ادارة لا تعرف ماذا تريد... او تعرف اكثر من اللزوم؟

بقلم: خيرالله خيرالله

هل هناك ميوعة اميركية... ام هناك تحضير لشيء ما كبير في منطقة الشرق الاوسط حيث تواجه ادارة اوباما اوضاعا معقدة يمكن ان تكلف الرئيس اوباما الكثير بما في ذلك تحوله الى رئيس لولاية واحدة فقط؟ منْ يتمعن في نتائج الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الاسرائيلي بيبي نتانياهو لواشنطن، يتوقف عند تطورين مهمين. يتمثل التطور الاول في عودة العلاقات الى طبيعتها بين باراك اوباما ورئيس الوزراء الاسرائيلي وذلك بعد فترة جفاء استمرت اشهرا عدة. يبدو جليا ان الرئيس الاميركي وجد، لأسباب داخلية قبل اي شيء آخر، وربما خارجية ايضا، ان ليس في مصلحته الدخول في مواجهة شخصية مع بيبي. كانت النتيجة انه امتدحه وصافحه بحرارة في حين اتسم اللقاء ما قبل الاخير بينهما بمقدار كبير من الجفاء، خصوصا بعدما فوجئ نائب الرئيس جو بايدن بالاعلان عن مشاريع بناء جديدة في القدس خلال وجوده في اسرائيل.
اما التطور المهم الآخر الذي تمخض عن الزيارة فيتمثل في ان الرئيس الاميركي وضع العلاقة مع اسرائيل في اطار الشرق الاوسط الكبير والمشاكل التي تواجه الولايات المتحدة في المنطقة، خصوصا في العراق وافغانستان وفي مجال العلاقة مع ايران. وكان ملفتا قول اوباما للتلفزيون الاسرائيلي، في اول مقابلة له معه منذ دخوله البيت الابيض، انه لا يعتقد ان اسرائيل ستهاجم ايران من اجل تأخير برنامجها النووي من دون تنسيق مع الولايات المتحدة. بدا واضحا ان الرئيس الاميركي يخشى اقدام اسرائيل على مغامرة من نوع مهاجمة ايران بما يؤدي الى مزيد من التعقيدات في المنطقة. سعى اوباما الى طمأنة اسرائيل، التي خلقت لنفسها هاجس ما يسمى "القنبلة النووية الايرانية"، وذلك عندما اكد عبر احدى قنواتها التلفزيونية، ان ايران لا تزال تشكل بالنسبة اليه "اولوية الاولويات". ما الذي يفعله الرئيس الاميركي باستثناء انه يحاول كسب الوقت من اجل التفكير مليا في كيفية الخروج المستنقعات التي غرقت فيها بلاده في الشرق الاوسط من دون الاضطرار الى خوض حرب جديدة؟
ربما كان باراك اوباما يستهدف من الاستقبال الحار الذي خص به بيبي اقناع اسرائيل بان لا فائدة من توجيه ضربة الى ايران وان مثل هذا العمل يرقى الى نوع من الجنون اضافة الى انه يزعزع الاستقرار النسبي الذي تنعم به المنطقة. اكثر من ذلك، ان مثل هذا العمل المتهور يعرض القوات الاميركية المنتشرة في ما يسمى "الشرق الاوسط الكبير" الممتد من افغانستان الى الصحراء الافريقية الى شتى انواع المخاطر. وربما كان الرئيس الاميركي يبذل محاولة اخيرة مع رئيس الوزراء الاسرائيلي من اجل اقناعه ايضا بان العقوبات تظل افضل طريقة لأستيعاب "الخطر الايراني"، اقله في المدى المنظور. وربما يحاول اخيرا اقناع شخص متحجر مثل بيبي نتانياهو بان ايجاد تسوية مع الفلسطينيين على اساس خيار الدولتين تخدم الاستراتيجية الاميركية في المنطقة وتخفف من العداء العربي والاسلامي لسياسات واشنطن.
تخلى اوباما عن فكرة إمكان ممارسة اي نوع من الضغوط على اسرائيل. يترك لبيبي الاقدام على خطوات تصب في مصلحة السلام من دون ان يلتزم الاخير تجميد الاستيطان في الضفة الغربية، علما ان تجميد الاستيطان شرط لا بدّ منه في حال كانت اسرائيل تريد بالفعل السلام وانهاء احتلالها للأرض. يبدو الرئيس الاميركي متجها الى كل انواع المساومات، بما في ذلك مع كوريا الشمالية التي لم يأت مجلس الامن على ذكرها بالاسم لدى اتخاذه، قبل ايام قليلة، موقفا من الهجوم الذي تعرضت له سفينة حربية كورية جنوبية. تجاهل مجلس الامن، بموافقة اميركية، كوريا الشمالية على الرغم من ان كل الادلة تشير الى انها وراء الهجوم الذي اوقع قتلى بين افراد طاقم السفينة.
ميوعة مع بيبي نتانياهو ومساومات مع كوريا الشمالية. ماذا يمكن تسمية الصفقة مع روسيا التي شملت تبادل اربعة عشر جاسوسا في اول عملية من نوعها منذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي؟ من الصعب ايجاد تسمية للصفقة باستثناء ان الادارة الاميركية التي اكتشفت عشرة جواسيس روس يقيمون على ارضها منذ سنوات طويلة، وجدت ان من الافضل لها لفلفة الموضوع خدمة للمصلحة العليا للدولة. جرى تبادل للجواسيس بين الجانبين وتبين ان روسيا تريد تفادي اي مشكلة من اي نوع كان مع الاميركيين...
هناك امور غريبة تحصل في الوقت ذاته. تقبلت ادارة اوباما كل انواع الاهانات الاسرائيلية وصارت فجأة تعتمد على حسن النية لدى بيبي نتانياهو. هل هناك اثر لحسن النية لدى رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يؤمن بتكريس الاحتلال لجزء من الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية؟ فجأة، صار مطلوبا تحييد كوريا الشمالية التي اعتبر مندوبها في الامم المتحدة ما حصل في مجلس الامن "انتصارا سياسيا كبيرا" لبلاده. لم يعد واردا الدخول في اي مواجهة مع روسيا. ليس واردا حتى التحقيق مع جواسيسها لمحاولة معرفة حجم المعلومات التي حصلوا عليها ومدى اضرارها بالامن الاميركي. انها مواقف محيرة لادارة تبدو وكانها لا تعرف ماذا تريد... او ربما تعرف ذلك اكثر من اللزوم. ثمة من يعتقد ان الرئيس الاميركي يريد التهدئة ولا شيء غير التهدئة في هذه المرحلة كي يقرر قريبا ما الذي يجب عليه ان يفعله بديلا من الاستمرار في سياسة ادارة الازمات. اللهم الا اذا كانت ادارة الازمات سياسة في حد ذاتها. خيرالله خيرالله