استفتاء الاقليم.. ومواقف دول الاقليم

قبل سنتين، تقريبا، كتبت مادة بعنوان "عناق عراقي ايراني تركي طويل وصامت في المثلث الكردي"، خلصت فيه الى القول، ان الدول المتجاورة الثلاث، بالرغم من وجود بعض الخلافات بينها، الاّ انها تتفق على الوقوف بوجه خطر واحد، يتمثل بمشروع الدولة الكردية، الذي يظهر على السطح بين مدة واخرى، ويهدد وحدة تلك الدول. وفي العموم، ظل العراق هو البلد الاكثر معاناة من هذه المشكلة، التي لم تصنعها الدولة العراقية التي تأسست في العام 1921 على خلفية الاحتلال البريطاني، وانما كانت من افرازات الحرب العالمية الاولى، التي لم يكن للعراقيين أي دور في مخرجاتها المختلفة. بينما كانت كل من ايران وتركيا، امبراطوريتين تمرستا في العمل السياسي لقرون وتنافستا خلالها، ولهما ايضا مشاكلهما ومصالحهما مع الدول الكبرى. والذي يتابع تطورات المسألة الكردية في المنطقة، يجد ان اية محاولة لحل المشكلة الكردية في العراق، تصطدم بمواقف دول الاقليم جميعا، والتي لا تريد ان يكون الحل على حساب امنها القومي، وكذلك الدول الكبرى، سواء بريطانيا وفرنسا قبل الحرب العالمية الثانية، او اميركا وبعض دول الغرب الحليفة لها بعد تلك الحرب او ما كان يعرف بالحرب الباردة.

الحديث عن المشكلة الكردية في العراق، يبقى غير مكتمل من دون معرفة خارطة المواقف تلك، ومدى تأثيرها في مجرياتها وتداعياتها، وعلى الرغم من محاولات الانظمة العراقية السابقة، لاسيما في العهد الجمهوري، ايجاد حل نهائي للمشكلة، لكن ذلك لم يتحقق، ليس بالضرورة لعدم رغبة الانظمة العراقية في ذلك، بل لانها، كمشكلة، تمثل جزءا من اشكالية اكبر، أي مشاكل عدة مترابطة، يستحيل حل أي واحدة منها من دون حل الاشكالية كلها، وهذه بديهية معروفة. لذلك ظلت المآسي تتوالد ويدفع ثمنها العراقيون بعربهم وكردهم وكل الطيف الوطني العراقي طيلة العقود الطويلة التي مرت، وصارت القضية نفسها تتغذى على تلك المآسي وتديم زخم العنف المتفجر من داخلها.

بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي، بدأت إستراتيجية اميركية جديدة للسيطرة على المنطقة، وقد استخدمت كل الاوراق التي بالإمكان استخدامها للوصول الى هذا الهدف الإستراتيجي الكبير. فبعد ان وقفت اميركا اثناء الحرب الباردة ضد أي حل للمشكلة الكردية في العراق يضمن حصول الأكراد على كيان يمثلهم، خشية ان يكون ذلك مدخلا لزعزعة استقرار بلدين حليفين ومهمين لها وفي منطقة حساسة للغاية، هما تركيا وايران الشاه، فيهما أكراد ايضا، بدأت بعد انتهاء الحرب الباردة باستخدام هذه الورقة، للضغط على الجميع، فروسيا التي باتت دولة رأسمالية، انتفت حساسية تعاملها مع تركيا الحليفة للاميركان، وبات بامكان الروس والاتراك اقامة علاقات ستراتيجية تحقيقا لمصالحهما المشتركة، وهي ايضا لم تعد بالنسبة للاميركان، الحليف النادر كالسابق، بعد زوال الخطر الشيوعي، ومن هنا قلّت كثيرا اهميتها الجيوسياسية لواشنطن وان لم تنته بالتأكيد. وايران التي تعلن العداء للاميركان واسرائيل، باتت هي الهدف الجديد للاميركان، وان محاصرتها وتقويضها صار هاجسا اميركيا، وان جرى ذلك بحسابات خاصة، وظفتها واشنطن لابتزاز دول المنطقة وتكريس نفوذها فيها.

أكراد العراق، يريدون الحصول على دولة باي ثمن، والاميركان، وفقا للحسابات الكردية، هم وحدهم القادرون على مساعدتهم في ذلك، واسرائيل تريد ايضا ان تقوم هذه الدولة الكردية لتكون حليفا لها على حدود دولتين، ترى تل ابيب ان لها مع كل منهما حسابات خاصة، تتواشج مع حسابات واشنطن، مثل القواعد العسكرية المنتظرة في كردستان، ان قامت كدولة، والتي ستكون بديلا لقاعدة انجرليك التركية، وكذلك تواجد اسرائيلي مختلف على حدود ايران. وبذلك تغيرت وظائف العلاقات مع تغير المصالح. فاميركا التي كانت ترفض اقامة أي كيان كردي على حدود الحليفين تركيا وايران الشاه، صارت تطمح لاقامة دولة كردية، لتضغط بها عليهما بعد انتفاء مبررات الحلف السابق، الذي كان حلف ضرورة ملحة، ولامناص منه لمواجهة خصم إستراتيجي كبير.

ما حصل بعد احداث ما سمي بالربيع العربي، كان مقدمات لهذه الطبخة الاميركية، التي نضج منها الكثير لكنها لم تكتمل بعد، الاّ بتحقيق الدولة الكردية، لان دول الاقليم، ايران وتركيا استعدتا مسبقا للمنازلة، بعد ان قرأتا نذر المستقبل، فكانت المعركة سجالا طيلة السنين الماضية، وان تخفت تحت عناوين فرعية واستهلاكية كثيرة، لكنها لم تخف جنين الدولة الكردية، والذي لا احد يعرف ان كانت هذه الدول تسمح لاميركا بولادته ام لا.