استثمارات نتنياهو بالدم الفلسطيني

ثمة ثوابت في الاستراتيجيات العسكرية والأمنية الاسرائيلية تتمركز حول عدم قدرتها على بلع وهضم أي كسر لتوازن القوى يمكن ان تقع فيه، والثابت أيضا في نفس المجال سعيها الدائم لتكريس الردع في مختلف جوانب الصراع مع الفلسطينيين وغيرهم في المنطقة.

في العام 2006 كُسر التوازن في عدوانها على لبنان كما ذهبت هيبة الردع، وتكرر الأمر عينه في عدوانها على غزة في اواخر العام 2008. اليوم تعود اسرائيل لمحاولة اعادة التوازن وترميم هيبة الردع كما حددها وزير الدفاع ايهود بارك في معرض تحديد الاهداف الاولية من عملية "عامود السحاب". وبصرف النظر عن حقيقة الأهداف المعلنة حتى الآن، ثمة أبعاد وخلفيات رمت اسرائيل إلى محاولة تحقيقها.

في الجانب الفلسطيني تحاول اسرائيل كما هو معلن تحقيق اعادة ترميم هيبة الردع التي تداعت خلال الفترة الماضية وبخاصة بعدما تبين مستوى القدرات الاستراتيجية التي تمكنت المقاومة في غزة من امتلاكها كصواريخ هورنيت وفجر 5 وغيرها من الأنواع التي تعتبر نقلة نوعية مهمة في الصراع مع اسرائيل، والتي تمكنت من خلالها تسجيل سابقة فلسطينية نوعية بقصف تل ابيب، وهي المرة الأولى أيضا منذ حرب الخليج الثانية بعد تساقط الصواريخ العراقية في العام 1991. كما توجيه صواريخ اخرى إلى منطقة ديمونا وهي قضايا لا يمكن لإسرائيل التساهل فيها أو غض الطرف عنها. لكن في المقابل ماذا حدث؟ بكل بساطة عززت المقاومة مستوى توازن الرعب وأخضعت نصف مناطق اسرائيل تحت رحمة صواريخها. بصرف النظر عن مستوى تمدد العدوان زمانيا ومكانيا.

وفي المقلب الاسرائيلي الداخلي وهو الأمر غير المعلن طبعا، يحاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعزيز قدراته في الانتخابات التشريعية بالدم الفلسطيني، وهو أمر اعتادت عليه القيادات الاسرائيلية سابقا، فمع كل انتخابات أو قضايا اسرائيلية مصيرية كان الدم الفلسطيني العامل الأهم ومجالا مربحا في عمليات تعداد الأصوات.

وبطبيعة الأمر اعتادت اسرائيل أيضا استثمار الدم الفلسطيني في توجيه رسائل خارجية مختلفة، من بينها إلى الرئيس الاميركي باراك اوباما وهو على اعتاب ولايته الثانية في محاولة لتقييد سياساته تجاه مشروع حل الدولتين التي حاولت سابقا اجهاضها وتحاول حاليا القضاء عليه نهائيا قبل أي تحرك محتمل.

وإذا كان حلم نتنياهو بتوجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الايراني قد تبدد قبل الانتخابات الاميركية، فهو يحاول الآن بعدها، وكأنها ضربة غير مباشرة لطهران بعد اعلان الحرب بالواسطة والتي بدأها مؤخرا بضرب مصنع اليرموك في السودان. الأمر عينه ينطبق على المقاومة في لبنان وان بأوجه وبمستويات مختلفة.

ثمة مأزق كبير وضعت تل ابيب نفسها به، فهي بدأت الحرب على غزة لكن من الصعب تحقيق أهدافها المعلنة والمضمرة منها، فظروف غزة اليوم ليست كما قبلها، ومن الصعب تكرار السيناريوهات الاسرائيلية السابقة بأكلاف عادية يمكن استيعابها، كما ان الظروف العربية المحيطة بإسرائيل وبخاصة المصرية ليست كسابق عهدها، ثمة روابط قوية بين الأخوان المسلمين الذين يحكمون مصر حاليا وحركة حماس وهو اختبار وتحد حقيقي هو الاول من نوعه في هذا المستوى من التعقيد في العلاقات المصرية الاسرائيلية.

بين عملية الرصاص المصبوب في العام 2008 وعملية عامود السحاب في العام 2012، الكثير من الشبه في الأهداف والدلالات وربما النتائج المحتملة للثانية. فهل سيتعلم القادة الاسرائيليون هذه المرة من الدروس السابقة؟ ام ستكون دروس غير مستفادة في ظروف مغايرة لم تعرف اسرائيل قراءتها أو تجاهلت فهمها كالعادة وسط حسابات داخلية عنوانها شهوة السلطة ولو على دماء الفلسطينيين مجددا؟

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية