احتلال العراق: المشكلة في 'المهمة' والرحيل هو الحل!

قبل أن يدلي الجنرال ريتشارد دانات بتصريحاته الشهيرة عن سقوط أهداف احتلال العراق وعن ضرورة سحب القوات البريطانية من هذا البلد كان الجنرال جون أبي زيد قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط قد أكد على مضمون أقوال دانات ولكن في لقاء مغلق مع مسؤولين في الكونغرس بحسب صحيفة "لو كانار انشينه" الفرنسية الواسعة الاطلاع والمعروفة بدقة أخبارها إذ قال "... إن معنويات قواتنا في العراق هابطة. إن أية دولة مجربة ومعروفة لم تتمكن من السيطرة على الشرق الأوسط. سرعان ما نكتشف على أرض الواقع في هذه المنطقة بان الشرق الأوسط هو الذي يسيطر علينا" وتعلق الصحيفة "..هذه طريقة للقول أن إرسال جنودنا إلى العراق كان فكرة غبية".
تذهب مشاعر الرأي العام في بريطانيا والولايات المتحدة في الاتجاه الذي يتحدث عنه دانات وأبا زيد. ففي لندن يرتسم شبه إجماع على أن يختفي توني بلير عن المسرح السياسي اليوم قبل الغد بل صار الاستفتاء حول البقاء أو الرحيل عن العراق بلا جدوى فالرأي العام البريطاني بغالبيته الساحقة ما انفك يرفض الحرب ويطالب بانسحاب الجنود البريطانيين من هذا البلد وما عاد بوسع بلير أن يعتمد حتى على قادة قواته للدفاع عن الحرب ونتائجها ومجرياتها.
في الولايات المتحدة يرتسم تبدل كبير في مواقف الرأي العام الأميركي من بين مؤشراته أن ثلث الأميركيين صاروا يطالبون بسحب جنودهم من العراق في استفتاء نشرته قبل يومين مجلة "نيوزويك" وتشير وسائل الإعلام الأميركية إلى احتمال قوي بأن تؤدي نتائج الحرب الفاشلة إلى خسارة الجمهوريين مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات نوفمبر النصفية المقبلة. ولعل من الصعب تفسير انحسار أصوات عرابي الحرب دونالد رامسفيلد وديك تشيني وصحبهم بغير الإخفاق العراقي.
أما حديث الرئيس جورج بوش عن جواز مقارنة ما يدور في العراق بالأوضاع التي كانت سائدة في فيتنام في العام 1968 فانه يلخص ولو في زمن متأخر مصير الحملة الأميركية على بلاد الرافدين لكن بوش لا يستخلص الدروس الصحيحة من هذه المقارنة ذلك أن الاعتراف بالوجه الفيتنامي للحرب العراقية يستدعي سياسة وقائية وخطوات استباقية لإنقاذ ماء الوجه من صورة تاريخية أخرى لجنود أميركيين يتسابقون على احتلال مقاعد قليلة في آخر مروحية تقلع على عجل من سطح القنصلية الأميركية في سايغون.
المدهش أن الرئيس الأميركي ما زال يصر على إكمال "المهمة" في العراق أو على "الانتصار في الحرب الإرهاب" ومثله يفعل توني بلير فيما يشبه العجز الشعري الشهير"أنا البليل فما خوفي من الغرق".
إن العودة بالذاكرة إلى التصفيق العاصف لخطاب رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي في الكونغرس الأميركي قبل أسابيع معدودة تكشف عن إصرار خرافي على "المهمة" وصل إلى حدود هزلية ذلك أن "البطل العراقي" الموصوف أمام ممثلي الأمة الأميركية يتعرض بعد شهرين فقط للتهديد بـ "عقوبات" أميركية ما لم يعمد إلى حل الميلشيات والسيطرة على بغداد بل تهدد أوساط الرئيس بوش باستبداله غير عابئة بـ "صفة" الخفة التي يمكن أن تطلق على مهرجان استقباله المجلجل من طرف أقوى واهم برلمان على وجه الأرض.
من سوء حظ بوش أنه ما عاد في العراق كأس نصفه فارغ والنصف الآخر ملآن يتيح لمن يرغب النظر فيه إلى النصف الذي يعجبه بل ربما لم يعد هناك كأس البتة وبالتالي صار حظ هذه الإدارة الأميركية في العراق كحظ "جدتها" في فيتنام والسبب بالضبط هو الإصرار على "إكمال المهمة" في البلدين.
في العراق المحتل لم يعد ثمة "مهمة" تستدعي المتابعة والإنجاز بل يمكن القول دون تردد أن المشكلة العراقية تكمن بالضبط في الـ"مهمة" الأميركية المزعومة والحل يكمن في رحيل المحتل الذي صار منذ زمن طويل أسير احتلاله ولا يقول الجنرال جون أبي زيد شيئا آخر عندما يؤكد أن الشرق الأوسط عصي على السيطرة عبر التاريخ وانه يسيطر على المحتل بدل من أن يسيطر المحتل عليه.
إن القراءة الميدانية لاستنتاج القائد الأميركي تفيد أن المجموعات العراقية المستفيدة من الاحتلال تتولى تنفيذ ألـ"مهمة" عبر الإطاحة بمصالح عراقية متراكمة على امتداد عقود طويلة في دولة جرى تهديمها بخفة ما بعدها خفة ما أدى إلى اتساع حجم الضرر ليطال الأكثرية الساحقة من العراقيين وعن هذه الأكثرية تصدر أعمال التمرد والمقاومة وبات تحقيق مصالح هذه الأكثرية مشروطا برحيل المحتل وخلع المتعاونين معه. هكذا سيطر المتعاونون مع الاحتلال على الاحتلال كما يرى أبا زيد محقا وهكذا صار المحتل أسير احتلاله وصار مجبرا على الخروج من العراق خالي الوفاض بل فاقدا لقدرته الردعية التي نرى محدوديتها بأم العين في أكثر من بؤرة مشتعلة في العالم.
عندما يقول بوش أن العراق صار فيتنام الشرق الأوسط فانه يصادق على طروحات المقاومة العراقية التي وعدت المحتل بمصير فيتنامي ما يعني أن على إدارة الرئيس الأميركي أن تنسى "المهمة" وتبحث عن وسيلة للانسحاب من هذا البلد اليوم قبل الغد. فيصل جلول