ارهاب العالم بوسائل اخرى: نظام دولي جديد بلا اخلاقيات ولا قواعد ولا معايير

بقلم د. برهان الجلبي

لا يقتصر الحديث عن النظام الدولي الجديد على التذكير المستمر بقيادة الولايات المتحدة للعالم، ولكنه يشير أيضا الى ان هذه القيادة تفتقر الى القيم والمبادئ والاخلاقيات والاعراف الدبلوماسية التي كان يقوم عليها النظام الدولي السابق.
ولا احد يخدع نفسه بالقول ان تلك القيم والمبادئ والاخلاقيات كانت هي القوة المحركة بالفعل لعلاقات التنافس والصراع بين القوتين العظميين (الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة)، الا ان تلك القيم والاعتبارات كانت تشكل، على الأقل مرجعية، يحرص كلا الطرفين على النظر اليها لتقييم أفعاله وللغمز من قناة الطرف الآخر اذا تصرف خارج اطارها.
اليوم تشعر الولايات المتحدة انها تستطيع ان تتصرف في شؤون العالم على هواها، من دون اي اعتبار ليس لتلك القيم والاعتبارات فحسب، بل وحتى للقوانين وقواعد الشرعية الدولية ايضا. وهي تملك الجرأة والوقاحة على تجاوز القواعد المتعارف عليها في العلاقات بين الدول، فتقرر عقوبات، وتشن اعمال عدوان، وتخطط لاغتيال رؤساء دول، وتقود انقلابات، وترفض الالتزام بمعاهدات، لتقول ان العالم خاضع لسيطرتها العشوائية وان هذه السيطرة تقوم على مبدأ واحد هو الخضوع لارادة ومصالح القوة العظمى الوحيدة.
هذا هو القانون الوحيد للنظام العالمي الجديد. ولكن يجب الاخذ بعين الاعتبار ان الولايات المتحدة قفزت الى وضع هذا القانون، على مرحلتين. الاولى، خلال حرب الخليج، حيث زعمت الولايات المتحدة ان قيادتها للعالم سوف تتحلى بالمسؤولية وتحرص على الالتزام باخلاقيات وقواعد (من قبيل احترام حقوق الانسان واحترام سيادة الدول والحرص على تطبيق مقررات الشرعية الدولية) أفضل من الاخلاقيات والقواعد التي كانت سائدة من قبل. وهو زعم كانت الغاية منه تغطية الاغراض الاستراتيجية الكامنة وراء الحرب ضد العراق.
والثانية، عقب احداث 11 سبتمبر، حيث قررت الكشف عن هيمنة سافرة لا تراعي تلك القواعد والاخلاقيات بزعم ان التهديد الذي تتعرض له الولايات المتحدة خطير الى درجة انه يتطلب من الجميع الامتثال للمعايير الامنية والاستراتيجية التي تضعها الولايات المتحدة. وفي سياق تلك المعايير، فان الولايات المتحدة تملك لوحدها الحق في الاخذ او عدم الاخذ باية قواعد، وفي قبول او رفض أية قوانين، وفي احترام او عدم احترام اية مؤسسة دولية.
في هذا السياق جاء تقسيم العالم الى دول خير ودول شر، ليؤكد الحقيقة التالية، وهي ان الولايات المتحدة هي المرجعية الوحيدة لوضع المعايير. وان هذه المعايير، ستظل من دون تحديد وتعريف، كما تظل غامضة بدرجة لا تسمح لاحد ان يستوضح طبيعتها الا من خلال الاصغاء لما تقرره واشنطن.
ولكن ما هو الخير وما هو الشر من وجهة نظر واشنطن؟ انه شعار يصح فيه القول انه حزورة أي احد. فالاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية قد يكون شرا من وجهة نظر العرب والمسلمين، الا انه خير من وجهة نظر واشنطن. وقد تكون انتهاكات حقوق الانسان متشابهة بين هذا البلد او ذاك، الا انها يمكن ان تكون انتهاكات خير اذا كانت الحكومات التي تمارسها صديقة للولايات المتحدة، وتكون انتهاكات شر اذا كانت تمارسها حكومات عدوة. وقد تكون الانقلابات العسكرية عملا من اعمال الشر المناهضة للديمقراطية اذا حدثت ضد حكومات عميلة للولايات المتحدة، الا انها يمكن ان تكون عملا من اعمال الخير اذا قامت بها الولايات المتحدة بنفسها ضد حكومات منتخبة ديمقراطيا.
والنتيجة الرئيسية الاهم للنظام العالمي، كما تراه الولايات المتحدة اليوم، هو انه يلغي دور المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها مؤسسة الأمم المتحدة، كما يلغي قواعدها واخلاقياتها واعتباراتها الدبلوماسية.
وليس من الغريب، على هذا الاساس، ان تتحول هذه المؤسسة الدولية الى شاهد زور يعجز عن القيام بادنى واجباته طالما لا تريد الولايات المتحدة لهذه الواجبات ان تمضي قدما. والموقف من مجزرة جنين شاهد حي على ذلك.
ولكن شعارات الخير لا تمثل امتدادا لسياسات النفاق فحسب، ولكنها تستهدف، ايضا، احتلال موقع معنوي لا يمكن للآلة الحربية ان تمارس عملها من دونه.
والعالم كله اليوم يخضع لهذا التصنيف الجديد، حيث تفترض الادارة الامريكية بانها تمثل قوى الخير وتمنح نفسها الحق في خلع ألقاب الخير، بدرجات متفاوتة، على حلفائها، بينما تخلع القاب الشر، بدرجات متفاوتة ايضا، على خصومها واعدائها.
وفي مقابل دول "محور الشر"، الذي يضم العراق وايران وكوريا الشمالية، فقد صنفت الادارة الامريكية كوبا، بعد زيارة الرئيس السابق جيمي كارتر لها، بانها من دول محور "ما بعد الشر"، وذلك لحرصها على الدفاع عن سياستها الخارجية المستقلة، بعد ان انتهى مبرر الصدام السياسي المباشر.
وعلى هذا الغرار، يقول معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن ان دولا مثل الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تقع في خانة دول "ما بعد الخير" لان مثل هذه الدول، وان كانت ماتزال دولا صديقة، الا انها تستخدم صداقتها للولايات المتحدة لتغطية طموحاتها الخاصة، ولانها تملك المبررات السياسية والقدرات المادية للحصول على اسلحة دمار شامل والتي يمكن استخدامها بصورة مباشرة او غير مباشرة ضد اسرائيل او لتهديد المصالح الامريكية في المنطقة.
وبطبيعة الحال، فان اسرائيل جزء لا يتجزأ من "محور الخير"، وذلك لانها الحليف الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة. و"الخير" القادم من مجازر جنين وحصار كنسية المهد وقتل الأبرياء وقصف الطائرات ضد المخيمات الفلسطينية وتدمير البنية التحتية الفلسطينية واستهداف سيارات الاسعاف لمنع نقل الجرحى الى المستشفيات، كل هذه الاعمال، هي جزء من اعمال "الخير" لانها تخدم الهدف الاستراتيجي الامريكي، ولان الولايات المتحدة هي وحدها التي تملك الحق في منح "صكوك الغفران" عن أية اعمال ترتكب في خدمة "الخير" الامريكي.
وفي ظل هذه "البابوية" الامريكية الجديدة، فلا حاجة لشرعية دولية ولا الى قانون ولا هيئة امم متحدة التي يمكن ان تتحول الى "جمعية خيرية" لتوزيع المساعدات الطارئة على ضحايا اعمال "الخير" التي تمارسها الطائرات الامريكية والاسرائيلية في هذا المكان او ذاك. وحيثما تتحول القوت الامريكية الى بديل لقوات السلام التابعة للامم المتحدة، فان التهديدات ضد العراق واليمن والصومال وغيرها من الدول تنذر بشن حروب دون اللجوء الى الأمم المتحدة.
وكذلك الحال بالنسبة للتهديدات المستمرة من قبل الادارة الامريكية بتغيير النظام العراقي ورفضها ياسر عرفات كزعيم للادارة الفلسطينية وحرمان اسرى الحرب المسلمين والعرب المحتجزين، من دون ادلة ادانة، في جزيرة غوانتانامو، هي امثلة على التحديات التي تواجه قيادة الامم المتحدة في ظل النظام العالمي الجديد، كما انها امثلة تستهدف القول ان الولايات المتحدة تستطيع ان تضرب من تشاء، وان تختار القيادات التي تشاء، وهي التي تحدد كيفية تطبيق القانون الذي تشاء، من دون العودة الى القانون الدولي ولا الى اي هيئة او مرجعية دولية.
القول ان هناك نظاما عالميا جديدا، لم يعد كافيا. فهناك نظامان عالميان جديدان، الاول اعلنه الرئيس جورج بوش بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، والثاني هو نظام البابوية الامريكية للتمييز بين الخير والشر بعد هجمات 11 سبتمبر.
والفرق بين هذين النظامين قد يبدو شكليا ويعبر عن اختلاف في المستوى الثقافي بين ادارة بوش الاب، وبين ادارة بوش الابن، اكثر مما يعبر عن تغيير جوهري في الاستراتيجيات. فكل من النظامين يهدف الى فرض الهيمنة والسيادة الامريكية على كافة دول العالم وذلك عن طريق ازالة الحواجز السياسية والاقتصادية بين الدول، في اطار ما اصبح يعرف بالعولمة. الا ان العدو المستهدف، بين هذين النظامين، مختلف.
لقد حاول بوش الاب ان يستخدم الامم المتحدة كغطاء لفرض هذا النظام ولتمرير كل تبعات الحرب ضد العراق، في حين يخوض بوش الابن حربا، يعتبرها الكثيرون حربا في اطار المواجهة الحضارية المزعومة بين الاسلام والغرب، معتمدا على منطق القوة، ومفترضا ان القوة هي مصدر العدل، وان زعامة امريكا للعالم اهم من الحوار مع اي احد في هذا العالم.
ان التمعن في مبادئ النظام الدولي الجديد، بنسخته الجديدة، يشير الى ان هذا النظام لا يمثل تهديدا مباشرا لدول معينة فحسب، ولكنه يشكل خطرا جوهريا على كيان وصلاحية وشرعية الامم المتحدة ايضا. كما انه يشكل تهديدا للدول الاسلامية والعربية وعلى كيان الحكومات العربية، بصورة جماعية، لانه يستهدف، بطريقة او اخرى، زعزعة نظام القيم الاسلامي وتشويه صورة الاسلام وذلك بالنظر اليه على انه مصدر للشر.
وهناك اخطار اخرى يمكن تلخيصها على النحو التالي:
* تفترض الولايات المتحدة ان قدراتها العسكرية والاقتصادية تؤهلها لان تكون حضارة القرن، وبالتالي فان هذه القوة تعطيها الصلاحية لفرض ما تشاء لخدمة مصالحها، وذلك في اطار نزعة فوقية تمهد لنشوء نموذج جديد للاستعمار.
* تفترض الولايات المتحدة بان قيم ومبادئ الحضارة الغربية متفوقة على القيم الاخلاقية والاجتماعية الاسلامية، وان الانتساب الى "محور الخير" يتطلب من الدول العربية التخلي عن قيمها ومفاهيمها وقبول القيم الغربية.
* وبما ان معيار الصداقة الوحيد مع الولايات المتحدة هو الموقف من الكيان الصهيوني، تفترض الولايات المتحدة ان القبول بهيمنتها تفرض على المجتمع العربي والاسلامي القبول بهيمنة هذا الكيان أيضا.
* وبما ان المجتمع العربي غير متطور صناعيا ويعجز عن الاعتماد على نفسه، فان فرض الكيان الصهيوني "المتطور صناعيا" لاستغلال موارد العالمين العربي والاسلامي يعني نهاية لكل فرص التطور الممكنة في المستقبل.
* وبما ان واردات معظم الدول العربية تعتمد على تصدير المواد الخام، فان ازالة الحواجز والقيود الاقتصادية، واتاحة الفرصة للاستثمارات الخارجية في مجال الطاقة، يستهدف ازالة سيادة الدولة على سوق تلك المواد.
* الولايات المتحدة هي صاحب السيادة والمتمتع الوحيد بحق الهيمنة، وبالتالي فلا سيادة ولا استقلال لاي دولة تحاول ان تتمسك باستقلالها وبحقها في اتخاذ قرارات استراتيجية او اقتصادية رئيسية.
في المقابل، لا تملك الدول العربية، بوضعها الممزق الحالي، الكثير من ادوات التأثير في السياسة الامريكية. فالدول العربية، اما اعداء غير قادرين على هزيمة السياسات الامريكية، او اصدقاء اكثر من اللازم يعتمدون على الولايات المتحدة للحفاظ على امنهم وثرواتهم.
وفي المدى المنظور يبدو ان الدول العربية المستهدفة من قبل النظام العالمي الجديد ستظل مشغولة بتفاصيل الصراعات والمجادلات اليومية مع الولايات المتحدة، متجاهلة البعد الاستراتيجي للخطر الذي يمثله النظام العالمي الجديد على وجودها وثقافتها وكرامتها ودينها.
ولقد تبين لي من خلال مشاركتي في برنامج "المواجهة" الذي يعده تلفزيون ابوظبي، والذي شارك فيه الدكتور سامي النصف المستشار السابق للحكومة الكويتية، ومن خلال المداخلات الكثيرة التي تخللت البرنامج، بان الكثير من المسؤولين العرب، والكثير من اصحاب الرأي المؤثرين في تكوين الرأي العام لا ينطلقون في فهمهم لابعاد ومخاطر النظام العالمي الجديد ونتائجه السلبية على مستقبل الدول العربية، من محصلة قومية شمولية، عربية او اسلامية، ولا ينظرون الى الخطر الشامل الذي يهدد نظام القيم والاخلاقيات الاسلامية. كما لا ينظرون الى التهديد المباشر الذي تتعرض له سيادة دولهم.
لقد بدأ النظام الدولي، بصيغته الأجد، في اهانة الامم المتحدة وتدمير دورها، ولكنه سوف ينتهي بتحويل كل دولة من دول العالم الى دمية يجري التحكم بها من فوق، أي من واشنطن. واذا كان هذا الوضع سيئا بما فيه الكفاية، فما هو أسوأ منه هو ان واشنطن التي ترفض وضع معايير وقيم واخلاقيات محددة، ترفض في الوقت نفسه ان تمارس سلطاتها على اساس معايير واحدة. فلكل مكان معيار خاص به، ولكل دولة طريقة تعامل، ولكل احد قانون مختلف. والقوة، بالنسبة للولايات المتحدة، هي القانون الوحيد. د. برهان الجلبي، عضو المهد الملكي البريطاني للدراسات الاستراتيجية