استراتيجية الخطاب الشعري عند أحمد الشهاوي

بقلم: د. أحمد الصغير المراغي
الحلقة المسكوت عنها

الشاعر المصري أحمد الشهاوي من الشعراء الذين يمتلكون مشروعا شعريا خلاقا؛ لأنه تميز بين أفراد جيله من شعراء الثمانينيات بقدرته على ابتكار الصورة الشعرية الجديدة من خلال بلاغة النص الشعري الحداثي، ومخاتلة التراكيب اللغوية، وانزياحاتها اللفظية، واستنطاق النص الثقافي التراثي بأنواعه كافة.
وعلى الرغم من أن القصيدة الشهاوية تمتح من التراث الصوفي بشكل خاص ومن التراث العربي بصفة عامة، فإنها ترتكن إلى تفجير المعايير التقليدية، وتكرس للبنى الرئيسة في الشعر الحداثي.
وقد انتزع الشهاوي الحلقة المسكوت عنها في تراثنا العربي، ألا وهي حرية الإبداع في المجالات كافة، فهو ابن لثقافة عربية متقدمة في العصور السابقة. وجاءت هذه القراءة المكثفة عن ديوانه الصادر مؤخرا عن الدار المصرية اللبنانية بعنوان "باب واحد ومنازل" ومن السمات الأسلوبية المهمة في هذا الديوان ـ في ظني ـ تعدد الخطابات الشعرية داخل نص الشهاوي، فيتجلي الخطاب الصوفي العرفاني، الخطاب القرآني، والتوراتي، والإنجيلي، والخطاب النسوي، الذي يرتكز على استدعاء المعشوقة الأنثي بوصفها رمزا للذات العليا عند كبار المتصوفة بعامة والشهاوي بخاصة، ومن ثم فقد تنوعت نصوص ديوان "باب واحد ومنازل" ما بين القصائد القصيرة والطويلة، كما جاءت معبرة عن التجربة الشعرية الجديدة لدى الشهاوي، وكأنه يصوغ عالما شعريا مغايرا للعوالم السابقة التي قام بصياغتها.
ومن الظواهر الأسلوبية في القصيدة الشهاوية (ومصطلح القصيدة الشهاوية من صياغتنا الخاصة ونحن أول من صك هذا المصطلح في الوسط الثقافي العربي) ظاهرة التكرار اللفظي فقد أصبحت هذه الظاهرة سمة من سمات شعر الحداثة كما أشار أستاذنا الدكتور محمد عبد المطلب، فيقول الشهاوي متسائلا: ما الجحيم؟
سألت
أن تحب
ولا صدى
أن تسأل
ولا جواب
أن تكتب
ولا قاريء
أن تنام
ولا أحد في الحلم
أن تبتهل
ولا إله
أن تحمل مفتاحا
ولا بيت
أن تفتح
كفك
فلا تجد امرأة تقرأ
لا شك أن الخطاب الشعري الشهاوي احتفي بتكرارية المفردات التي تشي بمجموعة من الدلالات المتعددة، فنلاحظ تكرار (أن والفعل المضارع) أن تحب، أن تكتب، أن تنام، أن تبتهل،... إن جل هذه التكرارية تمنح النص الشعري حضوره اللغوي والإيقاعي الذي يرتبط ـ فيما أظن ـ بالشعور الكامن في ثنايا الذات الشاعرة التي يهيمن على خطابها البعد الفلسفي الوجودي عند جان بول سارتر، فقد تجلي صوت سارتر من خلال السؤال الذي صدرته الذات الشاعرة للآخر في قولها: ما الجحيم؟ فالذات إذن تمثل الوجه المقابل لذلك الآخر الذي لايستجيب لنداء.
وهناك مجموعة من الظواهر التي احتفت بها القصيدة الشهاوية مثل (بنية التقابل، والحذف والذكر، والاعتراض، والانزياح، والتناص المتعدد) وعليه فإن الشاعر أحمد الشهاوي من الشعراء المغامرين في أرض القصيدة الحداثية؛ فهو يضرب بسهم مغول في الشعرية العربية، يمتلك أرضا وعرة المراس، يحتاج لمن يعبدها للناقدين والباحثين العرب والأوربيين، لأن من كتبوا عن الشهاوي لم يقرؤوه إلا بعين واحدة فظلم.
يجب أن تقرأ القصيدة الشهاوية من جوانب متعددة، وأن تكون أكثر دربة ومراسا حتى تعطيك بعضها.