'استربتيز' تعري الواقع السياسي وتتنبأ بأحداث الثورة

قلم: أحمد فضل شبلول
القدرة على الكشف والرؤية والحدس والتوقع

استطاع الفن الروائي أن يستلهم أحلام الجماهير في التغيير، وأن يتوقع ما سوف تأتي به الأحداث الجسام التي تهب على المنطقة العربية، وما يواكب ذلك من إرهاصات ومخاضات ورؤى من خلال واقع متشابك سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.

وآية ذلك رواية "استربتيز" للشاعر والكاتب مختار عيسى التي صدرت في سبتمبر/أيلول 2010، أي قبل قيام الثورة المصرية بحوالي أربعة شهور.

ونقتطع هذا المشهد من الرواية (ص 104، 105) لنرى كيف تطابق تماما مع ما حدث في ميدان التحرير أيام ثورة 25 يناير:

"لا تتصور حالي وأنا أرى الجموع الهادرة تتدفق من الشوارع الجانبية كشلال ثائر إلى قلب الميدان الفسيح .. لا يسأل أي منهم رفيقه عن هدفه، فقد جمعتهم المأساة، فانطلقوا هاتفين بسقوط الطغاة، وأصحاب الأردية السود وراء مصداتهم الفولاذية وخوذاتهم مرعوبون، يتراجعون، يصرخ فيهم كبيرهم، فيقذفون بأعيرتهم المطاطية الصدور العارية، لكن الناس لا يتراجعون، يركضون في اتجاه البنادق فينتكس الجنود ببنادقهم ومصداتهم. يعاود كبيرهم الصراخ الهستيري فيحاولون التقدم مرة أخرى وسرعان ما تدفعهم الجموع الحاشدة إلى التقهقر، فيما يحاول بعضهم الهرب إلى تحت درج بناية، أو وراء سور من جحيم الهدير الذي علا في الميدان، فيما اعتلى شاب عاري الصدر أحد أعمدة الكهرباء ممسكا رغيف خبز أشبه بوجه مسخوط، يلوح به للجماهير التي علا زئيرها عندما سقط ثلاثة شبان تحت وابل الرصاص المطاطي وسحب الدخان القاتمة. تطلع أحدهم إلى السارية التي تنتصف الميدان تعلوها لافتة إعلانية ضخمة عن تسهيلات كبيرة لشراء الفيلات الحديثة في مدينة سياحية برعاية برلماني شهير تصدر اللافتة بصورته ممسكا بمفتاح ضخم يلوح به: تملك إحداها ولا تتردد .. مع حزبنا أنت في أمان.

بسرعة البرق كان الشاب قريبا من الصورة، أخرج مطواة من جيب سترته وراح يمزقها. نادته الجموع المحتشدة المتحلقة ليهبط، فتتشارك الأيدي المعروقة والشابة في خلخلة السارية لتسقط تحت التهليل والتكبير، وسرعان ما غمرها بحر الهائجين، وتحت وطء الأحذية تبصق عليها الأفواه، وسط دهشة الضابط الكبير الذي ألجمته المفاجأة؛ فشلت كل أفكاره الأمنية، ولم يعد قادرا إلا على الإشارة كالأبكم إلى قواته التي تراجعت إلى الخلف، ولم تفلح محاولاته الصراخية المبحوحة في تقدمها ولو خطوة واحدة في اتجاه الحشد المتحلق الصورة. وما كاد الضابط الكبير يفيق من صدمة إنزالها ووطئها بالأقدام حتى فاجأه انضمام بعض أفراد كتيبته إلى الجموع الهادرة حولها، ومشاركتهم بأحذيتهم الثقيلة في تحطيم اللوح المعدني الذي استقرت عليه، فيما راح سناكي بنادقهم تمزق الوجه والصدر وتطعن القلب ..".

هذا مقطع من مشهد كبير للثورة في الميدان، كما تخيلها وتوقعها ورآها واستشرفها مختار عيسى، ويزيد الكاتب الصحفي "واثق" ـ أحد شخوص الرواية الأساسيين ـ المشهد سخونة عندما يشرح لأستاذه الصحفي الكبير مراد الذي يعمل في إحدى جرائد العاصمة البحرينية "المنامة"، قوله: كأن الجماهير تواجه قوات الاحتلال الإنجليزي في عشرينيات القرن الماضي. لم تكن مجرد مظاهرة أو غضب محدود خرج عن السيطرة.. كانت ثورة.

فيسأله مراد في تعجب: ثورة؟ فيجيب واثق: نعم ثورة، تتساقط الضحايا، لكن الجموع لا تنهزم، تتقدم وتتقدم، يتحول الرصاص المطاطي إلى قذائف حية، ولا تراجع، كأن قوة أسطورية تدفعهم .. النساء والشباب والأطفال .. موظفون كبار، وباعة متجولون، وطلاب جامعات ومدارس، وحرفيون. الكل .. لا خراطيم المياه المسددة إلى صدورهم، ولا العصي المكهربة، ولا الصيحات الزائرة والوجوه الجهمة أفلحت في صدهم .. حمم من كل صوب تتساقط عليهم، ولا يتراجعون. يتساءل الضابط الأكبر عن قائدهم، فلا يجيبه إلا خرس معاونيه والرعب البادي على ملامحهم، تتوالى تعاليمه بتصعيد الضرب والاقتحام، فلا يجد إلا الحناجر الهادرة تتساقط عليها كسفا من الحميم.

على أن رواية "استربتيز" لم تكن تهدف إلى تقديم مشاهد من الثورة التي حدثت بالفعل فقط، ولكن هناك خلطة سياسية أخرى غير خلطة الفساد المعروفة، أو ملف آخر غير ملف الفساد المالي أو الذممي، هو ملف الموساد الإسرائيلي الذي استطاع أن يجند بعض الشخصيات المصرية من وزراء ورجال أعمال وحزبيين وكتاب صحفيين ومثقفين تحت دعاوى التطبيع.

ومن هنا سنجد عمليات انتحار جراء انكشاف حقيقة شراكة مع بعض الوزراء المتورطين في ترويج ما وصفه البعض بالمخدرات التطبيعية. ومنهم المهندسة الشاعرة نهال السكري الزوجة السابقة للكاتب الصحفي مراد، والتي انتحرت من شرفة مستشفى الأمراض العقلية في العاصمة العريقة.

وقد ساعدت الصحفية هالة (ابنة المهندسة الشاعرة) زميلها الصحفي ـ وزوجها فيما بعد ـ "واثق مسعود" في كشف أبعاد المؤامرة التي أودت بالكادر الحزبي وبعض أعضاء المليشيات الثقافية في الصحف والفضائيات.

ملف آخر في الرواية هو ملف عالمة الذرة المصرية د. نادرة السكري (عمة والدة هالة)، وعلاقتها بعالِم نووي إسرائيلي أشهر إسلامه من أجل الزواج بالدكتورة، فغيَّر اسمه من زائيف شاغال إلى عامر البشري، لتكتمل أركان الزواج والذي اتفقا على كتمانه عن الجميع، وعندما بدأ الشك والقلق يتسرب إلى نادرة السكرى بإسرائيليته توجهت لرجال الأمن القومي وأخبرتهم، واتفقوا معها على تكتم الخبر وأن تستمر في علاقتها الطبيعية به، وتخبرهم بكل جديد في هذه العلاقة، ولها أن تقلص علاقتها معه إلى الحد الذي تطيقه، خدمة لأهداف عليا.

ومن خلال ملف زائيف شاغال نعرف أنه عاش خمس سنوات كاملة في أحد أحياء القاهرة كصاحب لواحد من أكبر معارض السيارات، وغطت إعلانات معرضه مساحات زمنية لافتة في تلفاز الدولة الرسمي.

وكانت نادرة السكري تستغرب من قدرة زوجها الفذة وبراعته في التمثيل مرددة داخلها: خنزير .. حقير. رغم إظهارها عشقها له وتعلقها به. ومن ناحية أخرى هناك من كان يمدها بمعلومات كافية عن شاغال مؤكدا لها أنه لم يخدعها و"أنه صار عونا لنا لا علينا، وأنه آمن بعدالة قضيتنا، مشككا في شرعية دولته التي أشربوه حبها في كل موقف جمعهم به صغيرا أو كبيرا". ويبدو أن تلك المعلومات التي وردت عن شاغال صحيحة لأنه يُقتل في العاصمة النمساوية فيينا بإلقائه من شرفة شقته بالطابق العاشر في إحدى العمارات (وهنا نتذكر كيفية مقتل كل من سعاد حسني، وأشرف مروان في لندن).

ويكشف الصحفي واثق للدكتورة نادرة أنه التقى زوجها في لقاء إعلامي دولي وأبلغه العالِم الإسرائيلي الذي أعلن إسلامه أنه يحس بمتابعة حثيثة من قبل أجهزة وشخصيات يعرف علاقاتها المتشعبة بأجهزة أمنية واستخباراتية أوربية ذات صلة مباشرة برجال الموساد.

وتؤكد الرواية أن تلك اللقاءات كانت تتم تحت بصر وسمع رجال الأمن القومي المصري الذين استقطبوا واثق بعد لقاءات مشهودة مع شاغال، وتمكنوا من تزويده بملف هائل عن علاقات الدكتورة نادرة، وما عليه إلا استكمال الصورة بحكم علاقة القرابة (فهو زوج ابنة بنت أخيها).

ولكن لم يُترك الحال على ما هو عليه، ورغم دخول الأمن القومي المصري على الخط، إلا أن مصر كلها تسمع دوي الانفجار العظيم في فيلا الدكتورة عالمة الذرة المصرية، الذي لم يبق منها ولا من فيلتها إلا شظايا متناثرة لم تفلح أجهزة الأمن والطب الشرعي والأدلة الجنائية في الوصول إلى نتيجة قاطعة حول ما حدث، ويختفي واثق بعد ذلك.

ويربط رئيس تحرير جريدة "التحدي" شاهر الشاذلي تفجير الفيلا باختفاء واثق، ويتهم عددا من الحزبيين الكبار ورجال الأعمال أصحاب العلاقات التجارية مع إسرائيل بالتنسيق مع رجال الموساد في العمليتين، خاصة أن هناك من الصحفيين بالجريدة الذين يعملون في مساعدة بعض البرلمانيين المشكوك فيهم، وبعض رجال الأعمال. ومع ذلك فهناك من يمتلك ضميرا حيا من أبناء بعض المسئولين الكبار بالدولة الذين يؤمنون بالوطن ويتحمسون للكتابات الوطنية ومحاولة كشفها لكل هذا الفساد.

ملف آخر تعريه رواية "استربتيز" هو ملف البرلماني الكبير الذي تواطأ مع بعض الرؤوس الحزبية في الاستيلاء على عشرات الآلاف من الأمتار من أراض داخل الكتلة السكنية، وحوَّلها في أعوام قليلة إلى مجمع للفيلات الحديثة، وصار المرور من بينها حكرا على طبقته الاجتماعية الجديدة.

الكاتب مختار عيسى مؤلف الرواية

أما الملف الأخطر، والذي تمحورت حوله فصول كثيرة في الرواية، فهو ملف المعبد اليهودي بالمحلة الكبرى، الذي يوجد في حي الخوخة تحت مسمى "المعبد اليهودي الأستاذ".

وتتردد في الرواية أسماء حقيقية لاعبة بقوة على المسرح السياسي العربي، وأخرى رامزة، ومن الأسماء الحقيقية اسم السيد حسن نصر الله، أحد الأسماء البارزة في مسيرة شفاء الكاتب الصحفي مراد من الأزمة النفسية الطاحنة التي مر بها، مشيرا له في إحدى أزماته وهلاوسه قائلا: "أنت السيد حسن .. نعم أنت هو .. أخبرني شيخي أنك ستزورني .. انتظرتك طويلا .. وها أنت ذا هو .. أليس كذلك؟ فيجيبه السيد حسن قائلا: نعم .. أنا هو. فيسأله مراد: ماذا تفعلون يا سيد مع أبناء القردة؟ أنت وجيشك أثبتما أن الملاعين أخوف من فأر.

ويتهيأ له السيد حسن نصر الله (ص 142) بعمامته السوداء وعباءته، وابتسامته الساخرة، ولكنته المعروفة برائها المحببة ذات الوقع الخاص على الأذن، فيدعوه مراد للجلوس بجانبه قائلا له: تفضل يا سيد .. اجلس إلى جانبي .. أنا أحبك، أنا من شيعتك، من أنصارك .. الملاعين يدبرون قتلك؛ فاحذرهم.

كما يُستعاد اسم الكاتب الصحفي عبدالحليم قنديل وما حدث له من اختطاف وضرب وتجريد من الملابس، على خلفية اختطاف مجهولين للكاتب الصحفي "واثق" ثم إلقائه مجردا من ملابسه في الصحراء، بعد أن أوسعوه ضربا وإهانة، وعندما تعرف زوجته "هالة" بما حدث وتخبر مراد يقول لها:

لا تحزني يا هالة .. هم الذين تعروا .. هم الذين سقطت ملابسهم قطعة قطعة، بل إنهم لم يكونوا وحدهم في رقصة الاستربتيز التي أدمنوها هم وبعض من يسمونهم الكبار منذ توقيع السادات اتفاقيته.

وتمارس جهات أمنية وبعض رجال الأعمال المتعاملين مع الكيان الصهيوني الضغط على الجريدة التي يعمل بها واثق ورئيس تحريرها الوطني شاهر الشاذلي، غير أنهما يتمسكان بخوض المعركة إلى النهاية قائلين: "هذه معركتنا لإنقاذ الوطن من قبصة اللصوص والخونة"، غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تتطور المواجهة بوضع قنبلة وإشعال النار في مقر الصحيفة في السبت الأول من يناير 2010، ومع ذلك لم يتراجع الصحفيان ومن يساندهما من شرفاء الوطن.

إلى جانب ذلك تفتح الرواية ملفات بعض المليارديرات من عرب الخليج ـ نساءً ورجالا ـ وما شابها من روائح فضائحية وعلاقات متعددة بأطراف دولية ومحلية فيما يتعلق بتجارة السلاح والمخدرات والرقيق الأبيض.

وتكشف الرواية في جرأة بالغة حكاية الملياردير الخليجي التي نشرتها بعض وسائل الإعلام الغربية المحايدة، فتعيد إلى الأذهان جانبا ليس هينا من شذوذه الجنسي، وسهراته المتعددة التي كان يجبر خلالها فنانات من الصف الأول على مضاجعة أشكال مختلفة من حيوانات مدربة أمام ضيوفه. وهنا يجد الصحفي "واثق" سببا لتفجير قنبلة صحفية من العيار الثقيل كاشفا عن تلك الشخصية العربية الكبيرة التي عثر على بعض المستندات التي تفضح دورها في خدمة أبناء صهيون، وتهدد مصير المدينة.

وتعيد الرواية الثقة في بعض ضباط مباحث أمن الدولة من خلال المقدم أحمد البرنس الذي يحاول أن يكشف سهرات ماجنة بجناح أحد الفنادق الكبرى القريبة من ميدان التحرير، تقودها البرنسيسة الخليجية جوهرة قائلا: "يا ربي .. من أنا إن لم أقم بما يمليه علي ضميري؟ وكيف أستحق أن أرتدي هذا الزي إن لم أكن أهلا له. هذه الدنيئة تضرب بتصرفاتها الشائنة كل تاريخي، وتنسف سجلي الناصع في خدمة ما قضيت عمري مدافعا عنه، رغم ما وضعوه في طريقي من عراقيل، وما نثروه تحت قدمي من مغريات"، مؤكدا أن المسألة تجاوزت الجريمة إلى محنة دولة، "دولة تموت في جناح سيدة بفندق، وسيادة تسقط على وقع كعبها العالي".

ويستطيع الضابط أن يتسلل ويرى بوضوح في إحدى تلك السهرات الماجنة، الرقص حول نجمة سداسية الأضلاع، وتراتيل مبهمة لمجموعة من الرجال يقرؤون في كتاب ضخم.

لقد رأت هالة ـ عندما اصطحبها الضابط أحمد البرنس مع زوجها الصحفي واثق إلى الجناح الفندقي بالعاصمة الكبيرة ـ وجه أمها المهندسة الشاعرة المنتحرة، في وجه امرأة ممن يرقصن حول النجمة السداسية، وأيقنت أن أمها كانت في يوم ما داخل تلك الحلبة.

الملفات التي تفتحها الرواية كثيرة كما نرى، ومعظمها ملفات سياسية، والبعد الاجتماعي لا يغيب عن الرواية، ويكون السادس من أبريل 2010 علامة فارقة حيث تصحو مدينة المحلة الكبرى على أنباء وصول وفد يهودي كبير إلى قلب الحي العتيق، وأن كبير التجار سيسلم الحاخام الأكبر أثناء الاحتفال المقرر إقامته قلادة رسمت عليها بالنقوش البارزة صورة الزعيم جمال عبدالناصر وهو يجفف عرقه بمنديله أثناء إلقائه خطاب التنحي الشهير، فيما حمل وجهها الخلفي صورة حاخام كث اللحية وضفيرتاه إلى جانبي خديه يقرأ من كتاب ضخم.

ووسط فرقعات الأضواء والألعاب النارية التي ترسم النجمة السداسية في عنان السماء، ومع عزف الموسيقى الذي يعلو هديره في الميدان الواسع قرب "المعبد الأستاذ" كانت الفرق الشبابية التي اجتمعت فيما بينها على "الفيس بوك" بتنسيق من مراد وزوجته مرام وهالة، قد اتخذت مواقعها وحبست أنفاسها انتظارا للحظة الصفر التي انضم فيها عدد كبير من ضباط الحراسة وقائدي الدبابات إلى كتائب الشباب التي راحت تجهز على كل رموز الاحتفال من مروجي التطبيع وأصحاب الصفقات المشبوهة، ومن لف لفهم من حزبيين كبار ومثقفين تملأ وجوههم الشاشات الرسمية ليل نهار.

هكذا تنفتح الملفات على بعضها البعض في رواية "استربتيز" للكاتب والشاعر مختار عيسى، والتي تعري الواقع السياسي والاجتماعي المصري والعربي، مستفيدا من تقنيات روائية تتسم بها الرواية العربية في مراحلها الأخيرة ومنها التكثيف، وقصر الفصل الروائي، والشعرية في بعض فصولها، وسرعة الإيقاع التي تجعل القارئ يلهث وراء الأحداث والشخصيات، فضلا عن مجاراتها للواقع وتوقعها أو استشرافها للأحداث الساخنة التي تلتهب بها المنطقة العربية.

إنها رواية أحداث وشخصيات، بالإضافة إلى أنها رواية وطن رفض السكوت على الظلم والإهانة والتوغل الصهيوني على يد بعض أبنائه الخونة، ولكنَّ شبابه والمخلصين من أبنائه رفضوا بيع البلاد لأبناء صهيون، لقاء مليارات الدولارات، وامتلاك الأراضي والقصور والعمارات الشاهقة والأرصدة الداخلية والخارجية.

ومن هنا تتواءم وتتماس ثورة المحلة الكبرى ورفض أهلها منح الحاخام مفتاحها، كما جاء في الرواية، مع ثورة 25 يناير التي انطلقت في كل أنحاء مصر رفضا للفساد والظلم الاجتماعي والقهر والاستبداد، متخذة من ميدان التحرير في العاصمة رمزا ثوريا ناصعا.

ولعلنا لاحظنا أن شخوص الرواية الرئيسية جاءت من الوسط الصحفي سواء مراد أو واثق أو زوجته وحبيبته هالة، ولعل عمل الكاتب نفسه مختار عيسى في البيئة الصحفية جعلته خبيرا بالمطبخ الصحفي وما يدور في كواليسه من أحداث وأسرار ومَنْ مع مَنْ ومَنْ ضد مَنْ في هذا الوسط الذي يستطيع أن يخترق ـ باعتبار الصحافة سلطة رابعة ـ الكثير من المناطق والأسرار، والقدرة على جمع المعلومات وتحليلها وتوظيفها لخدمة هدف محدد، وهو ما أدى إلى قدرة الرواية على الكشف والرؤية والحدس والتوقع.