استرداد الساحل قبل استرداد الجولان

بقلم: كاظم الربيعي

رغم شراسة الحملة الشيعية على سوريا فإن هناك من يصرُ على تجاهل الواقع وقراءة أحداث الثورة وفق الأماني والأطماع التي لا تبالي بمستقبل البلاد ومصير العباد وإنما تُرضى شهوات وأهواء الذين انسلخوا من هويتهم الدينية السنية.

إن تجاهل الحقائق وتكذيب الواقع والسباحة في بحر الخيال واصطناع عالم افتراضي يغرق في مثاليته لا يبعث على الأمل والتفاؤل بقدر ما يحول بيننا وبين النصر؛ لأن التشخيص السليم للداء والتوصيف الأمثل للبلاء هو الخطوة الأولى في العلاج، هذا ما يؤكده المنطق الطائفي المتشدد!، أما المنطق الوطني فيوجب على أنصاره إحلال الأكاذيب محل الحقائق حتى نتفادى السقوط في الفخ الطائفي.

لا مناص من الإقرار بأن الطائفة العلوية تختطف الوطن وتسعى بكل جهدها لإخماد الثورة، فالسُنّة اليوم غرباء في وطنهم بين معتقل ومطارد وخائف ينافق للسلطة، وحال الفلسطينيين في بلادهم "المحتلة" أفضل من حال السوريين في بلادهم "الممانعة".

باع العلويون الجولان وفتحوها أبواب البلاد السنية أمام مذهب إيران وأشقياء لبنان، ولم يعتادوا من أهل البلد (السنة) غير السمع والطاعة والإذعان على نحو مذل، فلما تفجرت الثورة بفضل الله تعالى في آذار 2011، صُدم العلويون لأنهم لم رأوا للسنة وجهاً آخر لم يكونوا يرونه من قبل.

فالعلوي يحاول الحفاظ ملكه وحكمه المغتصب من السنة، كما أن اليهودي يقاتل عن أرض فلسطين ويزعم أحقيته بملكها، فكلاهما (العلوي واليهودي) يشترك في الدفاع المستميت عن حق غير شرعي، لكن العلوي يبدي شراسة أكبر ليقينه بأن عاقبة الهزيمة ستكون عظيمة الضرر.

كلا الطرفين يحظى بدعم دولي منقطع النظير وتواطؤ مفضوح، لكن العلويين يتفوقون على (الاسرائيليين) بوجود دعم شعبي ورسمي من الشيعة في دول الإقليم وهذا ما يزيد من رجحان كفتهم في حربهم ضد الشعب و الثورة.

والعامل الأقوى في المعادلة أن العلويين يقاتلون من أجل هدف محدد وهو التفرد بالسلطة وسحق التمرد السني كضمان لمصيرهم ومستقبل أبنائهم، أما السني ووفقاً ـ لما يسمونه المنطق الوطني ـ فيرفض الاعتراف بهوية عدوه ويحرص على تبرئة العلويين لأوهام وهواجس نجح النظام في زرعها في نفسه.

فالعلوي يقاتل من أجل سوريا لا تسع لغيره ومن يسعى لتوطيد حكمه، أما السني فيقاتل من أجل سوريا يشترك فيها الجميع (الثائر والخائر، الوطني والطائفي، المقاتل والمتخاذل، القاعد والمجاهد، القاتل والمقتول، الضحية والجلاد، المؤازر والمتآمر) وعلاوة على ذلك فهو يحيد هويته الدينية ويتبرأ من انتمائه السني مراعاة لوجود الأقليات، وبعبارة أخرى فهو يقدم دمه ودم أبنائه من أجل "الطائفيين"، وهذا هو الحمق الذي يُنعت في أوساط السياسة والإعلام بـ"التلاحم الوطني".

يعتمد النظام على مدن وقرى العلويين ولذلك عمد لتسليح أبنائها وتعزيز قوتها، كما قام بتخزين السلاح ونشر الصواريخ في مناطق الساحل استعداداً لإنشاء دولة علوية، هذا ما صرّح به بعض السياسيين والعسكريين في الجيش الحر.

ما زال العلويون في مرحلة الهجوم، ولم يختبروا المواجهة الحقيقية مع السنة، لكن مع وصول السلاح النوعي للجيش الحر ستدخل المعركة في تطور مفصلي يعجّل في إنهاء حكم الأقلية.

إن انتصار الثورة يعني استعادة السيادة السنية على البلاد وهو ما يستلزم إلغاء كل ما له صلة بتعزيز سلطة العلويين، وهو ما سيراه الطرف المقابل والمجتمع الدولي ثأراً وانتقاماً من الاقلية.

وبعد انكفاء العلويين إلى مدنهم وقراهم فمن المتوقع أن يتكرر السيناريو الليبي حيث تحصن القذافي في معقل الأخير (مدينة سرت) واستمر القتال بين قبيلة القذافي والثوار قرابة شهرين.

لن يسلّم العلويون مجرميهم الى العدالة لأنهم لم يتصوروا يوماً أن يكونوا خارج السلطة أو أن يصلوا لهذه المرحلة فقتالهم اليوم وتنكيلهم بالسنة (مجزرة الحولة 25/5/2012 مثالاً) دليل على يأسهم من الظفر بشيء مغانم الحكم الجديد.

لضمان الاستقرار والهدوء في المرحلة الانتقالية لا بد من أمرين اثنين:

1-القضاء على كل معاقل المسلحين العلويين لا سيما المتحصنين بعشائرهم وجبالهم.

2-التعجيل بالقصاص من كل المطلوبين والمجرمين، وعدم التمهل في ذلك حتى لا تعم الفوضى وعمليات الثأر والانتقام.

لا بد من دخول كافة الاراضي السورية تحت السلطة السنية، وعدم ترك أي ثغرة ومنفذ لنمو قوة علوية تسعى لإعادة الحكم السابق أو لزعزمة الاستقرار الأمني، وهذا ما سيثير حفيظة العلمانيين السنة وأبناء الأقليات (من غير العلويين) لأنهم سيعدون ذلك من قبيل الاستفزاز والانتقام والعنف ضد الطوائف.

إن عملية استرداد المدن الموالية للنظام ستكون مهمة صعبة لكنها أساسية لبناء دولة العدل وهو أمر لن يروق لكثيرين لا سيما لأولئك الذين ألفوا غياب الصوت السني وتمتعوا بمزايا الحكم المطلق.

كان بإمكان العلويين التقليل من خسائرهم بسحب الدعم عن النظام وتسليم المجرمين، لكن حقدهم صدهم عن النظر في مستقبلهم وظنوا أنهم بقوتهم وتحالفاتهم الاقليمية والدولية سيكررون تجربة حماة -1982، فهم لا يطيقون رؤية السنة في موقع القوة والسلطة والسيادة.

يسعى العلمانيون لعدالة مشوهة منقوصة قد ترفع الظلم لكنها لن تنصف المظلوم وستعفو عن الظالم لتمنحه فرصة جديدة للإفساد، وتمام العدل في عودة الحقوق لأصحابها والبلاد لأهلها وإنصاف أبناء الطوائف هذا ما وصى به ديننا وشرع ربنا عز وجل.

كاظم حامد الربيعي