استقلال من أجل الاحتلال

بقلم: د. ثائر دوري

كان المشهد في احتفالات كوسوفو بما يسمى "استقلالها" معبراً ولا يحتاج لأي شرح فعدد الأعلام الأميركية المرفوعة في الاحتفال مساو لعدد أعلام كوسوفو إن لم يكن أكثر منها، فالمناسبة أميركية بامتياز. ولستَ بحاجة لكبير جهد لتعرف أن الناتو الأميركي هو المسيطر على كوسوفو وأن رئيس كوسوفو ورئيس وزرائها ووزرائها ليسوا أكثر من براغي صغيرة في الآلة الأميركية.
استقلت كوسوفو عن صربيا التي ارتبطت بها لقرون عديدة، وتفاعل السكان مع بعضهم بشكل سلبي وايجابي، وعاشوا بصراع أحياناً وبسلام أحياناً، بعضهم طغى على بعض أحياناً، وتناوبوا السيطرة على بعض. لكنهم كانوا يعيشون ويتفاعلون حضارياً وثقافياً وسياسياً بكل سلبيات وايجابيات الحياة. أما الآن فتأتي دولة بعيدة جغرافياً وثقافياً وحضارياً عن المنطقة، هي الولايات المتحدة وتحت شعار الاستقلال. تأتي لتسلخ كوسوفو عن محيطها الحضاري والجغرافي والسكاني لتحول هذا الإقليم إلى محمية لها، فيصير مركزاً عسكرياً واستخباراتياً وبؤرة توتر وابتزاز للأمم الكبيرة المحيطة.
لقد رأينا نفس النموذج في تيمور الشرقية عندما تم سلخها عن الوطن الأندونيسي تحت شعارات الحرية والاستقلال فتحولت إلى محمية أسترالية يقرر الجيش الأسترالي كل صغيرة وكبيرة فيها.
هذا هو الاستقلال الذي تحرض الولايات المتحدة الأمم الصغيرة عليه، فهي تقوم بسلخها عن فضائها التاريخي والجغرافي والحضاري،كما تثير عداء الأمم الصغيرة للأمم الكبيرة المجاورة، ثم تُلحق الأمة الصغيرة بها مباشرة فتصبح ولاية أميركية. ولاية بواجبات الولاية الأميركية لكن بدون حقوقها. وذلك كي تستخدمها أداة ابتزاز وعدوان ضد القوميات الكبيرة المجاورة. وهنا يتم تأسيس أحقاد جديدة بين قوميات متجاورة وتجهيز مسرح التاريخ لدورات عنف ومذابح ومجازر بين الأمم الصغيرة والأمم الكبيرة لأن السيطرة الأميركية ليست أبدية، وعندما تنحسر السيطرة الأميركية ماذا ستفعل هذه الأمم الصغيرة التي تم توريطها بعداء مع الأمم الكبيرة المحيطة بها؟ وكيف ستفسر الأمم الصغيرة دورها كمنصة للعدوان ضد الأمم الكبيرة؟
إن الولايات المتحدة تدفع الأمم الصغيرة نحو مأزق تاريخي كبير. فعصر استبداد الأمم الصغيرة المرتبط بسيطرة الولايات المتحدة لا يمكن أن يدوم فسرعان ما يصحح التاريخ مساره وتعود الأشياء لحجومها الطبيعية عندها ماذا سيحدث لهذه الأمم؟ د. ثائر دوري