احكام القانون الدولي لمواجهة ضم الحرم الابراهيمي

بقلم: د. خليل حسين

تعرضت الاماكن الدينية والتراثية في الاراضي الفلسطينية المحتلة الى شتى صنوف الانتهاكات والاعتداءات من هدم وضم وتغيير معالم وغيرها من الأشكال المخالفة لقواعد القانون الدولي العام. ويأتي اعلان اسرائيل ضم الحرم الابراهيمي، ليشكل تحديا جديدا للعرب والمسلمين، بخاصة ان الاعتداء على الحرم لم يكن الأول من نوعة بل تسبّب في السابق ما سميَّ بالانتفاضة الثانية بعد المجزرة التي ارتكبت فيه من قبل متطرف يهودي.
لقد نظمت المواثيق والاتفاقيات الدولية وضع الاماكن الدينية والتراثية والثقافية ابان الحروب والاحتلال على حد سواء. وأكدت بمجملها على عدم التعرّض لها، بل اوجبت تقديم الحماية في بعض الجوانب. فقد نصت المادة (27) من اتفاقية لاهاي لعام 1907 أنه في حال الحصار والضرب بالقنابل ينبغي اتخاذ كل ما يمكن اتخاذه من الوسائل لعدم المساس بالمباني المعدّة للعبادة، والفنون، والعلوم، وللأعمال الخيرية، والاثار التاريخية، بشرط الا تكون مستعملة في الوقت ذاته لأغراض عسكرية، كما تضمّنت المواد الخاصة بالضرب بالقنابل عن طريق القوات البحرية، نصوصاً تتعلق بأماكن العبادة بصفة عامة؛ فأكدت المادة (5) منها على أنه يجب على القائد عند الضرب بالقنابل بواساطة قوات بحرية أن يتخذ كل الإجراءات اللازمة لابعاد المنشآت المخصصة للعبادة عن العمليات العسكرية.
وبالنظر الى التباعد والتباين بين النظرية والواقع بين اتقافية لاهاي لعام 1907 والواقع الذي تم التعامل به مع تلك المنشآت وقت الحروب وفي ظل الاحتلال، أعيد النظر في نصوص الاتفاقية عبر اتفاقية جنيف لعام 1949 والملحقين الاضافيين لها، اذ تم توضيح المقصود بأماكن العبادة والت ي اعتبرت بأنها تمثل تراثاً ثقافيا أو روحياً للشعوب، فنصت المادة (53) من الملحق الاضافي الأول على حظر ارتكاب اي من الاعمال العدائية الموجهة ضد الاثار التاريخية أو الاعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب. كما أورد البروتوكول الثاني الخاص بالنزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي في المادة (14) ما نصه "يحظر ارتكاب أية أعمال عدائية موجهة ضد الاثار التاريخية، أو الاعمال الفنية، أو أماكن العبادة التي تشكّل التراث الثقافي والروحي للشعوب واستخدامها في دعم المجهود الحربي".
كما نصت المادة (56) من لائحة الحرب البرية لاتفاقية لاهاي لعام 1907 على ان املاك المجالس البلدية واملاك المنشآت المخصصة للعبادة والتعليم والفنون لها حمايتها ولو كانت مملوكة لدولة الخصم، فهي تأخذ حكم الملكية الخاصة، وحرّمت عمليات التخريب المتعمد لها، كما اوجبت المحاكمة عن هذه الجرائم. كما وردت باتفاقية جنيف في شأن حماية الأشخاص المدنيين لعام 1949 في القسم الخاص بالاحتلال الحربي كالمادة (53) التي حظرت على دولة الاحتلال أن تدمر أية متعلقات ثابتة أو منقولة خاصة بالافراد أو الجماعات أو للحكومة أو غيرها من السلطات العامة أو لمنظمات اجتماعية أو تعاونية إلا اذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً ضرورة هذا التخريب.
واذا كانت اتفاقية جنيف قد أجازت استخدام القوة ضد أماكن العبادة في حالة الضرورة فإن اتفاقية لاهاي لعام 1954 في شأن حماية الممتلكات الثقافية، قد وردت نصوصها على نحو مماثل، حيث حظرت بصفة خاصة في المادة الرابعة المساس بحرمة هذه الممتلكات والتي نصت على ان: "تتعهد الأطراف السامية باحترام الممتلكات الثقافية سواءً في أراضيها أو في أراضي الاطراف السامية المتعاقدة الاخرى، وتطالب بالامتناع عن استعمال هذه الممتلكات أو الوسائل المخصصة لحمايتها، أو الاماكن المجاورة لها مباشرة لاغراض قد تعرضها للتدمير أو التلف"، إلا انها اجازت ضرب هذه الاماكن في حالة الضرورة وأن اي ضرر يصيب الممتلكات الثقافية لشعب من الشعوب يصيب التراث الثقافي للبشرية جمعاء. ويرجع الفضل لمنظمة اليونسكو في صياغة هذذه الاتفافية في لاهاي عام 1954 ومضمونها الرئيس حماية الممتلكات الثقافية.
وقد اعتبرت محكمة نورمبرغ أن تعرّض سلطات الاحتلال لأماكن العبادة يشكّل جريمة دولية، إذ اعتبر مساعد المدعي العام الفرنسي أمام المحكمة بأن بعض المتهمين ارتكبوا جرائم دولية، حيث قاموا باغلاق أديرة، وسلب أموال الكنائس والمعابد، وانتهاك حرمتها كما ادانت المحكمة قادة الجيش الألماني في روسيا لقيامهم بتدمير أماكن العبادة والكنائس في بعض المدن الروسية المحتلة، ولذلك استقر الفقة الدولي على ادانة انتهاك حرمة دور العبادة او التعرّض لها بالتدمير او السلب او النهب او الاغلاق او اي تصرف يضر بهذه الاماكن خلال فترة الاحتلال، وإن من واجب سلطات الاحتلال احترام الحقوق العقائدية الدينية للمدنيين من سكان الاراضي المحتلة، وكذلك عدم التعرّض لاماكن العبادة بالتدمير او السلب أو النهب او تعطيل ممارسة الشعائر وطقوس العبادة.
لقدد اعتبرت اللجنة التي شكلها مؤتمر السلام في 25 كانون الثاني 1919 ان الأفعال والانتهاكات ضد الاثار التاريخية والمنشآت الدينية او الخيرية من قبيل الجرائم الدولية، كما ان المادة السادسة من محكمة نورمبرغ عدّدت القضايا التي تفصل فيها وهي، الجرائم ضد السلام وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفي 21 تشرين الثاني عام 1947 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 177 اكدت فيه تبنيها للمبادىء التي أقرتها محاكمات نورمبرغ وأهمها المسؤولية الشخصية للفرد عن ارتكاب الجريمة الدولية ومسؤولية رئيس الدولة عن الجريمة الدولية فضلاً عن إقرار الطوائف الثلاث المختلفة للجرائم الدولية وهي المسائل التي يمكن توجيهها لاسرائيل ايضا عبر المحكمة الجنائية الدولية.
كما توّجت لجنة القانون الدولي البصمات والمحاولات الفقهية وموقف دول العالم الثالث في اطار وضعها لمشروع قانون المسؤولية الدولية، إذ أكدت في المادة 19/2 من المشروع أن الجريمة الدولية، هي كل واقعة غير مشروعة ترتكبها دولة ما بالمخالفة لالتزاماتها الأساسية المنصبة على حماية المصالح الحيوية للمجتمع الدولي والذي يعد انتهاكها وجريمة في نظر المجتمع الدولي، كما اوضحت المادة 19/3 من المشروع صوراً لبعض التصرّفات التي تمثل السلوك غير المشروع المكوِّن للجريمة الدولية.
وفي مقاربة بسيطة لتلك المواد توضح ان الفعل الاسرائيلي بضم الحرم الابراهيمي، فعل انتهاك للأماكن الدينية المقدسةن ويندرج في اطار الجريمة المنصوص عليها في المادة 19/2، حيث اعتبرت أن الفعل المكوِّن للجريمة الدولية هو نتاج انتهاك الدولة لالتزام يحمي ويصون مصالح الجماعة الدولية، كما يندرج ضمن الأوصاف المنصوص عليها في المادة 193 والتي نصت على أن من بين الجرائم الدولية تلك الأعمال التي تشكِّل انتهاكاً خطيراً لالتزام الدول للحفاظ على السلم والأمن الدوليين،سواءً أكانت الجهة التي يُناط بها فعل الجريمة، للدولة كشخص معنوي عام، أم الى الشخص الطبيعي، كما حدث في محاكمات نورمبرغ وطوكيو.
ثمة بعض الخيارات التي يمكن اللجوء اليها،ومن بينها اللجوء الى رفع الدعوى ضد اسرائيل امام محكمة العدل الدولية،وهي بطبيعة الأمر غير مجدية لأن المحكمة لا تمتلك الولاية الجبرية على الدول بحكم المادة (36) من نظامها الأساسي، او اللجوء الى مجلس الامن وهو كذلك بحكم المعطل بفعل امكانية الفيتو الاميريكي،اما الخيار الآخر فهو امكانية اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية بفعل ما يمكن نسبه الى اسرائيل عبر القرار المتعلق بالضم والذي يمكن ان يصنف في اطار الافعال التي تنتهك الاطار العام للقانون الدولي الانسناني عبر قرارات قياداتها السياسية والعسكرية وهم بفعل نظام المحكمة الجنائية الدولية غير مشمولين بأي حصانة سياسية او دبلوماسية.
ومن المسائل التي يتوجب على العرب والمسلمين القيام بها،الحراك الفاعل في اتجاه المجتمع الدولي لابرام معاهدات متعدِّدة الطرف، تلزم وجوب حماية الاماكن المقدسة في فلسطين المحتلة وتحريم المساس او التعرّض لها بالضم او غيره من الأفعال. كما ينبغي عرض هذه الانتهاكات في المنظمات الدولية والتذكير بأن الأراضي المحتلة هي بحماية المجتمع الدولي وأنها من اهتمامات منظمة الأمم المتحدة ومختلف اجهزتها لا سيما مجلس حقوق الانسان.
من المعلوم ان القانون ينشئ الحق، لكن استرداده يستلزم القوة والارادة فأين نحن العرب والمسلمين هذه الايام من ارضنا ومقدساتنا،لا زالت مجتمعاتنا غارقة في التفاصيل المملة لبعض المسائل الطائفية والمذهبية في وقت اكملت اسرائيل ضم الارض والمقدسات بما فيها وما عليها. د. خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية www.drkhalilhussein.blogspot.com