولوجيا العسكرية التي تقدم لاسرائيل هي محظورة على دول الحلف.
والادارات الاميركية المتعاقبة، الديموقراطية والجمهورية على السواء، التزمت امن اسرائيل وجعلت من بناء قوة اسرائيل المتفوقة هدفا دائما، ولم تبخل اي من الادارات الاميركية على اسرائيل ليس فقط بالمساعدات السنوية المعلنة بل كذلك بتقديم التزامات مالية لكل انواع المشروعات الاسرائيلية.
والتبريرات الاميركية لهذا النهج كانت متعددة، منها الحاجة الى اسرائيل لمواجهة النفوذ السوفياتي في مرحلة من المراحل، ومواجهة السياسات المعادية لامريكا التي قادتها مصر وسوريا والتبرير على وجه الخصوص ينطلق من ان اسرائيل تمثل واحة الديموقراطية في الشرق الاوسط بمواجهة انظمة راديكالية متطرفة، وكذلك انماط متخلفة من الانظمة القابضة حيث تسود سلطات قمعية لا تراعي حقوق الانسان، وكذلك انظمة غير محكومة الى المؤسسات وحكم القانون والشفافية.

-2-

حتى تلك اللحظة السياسية التي تخاطر فيها الولايات المتحدة بعلاقاتها بالعرب والمسلمين لحساب اسرائيل، لا بد من مؤسسات عربية باحثة تقدم وثائق حول مناخات وظروف قيام اسرائيل؛ حروب اسرائيل؛ سياسات التوسع والاستيطان؛ الديموقراطية في اسرائيل؛ التميز العنصري؛ العنف والدولة؛ وارهاب الدولة، وان تضع هذه الوثائق في خدمة الرأي العام الاميركي، خصوصا وان على الباحثين العرب ان يعرفوا ان غالبية الاميركيين قد لا يهتمون بمعرفة اسم اقرب مدينة كندية على حدودهم، وان علينا بالتالي ايجاد الوسائل السمعية البصرية والوسائل المتماثلة مع حضارة التكنوالكترونية الاميركية لايصال الحقائق الى دافعي الضرائب من الاميركيين.
حتى ذلك الوقت لا بد من توجيه عناية المتابعين للشؤون الشرق الاوسط الى جملة مسائل مرتبطة باسرائيل تلحق افدح الاضرار بسمعة الولايات المتحدة المتحالفة معها، سواء كانت الولايات المتحدة تمثل احادية وامبريالية قابضة، او سواء كانت تمثل ما تزعمه «مدينة مضيئة على تل».
لمرة واحدة نريد ان نصدق المبادئ والمثل الاخلاقية التي صرح ويصرح بها المسؤولون الاميركيون حول الطابع الانساني للسياسة الخارجية الاميركية، والضغط الذي لا يستهدف الربح بل حقوق الانسان، ونريد ان نصدق ما تزعمه الفلسفة الاميركية حول اعتبار الانسان كمثل اعلى قانوني من اجل ان نكشف للاميركيين ان كل مبادئهم وكل التزاماتهم تتعارض واقعيا مع السياسات الاسرائيلية.

-3-

نريد ذلك لأنه لمرة واحدة لم تراجع الولايات المتحدة حين كانت احد الاعضاء الاساسيين في المجتمع الدولي، والان عندما بدأت تتحول الى الدولة الامبريالية القابضة على السياسة الدولية - لم تراجع - سياستها الخارجية تجاه اسرائيل او مدى حاجتها الى اسرائيل.
ولم تنتبه الادارات الاميركية المتعاقبة الى اليوم الى ان الامبريالية البريطانية اعترفت بارتكاب اخطاء جغرافية وسياسية بحق الشرق الاوسط، وهي - الادارات الاميركية وخصوصا ادارة الرئيس بوش - لم تأخذ بمعنى هذا الاعتراف واخذت تراكم على الخطأ البريطاني الذي تم تصميمه وارساء حجر الاساس له عبر وعد بلفور.
ويبدو ان الادارة الاميركية سوف لا ترجع في المدى المنظور خطوة الى الوراء عن سياستها الثابتة في تبني اسرائيل، ومحاولة فرضها كحقيقة معبرة عن الحضارة الاميركية السائدة.
وربما في ذات لحظة سياسية حين تصطدم المنافع الاميركية بالمشروع الايديولوجي الصهيوني القائم على التوسع وعلى شريعة قتل الاغيار، والذي يمثل كابوسا دمويا - ربما - في تلك اللحظة تراجع الولايات المتحدة سياستها الخارجية تجاه اسرائيل عسى ان لا يكون قد فات الوقت، خصوصا وان تقليم الاظـافر النووية والترسانة العسكرية الاسرائيلية سوف لا يكون من السهولة بمكان، وخصوصا بعد ان جعلت الولايات المتحدة من اسرائيل دولة ممتازة لا تطبق عليها القرارات والمعايير الدولية.

-4-

لقد كان الاميركيون هم اول من بادر في مطلع الثمانينات من القرن المنصرم الى كسر القاعدة الاوروبية التي كانت سارية منذ العام 1948 والتي ركزت على مبدأ السيادة الوطنية وتضمنت ان حقوق الانسان شأن داخلي للدول.
وبحلول عام 1980 وادارة الرئيس الاميركي جيمي كارتر، بدا ان حقوق الانسان كانت فكرة حان الوقت، اخيرا، لاعتبارها كجزء من السياسات العالمية، حيث تعهدت واحدة من اهم الدول في العالم (الولايات المتحدة) بجعل حقوق الانسان امرا اساسيا في سياستها الخارجية، ولفترة من الوقت بعد ذلك كان كل موضوع دولي تقريبا يلفلف في عبارات منمقة عن الحقوق الانسانية.
ورغم انقلاب ريغان على اولية حقوق الانسان في السياسة الخارجية، واعتبار ان اولوياته تنصب على مكافحة الشيوعية، رغم هذا الانقلاب ورغم الخط المتعرج الذي اتبعته الادارات الاميركية المتعاقبة حتى اليوم بخصوص موقع حقوق الانسان في السياسية الخارجية، الا ان الولايات المتحدة اليوم لا تستطيع التهرب من مسؤولياتها الدولية تجاه حقوق الانسان في فلسطين، خصوصا وان المسؤولين الاميركيين وفي طليعتهم الرئيس الاميركي بوش رسم خطوطا للسياسة الاميركية في الشرق الاوسط يتبين من خلال تفسير المسؤولين في ادارته لها بان الشرق الاوسط الغارق في مستنقع النزاعات الداخلية يشكل تهديدا للشعب الاميركي بنفس القدر الذي يشكله لشعوب المنطقة، وان للولايات المتحدة مصلحة قوية في اعادة احياء الامل عن طريق برنامج ايجابي يقوم على اساس مكافحة الارهاب ونزع اسلحة العراق، والسلام العربي الاسرائيلي، ودعم الاصلاحات الاقتصادية والسياسية المحلية المنشأ.

-5-

فإذا كانت الولايات المتحدة معنية بهذا القدر بشؤون الشرق الاوسط فكيف يمكن لنا ان لا نحملها مسؤوليات الجنون الاسرائيلي الراهن، الذي يعبر عن نفسه بحكومة شارون المتطرفة، والى اي مدى ستبقى الولايات المتحدة غير ملتزمة بتنظيف شوارع المناطق الفلسطينية من الدبابات الاسرائيلية واعادتها الى ثكناتها، والى متى ستبقى الولايات المتحدة تبحث عن حلول امنية خارج الحل السياسي لمشكلة الشرق الاوسط، والى متى ستبقى الولايات المتحدة تعامل اسرائيل كدولة ممتازة فوق القانون الدولي؟
انا شخصيا لست خبيرا في القانون الدولي، ولكن يتضح لي من قراءاتي ان عددا من معاهدات حقوق الانسان تقرر انه حتى في مواقف «الطوارئ القومية التي تهدد حياة الامة» فإن بعض حقوق الانسان المعينة لا يمكن ان تنتهك، مثل الحق في الحياة والتحرر من التعذيب وسوء المعاملة.
فإذا كانت الادارة الاميركية تقبل المبررات (الامنية) الاسرائيلية للاجتياحات اليومية العسكرية للمدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية، فكيف لها ان تقبل بإنتهاك الاسرائيليين لحق الحياة لدى الفلسطينيين من الاطفال وطلاب المدارس والنساء والشيوخ والرجال. وكيف لها ان تقبل بالاعتقالات الجماعية لكل الشبان والرجال الذين تتراوح اعمارهم بين الرابعة عشر والستين دون اسباب موجبة واستمرار اعتقالهم اداريا دون محاكمات؟
ان حقوق الانسان هي ما يقول القانون الدولي مهما جادل الاسرائيليون، وهناك ما يزيد عن عشرين معاهدة دولية وعدد مماثل من القرارات والاعلانات الرئيسية التي تعكس طلبا اخلاقيا لمعاملة مشتركة عالمية للاشخاص، فكيف والحالة هذه تقبل الولايات المتحدة الدولة المفترض انها راعية للامن العالمي الممارسات الاسرائيلية؟

-6-

قد نغالي اذا طالبنا الولايات المتحدة الان بأن تصبح عادلة وثورية تجاه قضايا الحقوق، وان تلغي المعايير المزدوجة في تطبيق سياساتها الخارجية بين العراق واسرائيل، وان تتحلل من التزاماتها من اسرائيل، وان لا تقدم مصالحها على الحقائق التاريخية، وان لا تكون وهي الدولة «الامبريالية» الكبرى دولة نفعية.
وسنكون حالمين لو توقعنا انه بين ليلة وضحاها ستقوم الولايات المتحدة بإنتاج انقلاب على سياستها الخارجية تجاه الشرق الاوسط، وانها غدا ستطالب بنزع الاسلحة النووية الاسرائيلية او بفرض رقابة على هذه الاسلحة.
ولكننا لن نكون حالمين اذا طالبنا الولايات المتحدة بممارسة دبلوماسية انسانية من اجل كبح جماح العدوانية الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، ووقف الانتهاكات الانسانية التي يقوم بها الجيش الاسرائيلي من حفلات اعدام جماعية وعمليات اغتيال وتدمير للوحدات السكنية وتجريف للاراضي واقتلاع للمزروعات.
اعتقد اننا لن نكون حالمين اذا طالبنا دول العالم، واذا شلكنا مجموعات ضغط لتنفيذ بروتوكولات جنيف (او المعاهدتين الاضافيتين) لعام 1977 خصوصا انهما مدا الحماية القانونية للمدنيين في زمن الحرب الى حد ان اعتبار تجويع المدنيين من اعمال الحـرب واصبح محظورا صراحة لاول مرة في التاريخ.
لقد كان لحقوق الانسان صدى خاص في التقاليد الاميركية، ونعتقد انه من المحبط للعالم باسره ان تكون اميركا التكنوالكترونية خالية من الوجدان بعكس الولايات المتحدة التي من المفترض انها تأسست على اعلان حقوق لا يمكن انتزاعها.
-7-
ان هذا الامر يفترض اعداد بيان بالانتهاكات الاسرائيلية اليومية لحقوق الانسان في فلسطين، وهي انتهاكات تطال اليهود الشرقيين انفسهم ومجندين في الجيش يرفضون الخدمة في المنطقة الفلسطينية المحتلة.
ان هذه البيانات يجب ان توثق وتدعم بالمستندات وترسل الى كل مؤسسات الرأي العام الاميركية والى الافراد على بريدهم الالكتروني، وان ترسل بشكل خاص الى الخارجية الاميركية، لعله تتعالى من جديد النبرة السابقة التي تؤكد على الحديث البليغ عن الاخلاق والحقوق، وتنافس تدريجيا للسيطرة على السياسة الخارجية الاميركية مقابل الصفوة الاميركية بقيادة وزير الدفاع الاميركي رامسفيلد الذي يسعى لأن تمثل الولايات المتحدة الاحتكار المركزي لاستخدام القوة لحساب المنافع بغض النظر عن المبادئ والاخلاق. بلال شرارة
كاتب وباحث، وامين عام الشؤون الخارجية في مجلس النواب اللبناني