ارتفاع ... يطال الفكرة

بقلم: نهلة الجمزاوي
عن المثقف الذي تدجن

مسلسل ارتفاع الأسعار المتواصل موضوع لا شأن له بالثقافة أبدا، هذا ما سيقوله قارئ هذه السطور بعد أن يقطب حاجبيه لاعنا كاتبتها. انه النزوح بالأديب إلى عالم الميتافيزيقيا، لينشغل برسم الصورة الجمالية المعنوية الكائنة في ما وراء الطبيعة، و التي تحاكيها وتقلدها مفردات الأرض المادية الزائلة حسب أفلاطون، وكأن الأديب كائن قادم من كوكب دري تضاء قناديل بيته ولو لم تمسسها النار، أو أنه مجرد ناسك في معبد الغيب ينتظر وحي الكلمة.
الكاتب وإن تراءى للبعض أنه نشاز أفرزته الطبيعة ليشاكس مسيرتها الرتيبة، هو أكثر من يحتاج إلى الحدّ الأدنى من مقومات الحياة البيولوجية ليبقى على قيد الإبداع.
كيف ستنضج الفكرة في رأس يقضي صاحبه معظم وقته في العد على أصابعه من أجل مذاكرة دروس الحساب التي تعلمها يوم كان يضرب على مؤخرته كلما أخطأ العد، قوانين الحساب لم تعد تليق بأصابعه المرتعشة من البرد وقلبه المتفطر حزنا على هزيمة رجولته الأبوية أمام أطفال لا يقوى على تأمين الدفء لأجسادهم الغضة في مواجهة قسوة الشتاء ومفاجأته المعتادة.
الفكرة تخبو في سراج عقله كلما اشتد الريح ليطفئ شعلة وقوده الشحيح.
الفكرة تنطفئ تماما عندما يأتي عليها صقيع الجدران الصلدة التي لا يحرك فيها ساكنا سوى ارتعاشات أطفاله وعيونهم المفتشة عن الدفء والغذاء، أمام أب لا يمتلك سوي الحب والحزن والألم والثورة المدجنة التي فقدت طريقها حتى إلى وهج الكلمات.
ثقافة الصمت التي تم تكريسها أمام تجاوزات كبيرة على الحد الأدنى من أسباب العيش، المواطن الذي تدجن تدريجيا على السكوت، غول الأسعار الذي يأتي على ما تبقى لنا من فتات، النفوس التي باتت تتشبث بناصية الموت على أمل نعيم مؤجل في عالم الغيب، من سيحرك مكامن الغضب في أواصر النفوس المترهلة، من سيبث الصراخ في الحناجر التي أعياها الصمت، أليس هو المثقف رسول أمته، الطليعي الذي طالما أخذ على عاتقه الدفاع عن حق الإنسان في مفردات الحياة الأساسية.
الشعوب تغضب لحرياتها وتدفع الدم والروح لانتزاعها من فم الغاصب، وتناطح بالكف مخرز الموت انتصارا لصوت الرفض الذي يحقق له التوازن الإنساني المشروط بالكرامة، فلماذا لا نغضب لرغيفنا المطارد بالغلاء وماءنا الشحيح الملوث، كحد أدنى للقدرة على البقاء.
الشعوب البسيطة المأزومة دائمة بحاجة إلى من يقرع الجرس فيوقظ فيها حس الرفض الذهني الذي يجب أن يتحول إلى رفض مادي مؤثر قادر على ردع الجهات المشرعة وإيقافها عند خطوط حمر للحدّ من الاعتداء على مقومات حياة الكائن البشري.
المثقف الحقيقي هو الذي يقوّم السياسي ويناضل من أجل تصويب تشريعاته المودية بالإنسان، مستندا إلى إنجاز وعي جمعيّ بضرورة التصدّي لأي اعتداء على تلك الحقوق.
الخوف كل الخوف أن ينشغل المثقف بالعدّ على أصابعه من أجل تطويع دخله ليليق بقوانين الحساب الجديدة، بينما تذبل الفكرة في أروقة الرأس المتعب. نهلة الجمزاوي
Jimzawi1@yahoo.com