استفهامات حول ما وراء التعديل الحكومي بالجزائر

في يونيو من العام 2010 قام الرئيس الجزائري بإجراء تعديل حكومي شمل أربعة عشر حقيبة وزارية تحت رئاسة احمد اويحيى وفي خطوة مبهمة استحدث منصب نائب الوزير الأول الذي خص به وزير الداخلية السابق السيد يزيد زرهوني هذا الأخير بخبرته في وزارته كان الهدف من إعطائه هذا الموقع هو مراقبة الوزير الأول. وكانت اتهامات بالفساد لاحقت غالبية تلك التشكيلة الحكومية. جميع المراقبين كانوا ينتظرون إجراءات ضد المتسببين في الرشوة والفساد المالي، وهذا ما حدث في التعديل الحالي 2013.

المنطق الذي يسري في التغيير الذي أجراه بوتفليقة يعكس صراعا حقيقيا بين الأجهزة المتحكمة في اللعبة من اجل الحفاظ على مواقع مواقع النفوذ في هرم السلطة وذلك بإعادة اختيار أشخاص معينين في المواقع الهامة لتحقق المصالح في الخريطة السياسية ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة.

لابد من أن التعديل الأخير الذي قام به بوتفليقة المريض من أجل الانتخابات الرئاسية المقررة في 2014 في بيئة سياسية غير واضحة المعالم ومتأزمة ولا يمكن فصل التعديل على انتخابات الأمانة العامة لجبهة التحرير القوة السياسية الفاعلة لتمرير خيار العسكر تمهيدا لاختيار الرئيس الجديد، التعديل الذي شمل ثلاث حقائب لم يستهدف في العمق تحقيق أي رؤية إصلاحية على المستوى السياسي أو الاقتصادي او الاجتماعي فكل مجالات الإصلاح مجمدة.

تعيين رمطان لعمامرة وزيراً للشؤون الخارجية الذي سبق أن لعب دورا محوريا في الأزمة الليبية حيث حاول تسويق المبدأ الإفريقي الذي يؤكد بعدم السماح لأي تدخل عسكري في ليبيا بعد أن كان قد تم انتخابه رئيسا لمجلس السلم والأمن الإفريقي سنة 2010، اطلاعه على مجموعة من الملفات الأمنية الحساسة في الساحة الإفريقية إضافة إلى ربطه شبكة من العلاقات مع رؤساء دول القارة السمراء اشتغاله كسفير الجزائر لدى الأمم المتحدة بين عامي 1993 و1996، جاء من اجل تدوير سياسة خارجية تهدف إلى تسويق دبلوماسية جزائرية منشغلة بأمن الحدود الخطير خصوصا مع دولة مالي وليبيا وتونس. ومحاولته استثمار خبرته في فض المنازعات بإعطاء النظام الجزائري فرصة لتلميع صورته أمام الرأي العام الداخلي والدولي وذلك بتدشين العديد من الوساطات لحل النزاعات بحكم انه متعدد الكفاءات. فهنا النظام العسكري سوف يستغله في مباشرة العديد من الملفات منها التسلح وقضية الصحراء المغربية ومحاولة لتسجيل النقط في هذا الملف على المغرب.

إن استدعاء رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي والباجي قايد السبسي الوزير الأول التونسي السابق هو لمباشرة عمليات استباقية تستهدف تأمين مرحلة ما بعد بوتفليقة إقليميا ودوليا، فالكل يعرف أن عبدالعزيز بوتفليقة لا يقدر على الكلام وهو في حالة صحية جد حرجة وعودته من فترة العلاج بهذه الصورة هو لتهيئ رقعة السلطة بشكل يحفظ مكانة العسكر الجزائري وامتيازاتهم.

بالتالي فالتغييرات الوزارية نعرف أن من قام بها هو المحيط العسكري لبوتفليقة الذي لم يكن على عجلة من أمره، بل التعديلات كانت مدروسة ولغايات خاصة جدا فتعيين أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع الوطني قائد أركان الجيش الوطني الشعبي المنفذ لكل ما يصدر من توفيق مدين حاكم الجزائر العسكري القوي بنفوذه يشي بأن بوتفليقة لم يفرض خيارته في هذا التعديل.

تنصيب الطيب لوح وزيرا للعدل يأتي انسجاما مع مربعات العسكر توهيما للرأي العام المحلي والدولي بان هناك إصلاحات جارية، وزير العدل كان عضوا في اللجنة الوطنية لإصلاح العدالة التي لم تقدم أية قيمة مضافة لهيكل العدالة في الجزائر، تلك الإصلاحات التي بدأت مع مجيء بوتفليقة للحكم في العام 1999 لم تتقدم قيد أنملة على ارض الواقع المحكوم بنظام دكتاتوري لن يوفق هذا الوزير في تتميمها في إطار موعد الانتخابات الرئاسية المنتظرة في غضون ستة أشهر من الآن، هذه الأخيرة التي سيشرف عليها هذا الثلاثي كواجهة للعسكر الذي سيكون معطلا لمباشرة خطوات الحكم الرشيد، وفتح الآفاق أمام كل الطبقة السياسية للتنافس على برامج وليس أشخاص بالتالي يكون التعديل خدمة لرؤية سلطوية تهدف الحفاظ على مصالح طبقة معينة ولن يمس هذا التغيير جوهر عملية تمرير السلطة تحت إشراف الجنرالات الذين لن يتنازلوا عن الحكم لأي وهم قد أعدوا حصانهم الرابح فمن هو هذا الرجل الانتهازي أو على اقل تقدير تلك الشخصية التكنوقراطية المبرمجة لتنفيذ الأوامر بلا رؤية استشراف.