استطلاعات الرأي الحديثة: تكهن دقيق ومشاركة أكبر

الاستطلاعات غالبا ما اعطت نتائج لم تختلف عن الواقع

واشنطن - تظهر استطلاعات الرأي العام التي تنشر يومياً في الصحف والبرامج التلفزيونية أن لها نتائج مؤثرة على قرارات الزعماء السياسيين والمواطنين العاديين على حد سواء.
ورغم التقبل الواسع الذي تلقاه هذه الاستطلاعات ونتائجها إلا أن تقنيتها ما زالت تشكل لغزاً يصعب حله بالنسبة للمواطن العادي الذي يستغرب قدرة استطلاع رأي ألف شخص فقط على التوصل إلى نتيجة صحيحة ودقيقة تعكس آراء أمة بأكملها.
ويبدو الغموض المحيط بعمليات استطلاع الرأي العام مناقضا للدور الأساسي الذي تلعبه في المجتمعات الديمقراطية، ويرى جون زغبي، وهو مستطلع للرأي يحظى بمكانة عالمية، أنه ينبغي أن يعي الناس كيفية عمل استطلاعات الرأي لأنها، أولاً وقبل كل شيء، عملية مشاركة.
ويقول موضحا "إنها تمنح الناس شعوراً بالارتباط والصلة سواء كانوا يعيشون في عزلة نتيجة الحياة العصرية: الغرف الصغيرة المنفصلة، وفترة المواصلات الطويلة والتجمعات السكنية خلف الأسوار والأبواب؛ أو في عزلة نتيجة طريقة الحياة التقليدية: المزرعة، والصحراء، أو أي شيء آخر. ذلك أن استطلاعات الرأي تربط بين من لديهم آراء يدلون بها".
وترتكز جميع استطلاعات الرأي العام على مبدأ إحصائي أساسي يدعى أرجحية الاختيار المتساوية، وهو يعني إن كل فرد في المجتمع ما يتمتع بنفس احتمال اختياره للمشاركة في عينة ما لاستطلاع رأيها، وبافتراض أن هذه العينة ذات حجم كاف، فإنه يمكن اعتمادها عندئذ كانعكاس نموذجي يمثل رأي المجتمع ككل. ويوضح نفس هذا المفهوم سبب تمكن الأطباء الذين يجرون فحوصاً على الدم من الاكتفاء بعينة ضئيلة منه بدل فَصْد دماء مرضاهم تماماً.
غير أن التحدي يكمن في تحديد الفئة السكانية المستهدَفة وإيجاد وسيلة لاختيار عينة من تلك الفئة بطريقة عشوائية لتجنب أي محاباة أو توجيه للنتيجة باتجاه معين.
وعلى سبيل المثال، يحدد استطلاع نموذجي سياسي للرأي يجريه زغبي مجاله باستطلاع آراء أولئك الذين يرجح اشتراكهم في الاقتراع لا جميع البالغين من المواطنين.
ويوضح زغبي ذلك بقوله "هناك من الفوارق الديموغرافية بين البالغين من السكان وأولئك الذين يرجح أنهم سيدلون بأصواتهم ما يكفي لجعل هذا الأمر مهماً وذا مغزى. ونحن نستبعد لذلك أولئك الذين لم يدلوا بأصواتهم ولا ينوون الإدلاء بأصواتهم في انتخابات مماثلة، وأولئك الذين لم يتسجلوا للاقتراع، وأولئك الذين يرفضون الإفصاح عن انتمائهم الحزبي."
وكان استطلاع رأي العينة المختارة يتم في الماضي بطرق أبواب البيوت والذهاب من منزل إلى آخر لأن المكان الذي كان يرجح وجود جميع الأميركيين فيه كان المنزل. إلا أن نسبة المنازل المزودة بآلات الهاتف في الولايات المتحدة كانت كافية بحيث جعلت الاتصال الهاتفي العشوائي أسلوباً صالحاً لاختيار العينة. ولكن زغبي يتجاوز حتى ذلك في عملية الاختيار إذ يقسم العينة إلى فئات ليضمن التنوعية الإقليمية بالإضافة إلى التنوعية الديموغرافية.
ويعني هذا أنه عندما يبدأ المسؤولون عن الاستطلاع بإجراء هذه الاتصالات الهاتفية، فإنهم يتمتعون بفرصة أكبر بكثير في ضمان كون الاستطلاع الذي أُجريه ممثلاً لرأي المناطق المختلفة ولرأي كل ولاية. وفي حال نجاحي في تحقيق ذلك، أتمتع بفرصة جيدة جداً لضمان كون العينة التي اخترتها ممثلة للشعب أيضاً من الناحية الديموغرافية.
ويجب على المستَطلع للرأي، بعد التوصل إلى وضع آلية الاستطلاع، تقرير حجم العينة التي سيتم اعتمادها
ويمكن القول بشكل عام أنه كلما ازداد حجم العينة، كلما انخفض هامش الخطأ الممكن "أي الفرق بين النتيجة التي توصل إليها الاستطلاع والنتيجة التي كان سيتم التوصل إليها لو تم استطلاع رأي كل شخص في المجتمع".
ولذا، فإن هامش الخطأ مؤشر على دقة نتائج الاستطلاع. فإذا ما أجري استطلاع ما مائة مرة، ستكون النتيجة متطابقة في خمس وتسعين مرة، مع إضافة أو حذف هامش الخطأ.
وسينجم عن عينة من أربعمائة شخص مثلا هامش خطأ يشار إليه على أنه بزيادة أو إنقاص خمسة بالمائة (+/- 5%). ولكن تخفيض نسبة الإقلال في هامش الخطأ تتناقص مع ازدياد حجم العينة، مما يعني أنه ينبغي على مستطلِعي الرأي أن يجدوا نقطة التوازن المطلوبة بين دقة صحة النتائج والزيادة في الوقت والتكاليف التي يستتبعها إجراء مزيد من المقابلات الإضافية، ويسعى زغبي في استطلاعاته عادة إلى الحصول على عينة تضم ألف شخص.
ويجب على المستطلعين أيضاً، بعد صياغة وسيلة لاختيار العينة العشوائية وتحديد حجمها، أن يفكروا في أمر الأسئلة التي سيطرحونها وتسلسلها، ذلك أنه يمكن للأسئلة المضللة أو المتحيزة أن تتلف حتى أفضل آليات الاختيار.
وفي حين يتم التعاون مع الزبائن الراغبين في الاستطلاع على وضع عدة مسودات قبل اختيار التسلسل النهائي للأسئلة، يشير زغبي إلى أنه يتعين على المستطلِع أن يبذل، رغم ذلك، جهوداً ضخمة للمحافظة على مستوى عال من الموضوعية في عمله.
وقال: "إننا نصر على وضع الصيغة النهائية للأسئلة بأنفسنا، ويتعلق هذا الأمر إلى حد كبير بالمستوى والمعايير المطلوبة، فنحن نشعر بأننا لن نخدم الزبون إذا كانت الاسئلة موجهة بحيث تؤدي إلى جواب بعينه، لأن ذلك يعني أنه سيحصل على معلومات غير صحيحة. وينبغي أن يصاغ الاستطلاع وفقاً لأخلاقياتنا، لأخلاقيات المهنة، ووفقاً لإدراكك بأن استطلاعك سيعمل بشكل أفضل كلما كنت أكثر أخلاقية".
وتختلف نوعية الأسئلة المحددة باختلاف الاستطلاع وإن كانت تميل إلى أن تكون أكثر دقة وتحديداً بمرور الوقت للحيلولة دون معرفة الناس الجهة التي يتم الاستطلاع لحسابها وتشويه أو تحريف النتائج بسبب ذلك. وقد يبدأ استطلاع سياسي للرأي تجريه مؤسسة زغبي بسؤال الشخص عن انطباعه الأولي عن المرشحين والمرشح الذي ينوي التصويت له قبل الانتقال إلى أسئلة محددة تتناول قضايا بعينها.
وقد يطلب بعد ذلك إجابات عن أسئلة مفتوحة أو غير محددة تسأل عما سيكون عليه رد فعل الشخص في حال توفر معلومات جديدة عن كل مرشح، وهي تختتم في نهاية الأمر بسؤال الشخص عن المرشح الذي ينوي التصويت له بعد توفر جميع المعلومات الجديدة التي قدمها له الاستطلاع.
وقال زغبي: "بما أن المقترع العادي لا ينتبه لأكثر من عشر أو خمس عشرة دقيقة من الأخبار السياسية طوال أي حملة انتخابية، وإذا ما غير رأيه خلال عشر دقائق، فإنني أعرف عندها نوعية الفكرة التي ستكون أكثر تأثيراً عليه".
والجدير بالذكر هو أن تقنيات الاستطلاع الحديثة فعالة ودقيقة في نفس الوقت، ويتم إيجاز النتائج بشكل فوري أثناء إجراء المقابلات عبر الكمبيوتر، وتنشر النتائج في كثير من الأحيان بعد ساعات فقط من إنهاء الاستطلاع.
وتفسح استطلاعات الرأي العام المجال أمام المرشحين للحصول على فهم أفضل للناخبين وتقرير القضايا والاتجاهات التي ستكون مناسبة لإثارتها في الحملة الانتخابية.
أما وسائل الإعلام فتعتمد استطلاعات الرأي العام لمعرفة رد فعل المواطنين على سياسات الحكومة والتكهن بنتائج الانتخابات، ويسارع زغبي إلى الإشارة إلى أن هذه اللقطات السريعة للرأي العام لا تحدد نتائج الانتخابات وينبغي ألا تُعتمد لإملاء السياسات.
وقال بهذا الشأن: "إن الاستطلاع لا يُملي السياسة، إلا أنه ينبغي أن يشكل على الدوام عنصراً في السياسة. وسواء كان الحكم ديمقراطياً أو أوتوقراطياً لا يمكن لأي حاكم أن يزدري الرأي العام، بل ينبغي أن يكون ذلك الرأي جزءاً من الخليط الذي يؤخذ بعين الاعتبار عند تقرير سياسية ما".
وليس من المستغرب أن تكون الدول الأخرى قد بدأت في اللجوء إلى إجراء استطلاعات للرأي العام أكثر مما كانت تفعل في الماضي نظراً لتاريخ هذه الاستطلاعات الطويل الناجح في الولايات المتحدة.
وقد كُلفت مؤسسة زغبي بأجراء استطلاعات للرأي في انتخابات في دول كإيران وإسرائيل، وخرجت بنتائج مماثلة من حيث الصحة والدقة.
ويشعر زغبي أنه، رغم الصعوبات اللوجستية في بعض المناطق كالشرق الأوسط، فإن استطلاعات الرأي العام يمكنها أن تساعد، بمرور الزمن وازدياد إدراك الناس لكيفية عملها، على نشر القيم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم.
وأوضح ذلك بالقول: "إن استطلاع الآراء ليس مجرد جمع للمعلومات، بل هو عملية مشاركة بحد ذاته. إنه صوت الشعب. وعليه، فكلما ازداد عدد مواطني الشرق الأوسط المعتادين على تشاطر آرائهم ضمن إطار مشاركة مشروعة أكثر علانية، كلما ازدادت التوقعات لتحقيق الديمقراطية وكلما ازدادت أيضاً تنمية المهارات لجعل الحكم ديمقراطياً".