استطلاعات الرأي التلفزيونية.. أكذوبة!

ما نراه على انه قراءة لمواقف الجمهور، هو في الحقيقة رأي القناة او رأي المعد.


كم رقما تريد أن يضاعفه لك حتى تكون النتيجة وفق ما تريد؟


من النادر أن نجد إستطلاعات رأي تعبر حقيقة عن مواقف من أحداث أو شخصيات معينة

تجهد البرامج الحوارية التلفزيونية نفسها هذه الأيام في إظهار إستطلاعات للرأي في خاتمة برامجها، بشأن مضامين برامجها حول الأحداث الساخنة، لتبيان النسب المئوية لمواقف مشاهديها من تلك الأحداث، التي هي مدار بحث برامجها، لكنها في الحقيقة هي من تحدد تلك النسب حسب مزاجها، وبحسب ما تريد أن يخدم توجهاتها أو توجهات الفضائية التي تعمل لأجلها.

ونود أن نشير هنا الى أن أغلب إستطلاعات الرأي في العموم هي ليست حقيقية، بل ومضللة إن صح التعبير، وبإمكان معد أي برنامج تلفزيوني أو حتى إستطلاع رأي في الصحف أو موقع إلكتروني إخباري، أن يحدد هو مسبقا عدد مستطلعيه وأرقامهم وهو من يضع النسب المئوية، وفقا لما يريد معد البرنامج أن يظهره لمشاهديه أو متابعيه، وهو بإمكانه أن يعد تلك النسب بمجرد إنتهاء اعداده لبرنامجه الحواري مع ضيوفه، قبل أن يلتقي بهم أصلا، وما يظهر من نسب مئوية في أغلب إن لم نقل جميع البرامج التلفزيونية الحوارية يدخل ضمن هذا التصنيف.

ولنوضح ذلك بالتحديد، فلو أن لدينا برنامج تلفزيوني عن موقف المشاهدين العراقيين من التدخلات الايرانية في الشأن العراقي مثلا، أو موقف المشاهدين من ضربات الفصائل المسلحة لمواقع عسكرية عراقية يتواجد فيها أميركان، فبإمكاني أن أحدد مسبقا أن نسبة المعارضين لها %75 أو 80%، في حين أن نسبة المؤيدين لها 20 – 25%.. أو بالعكس، أي بحسب توجهات تلك الجهة، ولو إفترضنا جدلا أن عدد من شاهدوا الحلقة 200 الى 300 شخص في الساعة نفسها، أو حتى لو كان الرقم أكثر بكثير، فإن من يعبرون عن وجهة نظرهم لا يزيد عن 20 – 25 شخصا في كل الأحوال، وهم حتى وإن أبدوا وجهة نظرهم، فلا تعد مقياسا لتمثيل صحيح للرأي العام، أي أن عشرين شخصا أعطوا العلامة الايجابية وخمسة آخرين أعطوا العلامة السلبية، تجاه الموقف المطلوب، فإن هذا لا يعد تمثيلا نسبيا في كل الأحوال.

وهذا الأمر يمتد الى أغلب إستطلاعات الرأي التي تجريها كثير من مراكز البحوث والدراسات، حيث بامكان الباحث أن يطلق خمسين إستمارة عشوائيا، ليتأكد من حجم العينة ونوع المواقف التي عبرت عنها، هذا إن عبرت فعلا عن مواقفها، فالأغلبية ليست لها إهتمام بهذا النوع من الإستطلاعات أو الإستبيانات، وبامكان صاحب الدراسة أن يحدد الأرقام والمواقف مسبقا، كونه يتوقع ردود الفعل أن تكون هكذا مقدما، وحسب المزاج الشعبي العام تجاه قضية ساخنة يعرف مقدما موقف الجمهور منها، وهو بالتالي بإمكانه أن يضع تلك النسب وفق أهوائه هو، أو أنها متوافقة مع حساب الجهة التي يعمل لحسابها، وكما يتوقع أن تكون، بدون أن يكلف نفسه عبء متابعة نتائج تعد أحيانا بالالوف، وهو لا يستطيع أن يلم بكل إجابتها ومواقف عينته، عن إختبار عينة فعلا، ولهذا تعد أغلب إستطلاعات الرأي معدة مسبقا وتدخل فيها أمزجة معديها، بل ومن النادر أن نجد إستطلاعات رأي تعبر حقيقة عن مواقف من أحداث أو شخصيات معينة، إلا في حالات نادرة بشأن بحوث علمية فائقة الدقة، والتي تتطلب توزيع عشرات الآلاف من الإستمارات وتستخرج نتائجها أجهزة الكترونية متخصصة بهكذا مجالات، تعرف كيف تستخرج مضامين الإجابات وطرق إحتساب النتائج الإحصائية العلمية للتكرارات ونوع المواقف والمضامين،، بالرغم من أن المطلوب في الغالب نتائج رقمية عن نسب مئوية، وليست مضامين مواقف تعبر عنها.

بل أن مصممي المواقع الالكترونية، وحسب رغبة صاحبه، يضربون أي رقم يريدون إظهاره في عشرة، فلو أن عشرة مشاهدين عبروا عن موقف مؤيد أو معارض فهو يعطيك مائة مشاهد، واذا شاهده 200 شخص يقول لك أنه شاهده 2000 شخص، أي أن مصمم الموقع يطلب كم رقما تريد أن يضاعفه لك، حتى تكون النتيجة وفق ما ترغب أو تريد، مايظهر زيف تلك الإستطلاعات في أغلب الأحوال.

أتمنى أن لا يجهد مقدمو البرامج التلفزيونية أنفسهم بالإهتمام بالنسب المئوية لمواقف الجمهور أزاء برامجهم، كما تظهره كثير من الفضائيات والصحف، وحتى بعض المواقع الإخبارية، بل وحتى المراكز التي تسمي نفسها بحثية، والإهتمام بآراء ضيوف برامجهم وجدالاتهم حول الموضوع المثار، بدلا من تخصيص الوقت الأخير من برنامجهم، لإظهار نسب ما عبر عنه مشاهدوها إزاء برنامجها، كما تحاول أن توهم المشاهدين أو الرأي العام، في ذلك، وهي نسب معدة مسبقا، ولن تكون لها قيمة تخدم أهداف برامجهم التي تستخدم أعلى درجات الإثارة، لكسب الجمهور وتفاعله مع برامجهم.