استبدال نظام بن علي بنظام ثيوقراطي ديني.. حداثيو تونس: النهضة تكشف وجهها الحقيقي

النهضة والسلفيون يستغلون ثورة الشباب لفرض مشروعهم الظلامي

تونس - أثارت "تهديدات" رئيس حركة النهضة الإسلامية بنزول أنصاره إلى الشارع وباستعداده لإسقاط "عشر حكومات" نتيجة ما سماها بـ"المخاطر والتلاعب المفترض بالانتخابات" ردود فعل قوية من طرف القوى الديمقراطية والحداثية التي رأت في تهديدات الغنوشي نزعة لحكم تونس بالقوة واحتكار للحياة السياسية بلغة التهديد.

وطالبت القوى الحداثية والديمقراطية باحترام إرادة الشعب وأهداف ثورة الكرامة التي قامت من أجل الحريات الفردية والعامة والقطع مع كل أشكال الاستبداد مشيرة إلى أن لغة التهديد هي شكل من أشكال الاستبداد.

وأثارت "تهديدات" الغنوشي مخاوف في الشارع التونسي المتوجس بطبعه من الانتخابات ومما قد يرافقها من احتقان اجتماعي وسياسي.

وتقول القوى الديمقراطية أن الشباب الذي قاد ثورة متحضرة ليس مستعدا باستبدال استبداد نظام بن علي بنظام ثيوقراطي ديني.

وقال زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي أحمد نجيب الشابي أن "التونسيين افتكوا حريتهم، لكن هذه الحرية يمكن أن تفلت من أيديهم إذا لم يوضع لها مؤسسات تضمن ديمومتها" ملاحظا أن "الثورة التونسية قامت من أجل الحرية والكرامة".

وطالب الشابي بوضع دستور "يضمن الحقوق الأساسية للمواطنين ويؤسس لديمقراطية تحمي مكتسباته" في إشارة واضحة إلى التصدي لأي تيار يستهدف المكاسب التي تحققت للتونسيين وفي مقدمتها الدولة المدنية التي تفصل بين السياسة والدين.

وصعد الشابي الحليف السابق لحركة النهضة خلال نظام بن علي من انتقاداته لحركة النهضة مؤكدا أنها "تريد الاستيلاء على مؤسسات الدولة" بعد أن استولت على منابر المساجد.

ومن جهته رد الأمين العام للتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات مصطفى بن جعفر على طريقته حيث دعا إلى تشكيل "حكومة مصلحة وطنية" لتسيير شؤون البلاد وممثلة من الأطراف السياسية الأساسية التي سيكون لها وزن وثقل في المجلس التأسيسي القادم.

أما الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي التونسي حمة الهمامي فقد حذر من دور النهضة، ملاحظا أن "هناك فئة من الناس تستغل المشاعر الدينية لتشويه صورة الحزب من خلال اتهامه بالكفر".

وأكد رفضه توظيف الدين بأي شكل من الأشكال ومقاومة كل القوى السياسية التي تحاول ان تعتدي على حرية المرأة.

وشدد الهمامي على ضرورة أن "يضمن الدستور الجديد الحريات الأساسية الفردية والعامة التي يدافع عنها حزبه بكل قوة" لقطع الطريق أمام عودة الديكتاتورية في جلباب جديد بما يعيد إنتاج منظومة الاستبداد تحت مسميات جديدة.

وطالب رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية المنصف المرزوقي بتشكيل "حكومة وحدة وطنية بعد يوم واحد من انتخابات المجلس التأسيسي وأن يسمى رئيس الجمهورية في غضون شهر واحد".

وتأتي دعوة المرزوقي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية للتصدي لاستفراد الأغلبية الفائزة في الانتخابات.

وقال المحلل السياسي والباحث الشاذلي بن عمر في اتصال هاتفي مع "ميدل ايست أونلاين": "لقد أدارت النهضة حملتها الانتخابية بدهاء شديد وفق عملية توزيع للأدوار، حيث حرص حمادي الجبالي على 'طمأنة' التونسيين وتبديد مخاوفهم تجاه النهضة وانتهج خطابا ليبراليا تعهد فيه باحترام مدنية الدولة وحقوق الإنسان والحريات، فيما بدا الغنوشي مرشدا روحيا ورمزا للحركة التي تتمسك بتطبيق الشرعية".

وتابع بن عمر "لقد دافعت القوى الديمقراطية على حركة النهضة ضد بطش بن علي بها على امتداد سنوات حكمه، لكنها تبدو اليوم قوة إسلامية بعيدة كل البعد عن المشروع الديمقراطي والحداثي، وقد استفادت النهضة والسلفيون من ثورة قام بها شباب من أجل الحرية والقطع مع منظومة الاستبداد، وهاهم اليوم يستغلون أهداف الثورة لفرض مشروعهم الذي يرفضه التونسيون الذين كلفتهم الحرية دماء الشهداء".

ورأى مراقبون أن "تهديدات" رئيس حركة النهضة تمثل منعرجا في مسار الحملة الانتخابية التي حرصت فيها النهضة على انتهاج خطاب "معتدل" وحاولت "طمأنة" التونسيين بأنها لن تستهدف الحق في الحرية وفي الاختلاف، لكن تهديدات الغنوشي كشفت المستور.

ويقول المراقبون إن "هذا التهديد يكشف عن الوجه الحقيقي للحركات الإسلامية عامة بما فيها النهضة التي تريد أن تحكم البلاد بالقوة".

وتابع المراقبون "في حال فوز النهضة بالأغلبية سيتعرض المسار الديمقراطي إلى انتكاسة حقيقية لذلك على القوى الديمقراطية والحداثية أن تتكتل في إطار ائتلاف من أجل تشكيل "حكومة وحدة وطنية" تشارك أبرز القوى السياسية ولا تحتكر حقائبها النهضة ، حكومة ترسي مقومات الدولة المدنية التي تفصل السياسة عن الدين".

ولاحظ بن عمر "هذه أول انتخابات من نوعها تجري في تونس، تشرف عليها هيئة عليا مستقلة ومحايدة، ولنفترض أن الانتخابات شهدت بعض التجاوزات فإن المجال مفتوح أمام الجميع لتقديم الطعون للقضاء لا التلويح بالتهديدات والنزول للشارع ، إنه منطق العنف الذي يتهدد مستقبل تونس".