'احمرار إشارة' في 23 قصة قصيرة

جمل قصيرة نابضة حاسمة

في ثلاث وعشرين قصة احتوتها مجموعة احمرار إشارة، تتجلى للقارئ تجربة قصصية جديرة بالمطالعة والتأمل لما حاولته من مناقشة أو قل معالجة قضايا إنسانية ذاتية، وإنسانية عامة، إضافة إلى ولوجه عالم المسكوت عنه أو المسكوت عن التعبير عنه وهو عالم يشكل فيه الجنس هاتفاً وهاجساً مراوغاً لدى الإنسان في إحدى مراحله العمرية الباكرة. وكشف الإحساس أو قل تسجيل الانفعال هو هدف آخر حرصت المجموعة على الاهتمام به وتصويره، هذا وغيره في لغة فنية تكشف عن مضمونها حيناً وتراوغ أو تلمح أو توحي باقتضاب حيناً آخر.

وهي لغة سردية اكتسبت جماليتها من اعتمادها على الايحاء والترميز الإشاريين، ومن التركيب اللغوي المكثف في جمل قصيرة نابضة حاسمة، وبالجملة في لغة شعرية تتناسب والطريقة أو الخطة التي اختارها لنفسه المؤلف في طرح موضوعات قصصية ومعالجته إياها مفيداً من تقنيات ورؤى فنية في بنية القصة ومعمارها. ونحاول تفصيل ذلك وتبيانه من خلال العناصر الآتية:

• أولاً: العجز:

1. كثيراً ما يستبد الحلم بالإنسان، فمهما كبر سنه إلا أنه يبقى أسيراً في سلوكه لكثير من الأفكار التي ترسبت في لاوعيه منذ طفولته، فقصة "غرفة الفئران" تجسد هيمنة حلم الطفولة على العقل الإنساني لا يبارحه منذ صغره حتى أصبح رجلا [ذاب جسد أمه بالتراب وانطلقت روحها بالأثير، يأتنس بها كلما جلس في حجرة الصالون، تطالعه عبر إطار الصورة ذات الشريط الأسود، تنذره بأن تدخله غرفة الفئران إذا قام بإيذاء حفيدها، كم كانت تحبه كثيراً وكلما كان يقوم بزيارتها كانت تبعده قدر الإمكان عن غرفة الصالون خيفة أن يجد باب الحجرة فيدخلها، تأمل الستار القديم البالي الذي يداري الباب، تقدم إليه، فتح باب الغرفة واستلقى داخلها، لازالت باردة والظلام يزيدها برودة، تغمره الراحة والبرد يداعبه، أخذ نفساً عميقاً وهو يشعر بالفئران تتقافز من حوله.]

والجنس بوصفه حقيقة وانفعالاً وعاطفة تفرض نفسها على الإنسان غير أنه في مجتمعنا كثيراً ما يضطر إلى كبت هذه الانفعالات، ويأتي الحلم كما يقول علماء النفس تنفيساً لمكبوته كما في قصة "حلم أصفر" [يصيبه التذمر عن استيقاظه .. رغبة ملحة يقاومها في استماتة للعودة وإكمال الحلم .. نظرة إلى الساعة بجواره أجبرته متزمتاً .. يغدو تجاه الحمام .. يتجلى حلمه المشوه في بقعة صفراء متحجرة في ملابسه الداخلية .. بتأفف .. وفي آلية يذهب لإحضار ملابس جديدة، تحت الماء يولد من جديد .. يجتر الحلم الذي تلاشى .. قطرات الماء تنساب برفق .. قطرة تشكل داخلها أحد المشاهد .. رآها وهي تنزل على الأرضية تتكسر القطرة إلى العديد من القطرات مبعثرة أشلاء المشهد هنا وهناك.]

إضافة إلى ما يداعب الإنسان من أخيلة يضطر إلى السفر وراءها، وتشكيلها بحسب حاجته الغريزية كما في قصة "قميص نوم" إذ يقول عنه:

[عاد إلى شقته يحمل التهمة إليه .. عقله لم يتوقف عن التفكير لحظة فيمن تكون صاحبته .. حمله مجدداً .. تأمله في إعجاب .. قرر الاحتفاظ به .. وعلى سريره غير المرتب، فرده .. أضاء الحجرة بضوء خافت .. فوجئ بنجمته المفضلة وهي تنزلق داخل قميص النوم .. تنظر إليه نظرات يشع لها قلبه فضولاً ونشوة .. هزت رأسها في دلال فتمايل شعرها الأشقر في نعومة .. تحسست راحتها الفراش في رقة .. أشارت له بيدها أن يقاسمها المكان .. يخلع فانلته الداخلية ذات البقع .. يلبي النداء سريعاً.]

و"صندوق بندورا" الذي يحاول أن يحقق من خلاله حلمه [دوماً كان يحلم بقطرات الضوء التي تشق ثوب الظلام .. زارت أحلامه مراراً لكن دون أن يظهر لها ملامح. يتحسس فراشه فيتذكر أنه يحلم .. وظلت تلك اللحظات توخزه في إصرار سنوات الغليان تمضي وما بالجيب حيلة .. كان الحل عند صديق له .. دلف إليه بصندوق الحلم .. الحل داخل صندوق بندورا .. تذكر أنه قد قرأ شيئاً ما عن بندورا .. أصابه الفضول كما أصابها .. الصندوق مزخرف .. متوسط نوعاً ما .. محفور على سطحه أوضاع عشق وفجور .. هي أخرجت الألم والفقر للعالم .. بدأ صديقه يفتح الصندوق ببطئ .. كانت مطوية .. تحمل في طياتها سراً ما .. قام صديقه بفردها .. فتاة كاملة من الجلد أخرجها له من مرقدها وبمضخ الهواء أخذ يدس فيها الحياة .. تشكل همه ألف وجدان .. لم ير فتاة عارية من قبل .. يختلج السيف داخل غمده.]

إن كل هذه الأحلام (أحلام الطفولة، والمراهقة) تصطدم غالباً بعجز الإنسان إما للتخلص منها لتجذرها في لا وعيه، وإما لممارستها لرفض المجتمع لها.

2. صورة أخرى للعجز تبدو في مواجهة الإنسان لقدره المحتوم الذي يفاجأه على غرة من حياته ليحل السكون محل الحركة والموت محل الحياة، والموت يحصد كل يوم الغافلين فهو محقق والموتى كثيرون يعجز الإنسان أمامه إذ لاخلود كما في قصة "مراسم قبض الروح"، وقصة "زيارة"، ففي الأولى [اتعلم .. نحن وحدنا الآن عندما سقطت الورقة وقرأت اسمك لم أصدق .. الآن تأكدت أن قول أعدائك صحيح ربما كنت تعلم ولكنك تماطل كعادتك دوماً.

كنت ترسم لنا صورة في مخيلتك واعتبرت نفسك مبعوث الجحيم .. لكننا اشمئززنا منك وتنكرنا لك فنهر ستيكس لا وجود له والسنابل التي تحصد بالمنجل لا تسيل منها الدماء .. السنابل لا تصرخ .. لا تتألم .. لا تخور لكن تنتفض لتثور].

وأيضاً قصة "عزاء" إذ لا يبقى من الإنسان سوى غبار ممثلاً لرحيله وتستعيد الحياة دورتها بمطر جديد وحياة جديدة [صدق الله العظيم في وجد ختم بها الشيخ فراغه من قراءة القرآن .. شرع الناس في الإنصراف .. آخر من حضروا ظلوا جالسين في انتظار ربع آخر .. قام متكئاً على عصاه وبيد مرتعشة سلم على أهل المتوفى وانصرف.

رأى الأرض الطينية بدا له الهواء منعشاً بعد ما أمطرت السماء .. ابتسم .. بخطى وجلة يمشى .. شد أذنه صوت مكبر صوت .. سرادق آخر استقر على مرمى بصره .. اقترب منه .. أغشت الأضواء عينيه بينما هو يتابع التقدم].

3. صورة ثالثة يتجلى فيها العجز الإنساني ولكن هذه المرة أمام قدره المحتوم، فالأمومة أحد ما يغازل به القدر الإنسان فيمنحه بعضهن أو يسلبه البعض الآخر ليظل عاجزاً كما في قصة "ثلاث قبلات للأمل"، والرجولة المفعمة بالفحولة والصهيل قدر قد يصطدم به أحدنا ليعاني العجز والحرمان كما في قصة "حكايا المرآة" إذ يقول فيها [سكب ثلاث ملاعق من العسل في كوب حليب الصباح .. لم يتغير طعمه .. أزاح مرارة الكوب .. يعقد ربطة عنقه أمام المرآة وهو يستعد للذهاب لعمله .. أسبوع مر دون إجابة لسؤال يتردد في ذهنه صداه وثمة شرخ في المرآة يخترقه بالطول .. يرمقه المشروخ في الجانب الآخر .. يمسك نهاية ربطة عنقه .. يرفعها كالمشنوق .. يخرج لسانه .. يفكها في عصبية .. يرمقها وهي نائمة تغط في أحلام يدركها تماما .. هنا شهد قيده .. نأى بوجهه .. تنطلق كلمات السباب من لسان لم يتذوق طعم العسل بعد.]

وقد يعجز الإنسان أيضاً أمام قدره بالشقاء والعوز تسحق آماله أحذية الكبار لتجعله ناظراً لأسفل لايرى إلا الأحذية، عاجزاً حتى عن الحلم بالخلاص من فقره كما في قصة "حذاء علاء الدين" [في الصباح .. وككل صباح تفعم رائحة الإسفلت أنفاسك .. فرشاة تلميع الأحذية في يدك اليمنى .. تطرق بها على صندوق الصبغات الأسود والبنى وألوان أخرى .. يعصف الحر بكيانك .. يرتشح جسدك الضئيل بعرق أسود كصبغة الأحذية .. تئن عظامك على الكرسى الخشبي الضئيل الذي يقاسمك الهم والعرق يوماً تلو الآخر .. كم بقيت على هذا النحو .. لا تدري فقط عندما احتضنت عيناك نتيجة آخر العام .. فرحة لم تدم طويلاً تحركات وحركات انتهت بالجلوس على الكرسي المؤلم في انتظار الحذاء التالي.]

ونتيجة لذلك قد يدفع الإنسان حياته حينما يعجز عن مجابهة الأقدار كما في قصة "الحافظة" [حينما أيقظته أمه في الصباح لم تجده في غرفته .. فقط أوراق وبطاقات وصور منثورة على الأرض .. حافظة ملقاة على السرير .. تأملت الحافظة .. يقوم كهنة آمون بتحنيط جثته وعلى وجهه ترتسم ابتسامة خلاص.]

4. وتبعاً لخط العجز الممتد في المجموعة، مخترقاً موضوعاتها المتشعبة، نراه مرة أخرى – أى الإنسان العاجز حتى عن التعبير والبوح، فمأساوية الواقع كانت سبباً مباشراً في عجز الفنان عن التعبير وعجز الخيال عن الإنطلاق والتحليق، كما في قصة "الرسام":

[بعد نجاح معرضه الأخير وعبارات المجاملة المنهالة عليه من كل صوب .. بحث عن رؤى جديدة لشهور لم يجد .. لعدة ساعات كان يجلس أمام لوحته الخاوية من الشر والحقد .. فرشاته في يده نضبت منها الروح وألوانه تكاد تتجمد .. أفكاره أرغفة خبز مطعمة بحبيبات السمسم تعاني هجر النضج في فرن رأسه ذي النيران الخافتة رغم قيظ الطقس وعنفوانه.]

• ثانياً: الزمن:

تأتي قضية الزمن كإحدى أهم القضايا التي يغفل عنها الإنسان مع فعله في حياتنا اليومية، وفي طرحه الزمن فإنه يلح على قضية تنبيهية إشارية تؤكد على فقدانه، حينما تتسرب لحظاته وساعاته من بين أيدينا ونحن في غفلة عنه، فالوقت – كما كرر ذلك في أكثر من موضع من قصصه – "صنبور غير محكم الغلق" تنفرط قطراته دون توقف أو استثمار الإنسان هذا الزمن الذي هو حياته ووجوده كما في قصة "حكايا المرآة"، وقد يكتشف الإنسان ذاته والحقيقة متأخراً بعدما طرح عقله واستسلم كالأعمى للخرافة والمجهول كما في قصة "الزيارة الرابعة للبيروتي"، وقد يكتشف الإنسان القيمة الحقيقية بعد فوات الأوان ويكرس ذلك قوله في آخر قصة "أحزان القناع" [شعر الجميع بقيمته بعد زواله.]

ثالثـاً :

وعلى أطناب المجموعة حاول المؤلف أن لا يقف داخل الإنسان معبراً عن أحلامه وخيالاته فحسب، بل دلف إلى موضوعات حياتية اجتماعية يشارك فيها الإنسان همه العام اليومي، فرفع راية التنبيه والإنذار من خلال قصة "احمرار إشارة" للتنبية على قضية أطفال الشوارع، وتنقلنا قصة "جوع" إلى حالة من التردي والفقر يأكل الإنسان فيها لحم أخيه وقصر الزمرد حيث تقيم فيه السلطة الجائرة لا يرد حقاً لهذا الشعب الجائع، كما عالجت قصة "حذاء علاء الدين" نمطاً آخر من أنماط الجوع والفاقة.

كما حاول أن يمس الهم الوطني العام وقضية الخيانة العربية العربية للمحتل الأميركي كما تشير إلى ذلك قصة "ما بعد الألف".

أما القالب الفني الذي صب فيه هذه المضامين، فلقد حاول السارد بنجاح معالجة هذه الموضوعات وغيرها محققاً الدينامية والحيوية وكذا إتمام الصنعة الفنية لمعمار القصة وبنيتها من خلال العناصر الآتية:

‌أ) التركيب الأسلوبي المؤسس على جمل تنوعت ما بين الفعلية المضارعة والأسمية المتكئة على المسند والمسند إليه دون فضلات لغوية تحد من تدفق السرد وسرعته.

‌ب) كسر التلازمات المنطقية بين الدوال والمدلولات أحالت السرد إلى جمل شعرية تنحو نحو المجاز والاستعارة.

‌ج) استخدام الرمز الإشاري في موضوعاته وصوره بكثرة موظفة توظيفاً فنياً، ولعل رمز السيف المشرع والمدينة التي تتأهب للفتح من أجمل هذه الرموز كما في قصة "صفحة جديدة" وهي بالجملة رموز شفيفة غير مستغلقة مبهمة.

‌د) الإفادة من الموروث الديني كقصة نوح وسفينة النجاة من الطوفان كما في قصة "الناجية"، وكذا التراث الأسطوري العالمي كما في قصة "مراسم قبض الروح"، والتراث الشعبي الأسطوري كما في قصة "ما بعد الألف"، والتراث الفرعوني المصري القديم كما في قصتي "أحزان القناع، والحافظة".

هـ) كما حاول تجريب الواقعي في خلطه مع السحر والحلم كما في قصة "جوع" و"الناجية".

هكذا قدم "إسلام علي حسن" مجموعة قصصية لها مذاقها الخاص لغةً وأسلوباً، وهي مجموعة تبشر بثبات قدم صاحبها في الحكي والسرد خاصةً إذا علمنا أنها تعد باكورة أعماله المنشورة التي تعد بمزيد من المتعة الفنية والتجربة الإنسانية.