اخبار الادب: ملف عن الشعر العراقي تحت الحصار

متابعة: أحمد فضل شبلول

"الشعر العراقي .. تحت الحصار".
تحت هذا العنوان نشرت جريدة "أخبار الأدب" القاهرية الأسبوعية ملفا إبداعيا، من خلال باب ساحة الإبداع، في عددها الصادر يوم الأحد 23 مارس/آذار الحالي أعده الشاعر فارس خضر الذي كان موجودا في العراق منذ أيام.
اشتمل الملف على سبع عشرة قصيدة، لسبعة عشر شاعرا عراقيا من جيل الشباب الموجودين بداخل الأراضي العراقية ولم يغادروها، مثلما فعل كثير من المبدعين. ومن هنا كان لهذه القصائد طعم خاص، ومفردات خاصة، وهي بالتأكيد تحمل علامات فارقة عن تلك القصائد التي تُكتب خارج الوطن، أو في المنفى الإجباري أو الاختياري.
يقول الشاعر عبد الستار جبر الأسدي في قصيدته "شارع الرماد" على سبيل المثال: أشم رائحة النار
ودفئها النابض في أوصال العالم
يحترق الناس والبيوت والأفكار
فيمتد شارع الرماد طويلا
ليملأ السماء بنكهة
لطعم امرأة تعرت لآخر ليلة
على سرير مكسور
فتناثر عشب السقف على بياضها
وتلصصت عيون الرائحة لارتعاشاتها
التي ذابت على جدران الرجل المسافر
على الرغم من حجم المعاناة، والدخان الكثيف المنبعث من نار هذه القصيدة، فإننا لا نلاحظ وجود مفردات حربية كالطائرة والصاروخ والبندقية والقنبلة والأسرى .. الخ. مثلما وجدنها في قصيدة "ماراثون انفرادي" لسلمان داود محمد، ولكننا نجد عند الأسدي إشارات لما بعد الحرب، أو إشارات لما خلفته الحرب من آثار نفسية ومادية، مثل شارع الرماد الطويل، فالرماد من مخلفات النار التي شمها الشاعر في مطلع القصيدة، وهي نار منبعثة من احتراق الناس والبيوت والأفكار، أي أنها منبعثة من المادي والمعنوي معا. وهذه النار تحيلنا إلى نار الحروب والدمار الذي لحق العالم، على الأقل عالمه الشعري الذي بناه على أنقاض العالم المادي من حوله. وعلى الرغم من الحسية البادية في طعم المرأة التي تعرت لآخر ليلة، وربطها بالسماء، ومحاولة ربط الطعم بالرائحة، كحاستين مشاركتين في الفعل الشعري، فإن هذه الحسية ما هي إلا تجسيد قوي للتشبث القوي بالحياة.
أما الشاعر علي حبش فيقول في قصيدة عنوانها "طريق المعسكر": وأعرف أن الزجاج الذي تهشم في باب المعظم
طائرة حلمت بها قبل حربين
ابنتي تلمع شاشة الأخبار بمقدحة
وأنا أرفع العالم بملعقة الشاي وابتسم
حين بعت غرفة النوم استراحت الجدران
وصار المنزل جارحا كالمدينة
والبخور ركض مسرعا للهند تاركا جثته على الكاشي
هنا تبدأ في الظهور مفردات الحياة الحربية مثل الطائرة، والزجاج الذي تهشم في إحدى المناطق الآهلة بالسكان، جراء العمليات العسكرية، وتأثير ذلك على سير الحياة في العالم المادي من حوله، وأيضا في العالم الشعري. فنجد ذلك البناء الذي استراحت له جدران المنزل بعد أن باع الشاعر غرفة نومه، وكأن هذا البناء الذي ترمز له الجدران، يجد أن عملية النوم ـ في حد ذاتها ـ عبءٌ عليه، وأن مكونات هذه الغرفة المادية (سرير ودولاب وتسريحة وغيرها)، وما قد يحدث فيها من لقاءات جنسية، وعمليات شهيق وزفير وصعود وهبوط، أصابها الملل من الحياة على هذا النحو. لذا فقد شعرت هذه الجدران الصماء بالراحة من الحياة إلى جوارها، على الرغم من أن هذه هي وظيفتها. وكأن الأشياء تستريح لفقد خصائصها ووظائفها الأساسية. وربما يقصد الشاعر من بيع غرفة النوم هنا، الإشارة إلى حالة الفقر المدقع التي وصل إليها، فلم يملك إلا أن يبيع حاجيات بيته واحدة بعد الأخرى، حتى وصل الأمر إلى غرفة النوم التي يخلد إليها الإنسان للراحة والنوم بعد عراك يومي طويل مع الحياة خارج المنزل، وأن الجدران استراحت لهذا الفعل، لأنها بدورها كانت متعبة من الحياة مع هذا الإنسان الذي يستند إليها، وعادة تكون غرفة النوم آخر ما يباع في المنزل، فمن الممكن الاستغناء بداية عن غرفة الصالون، أو غرفة الطعام، ولكن ليس من السهولة بمكان التفريط في غرفة النوم إلا بعد أن تتفاقم أمور الحياة الصعبة من حولنا. وهذا الأمر من أهم آثار أو مخلفات الحروب المدمرة للحياة والإنسان معا. إلى غير ذلك من تأويلات أدبية ونفسية يبعثها هذا السطر الشعري الجيد في بناء القصيدة "حين بعت غرفة النوم استراحت الجدران".
من الصعب ـ في هذه العجالة ـ تناول كل قصائد الملف الشعري المنشور بجريدة أخبار الأدب "الشعر العراقي .. تحت الحصار" على هذا النحو من التوقف أمام المفردات والإحالات والتأويلات، لذا سنكتفي بذكر أسماء الشعراء وقصائدهم في هذا الملف:
هو هكذا لمنذر عبد الحر، بالومار لفيصل القصيري (الموصل)، ماراثون انفرادي لسلمان داود محمد، شظايا لصباح مكسور لحسين السلطاني (بابل) نافذة لكل العالم لنصير غدير، وجوه الصفيح لعزيز كاظم الواسطي، دموع بحجم العذاب لنبيل الشاوي، أم الغيابات لرعد مطشر، كل وردة دخلت قميصي آمنة لماجد الشرع، تمنيات في ليلة عيد الميلاد لعلي شبيب، لوائح قروية لجابر محمد جابر، وردة القول لحاتم حسام الدين، عنق الزجاجة لأحمد ناهم (بغداد) شارع الرماد لعبد الستار جبر الأسدي، طريق العسكر لعلي حبيش (بغداد) الشاعر بلا أجنحة لعبد الحسين بريسم، وقصائد لمحمد نعمة الزبيدي.
شكرا للشاعر فارس خضر الذي وضع هذه المجموعة من القصائد، أو هذا الديوان الشعري العراقي الذي صاحبه لوحات معبرة للفنان العراقي محمد السعداوي، بين أيدينا وهو ما يجعلنا نتواصل مع الشعراء الأشقاء في العراق، في اللحظة الآنية. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية