استقالة بلحاج تعيد ملامح التوريث الى نداء تونس

بلحاج: التدخل الخارجي في شؤون النداء يستفحل

توقع سياسيون تونسيون أن تقود استقالة رضا بلحاج من رئاسة الهيئة السياسية لحزب نداء تونس الذي يقود حكومة الحبيب الصيد الائتلافية بالحزب إلى مربع توريث الرئاسة لحافظ قائد السبسي نجل الرئيس الباجي مؤسس النداء، محذرين من التداعيات السلبية لأزمة الحزب على المشهد السياسي بالبلاد.

وكان بلحاج أرجع في رسالة تداولتها مواقع إخبارية تونسية استقالته إلى "وجود توجه غير سليم من شأنه أن يمسّ بكل الانجازات التي حققها الحزب" مشيرا الى أنه "يهدد التوازن الحزبي".

وقال إن محاولة بعض أعضاء الكتلة النيابيّة تجاوز القيادة الحزبية في الهيئة السياسية أثّر سلبا على أداء الحزب والعمل داخل الهيئة" مشدّدا على "استفحال مظاهر التدخل الخارجي لعديد الأطراف في شؤون النّداء".

وجاءت استقالة بلحاج الذي راهن عليه الندائيون لرص صفوفهم ووضع حد لأزمة الحزب التي أنهكت أداءه لما يحظى به من "خصال قيادية" تنتهج إدارة شؤون الحزب بناء على رؤية ديمقراطية في أعقاب انتخاب سفيان طوبال رئيسا للكتلة السياسية المحسوب على حافظ قائد السبسي نجل الرئيس الباجي.

ويرى سياسيون في انتخاب طوبال توجها نحو إعادة النداء إلى مربع التوريث خاصة وأن السبسي الابن سيتولى إدارة النداء باعتباره المدير التنفيذي للحزب.

ويشدد السياسيون على أن استمرار أزمة النداء ستقود إلى تداعيات سلبية على المشهد السياسي العام بالبلاد، مشيرين الى أن حالة التفكك التي يقف على مشارفها ستزج بالخارطة السياسية في حالة استقطاب خطير لفائدة حركة النهضة.

وتقول تسريبات إن بلحاج يرفض أن يكون رئيسا شكليا للهيئة السياسية في ظل توجه نحو دعم نفوذ حافظ قائد السبسي وفي ظل رفض غالبية القيادات الندائية توريثه رئاسة الحزب الذي أسسه والده الرئيس الباجي العام 2012 لمواجهة الإسلاميين الدين كانوا يهيمنون على المشهد السياسي أنذاك.

وبدت استقالة بلحاج بالنسبة لعدد من قيادات النداء "رسالة غضب" تجاه تطورات شهدها النداء خلال الأيام القليلة الماضية وفي مقدمتها اجتماع الكتلة النيابية في مدينة سوسة وانتخاب سفيان طوبال رئيسا جديدا للكتلة البرلمانية.

وتتوقع القيادات أن تعقب استقالة بلحاج موجة من الاستقالات تشمل ما بين 18 و20 قياديا قد تقود إلى تعميق أزمة الحزب الداخلية.

ويقول مراقبون إن نداء تونس قادم على أزمة جديدة قديمة في ظل ضغوط تمارسها كتلته الانتخابية على رئاسة الهيئة السياسية خاصة بعد أن نظمت الكتلة "أياما برلمانية" للنداء دون استشارة الهيئة في أواخر ابريل/نيسان الماضي.

ويضيف مراقبون أن الكتلة الانتخابية تجاوزت في أكثر من مناسبة صلاحيات رئاسة الهيئة السياسية للنداء حتى أنها عقدت اجتماعا برلمانيا ثانيا لانتخاب رئيس لها الأحد الماضي لم يحضره سوى حافظ قايد السبسي من الهيئة السياسية وغاب عنه رضا بلحاج.

ووفق ما تتداوله قيادات ندائية فإن الهيئة السياسية للحزب مقبلة على التشظي في ظل دعم أكثر من 10 قيادات متنفدة لرضا بلحاج من جهة وسطوة الكتلة الانتخابية التي تدعم حافظ قائد السبسي من جهة أخرى.

وكان أكثر من 57 قياديا ندائيا قد لوحوا بمبادرة سياسية تقترح مسارا جديدا يبدأ أولا بالتخلي عن حافظ قائد السبسي وجماعته والنأي بالحزب عن مسألة التوريث مع الانفتاح على مختلف القيادات الغاضبة والسعي إلى عودتها إلى هياكل النداء بما من شأنه أن يصحح مسار الحزب.

وخلال الأسابيع الماضية قاد رضا بلحاج جهودا هامة باتجاه تموقع جديد للنداء وذلك من خلال لقاءات ومشاورات مع العديد من القيادات الندائية الغاضبة أو المستقيلة ونجح في انتعاشة الحزب تنظيميا وسياسيا.

غير أن تلك الجهود يبدو أنها أثارت حفيظة عدد من اعضاء كتلة النداء الانتخابية الموالية لحافظ قائد السبسي ما دفعها إلى عقد اجتماع برلماني لانتخاب رئيس لها غاب عنه رضا بلحاج ولم يحضره من الهيئة السياسية سوى حافظ قائد السبسي، ما بدا مؤشرا قويا على أن الكتلة تجاوزت صلاحيات رئاسة الهيئة.

وتأسس حزب نداء تونس في العام 2012 بمبادرة من الرئيس الباجي قائد السبسي في مسعى إلى بناء حزب قوي وعلماني قادر على مواجهة الإسلاميين يستمد مرجعيته الفكرية والسياسية من الزعيم الحبيب بورقيبة.

ونجح النداء خلال انتخابات خريف 2014 في قطع طريق الحكم أمام حركة النهضة بعد أن التفت حوله قوى سياسية علمانية مناهضة لمشروع الإسلاميين وتمكن من الفوز بالأغلبية البرلمانية فيما رفع الناخبون مؤسسه الباجي إلى منصب رئاسة الجمهورية على حساب مرشح الإسلاميين منصف المرزوقي.

غير أن تحالف النداء مع النهضة فجر أزمة هيكلية داخلية قادت إلى انشقاق أمينه العام محسن مرزوق الذي كان يقود تيارا يساريا داخل الحزب وتأسيس حزب جديد يحمل اسم "مشروع تونس" مناهض للإسلاميين.

وفي أعقاب استقالة مرزوق تعمقت أزمة النداء نتيجة خلافات عميقة بشأن قيادة الحزب حيث رفضت غالبية القيادات توريث حافظ قائد السبسي رئاسة الحزب الذي شهد نزيفا حادا في كتلته الانتخابية مما أفقده الغالبية البرلمانية لفائدة حركة النهضة.

وفي محاولة لإنقاذ النداء من التشظي تدخل الرئيس الباجي للتوصل إلى تسوية سياسية قادت إلى تعيين رضا بلحاج رئيسا للهيئة السياسية وحافظ قائد السبسي مديرا تنفيذيا غير أن تلك التسوية لم تتمكن من انتشال النداء من أزمته.

ويتوقع سياسيون أن تتعمق أزمة النداء أكثر فأكثر خلال الأسابيع القادمة ما لم تبادر القيادات بوضع حد للصراع على قيادة الحزب واحترام صلاحيات الهيئة السياسية التي تتعرض لضغوط وللتهميش من قبل قيادات تدفع باتجاه تولي حافظ قائد السبسي رئاسة النداء من جديد.