احتواء التمرد

ثمة ما يمكن قوله وبتأكيد أكبر كلما حاولنا الولوج الى عالم الشباب اليوم في عالمنا العربي المتصدع والمفكك حتى التشظي بفعل ارهاصات الماضي، وانغلاق الافاق، ووصول النظام السياسي العربي الى "أرذل عمره" بعد أن هدمت الميديا كل اسواره الحقيقية والزائفة التي كانت ترتفع بوجه كل طموح بالتغيير او فكرة للخلاص قد تخطر على بال عاطل عن العمل في شارع قذر في مدينة منسية في بلد عربي لا يحضر اسمه الا في المصائب والمتاعب والقمع والفقر والتخلف.

هكذا ورثنا نحن اجيال ما بعد النكبات العربية ارثا ثقيلا من الانحطاط والقهر والعزلة عن العالم، وكذلك انظمة فاشية قامعة، لا ترعوي عن توظيفنا كدمى في لعبتها الدائمة بجر الحبل بينها وبين جيرانها تارة وبينها وبين دول العالم المتقدم تارة اخرى، وبينها وبين نفسها في احيان كثيرة.

أنظمة "موت" رسخت مع انتهاء حقب الاحتلالات الطويلة والاستعمارات المتتالية لهذه الأرض، دون ان تدرك ان للشعوب هنا حقاً في العيش والمشاركة وشيء من الحرية والكرامة.

كل نظام عربي قائم كان يظن أن له فضل في بقاء الشعوب حية تتنفس، وتنام وتتكاثر كالفئران، فقط. فلولا صدام لما بقي العراق، ولو القذافي ما تحولت ليبيا الى جماهيرية عظمى! ولولا... لما بقي حجر على حجر.

كل الشعوب التي سبقتنا في الحرية وبناء انظمة حرة تحترم الانسان وتقدس وجوده وتتعامل مع المجتمع كأفراد لا ككتل متراصة تزحف! متى ما شاء الحاكم، او تعود الى الجحور متى أمر، اقول ان هذه الشعوب خاضت تجربة قاسية ومريرة في سبيل حريتها والتخلص من عبوديتها الى الأبد.

ولعل أول ما قامت به هو التمرد. نعم، تمردت الشعوب على كل ما يذكرها بالأنظمة القديمة والرجعية والتسلطية، تمردت لتغادر كل ما يتعلق بثقافة الاستبداد او ما يروج للاستلاب.

ولذا فأن التمرد هو النافذة التي لا بد لنا جميعاً ان نلج منها لنحرق بعدها كل البيت القديم، ونشيد بدلهُ كوخ الحرية الذي سيتحول الى منارة شرط أن نؤمن بحرية الابداع والفكر، وشرط ان نسمح لانفسنا باستخدام عقولنا، ونخرج من "خدج" القصور الذي وصمنا به منذُ قرون.

ولعل الثورات الشبابية التي انطلقت في العامين السابقين كانت ومضات امل ولحظات مشرقة من التمرد، لولا التحالف الرجعي المتخلف الذي وجد أن هذا سيهدده، وان الخروج من النافذة، سيعني انتهاء صلاحية الانظمة المستبدة وكل ما يتعلق بها للابد من انظمة ملحقة. فبادر سريعاً الى لملمة شتاته والتصدي الى هذه الحركات الشبابية المتمردة من خلال إلباس الثورات العربية ثوباً طائفياً بغيضاً واللعب بالشارع العربي من خلال شحنه دينياً واثنياً، وتفجير الصراعات التاريخية التي حرفت الثورات عن مسارها وحولتها الى خريف طائفي بامتياز.

هكذا حاولت الدوائر والممالك النفطية ونجحت في ابعاد نسائم الربيع العربي عنها واحالتها الى رياح صرصر دمرت شعوباً اخرى في المنطقة ولا زالت تحرق ما تبقى من لحمة اجتماعية وفككت نسيجا اجتماعيا لأخرى.