اتفاق أوسلو، هل مات، ام لا يزال حيا؟

بقلم : نضال حمد

إثناء زيارته الأخيرة لأوسلو أي قبل أيام قليلة, وقف شيمون بيريز وزير خارجية حكومة شارون أمام مراسلي الصحافة ليعلن بأن اتفاق أوسلو لم يمت.
وعندما سأله أحدهم عن- سر اكتشافه هذا- وما الذي يدعوه للاعتقاد والقول بأن اتفاق أوسلو مازال حيا,رد بيريز قائلا : لأنه لن يكون هناك سلام ما دمنا لم نتوصل لتفاهم حول السلام مع الفلسطينيين. كما أضاف بيريز,بأن خطة الرئيس جورج بوش جاءت كامتداد لاتفاقية أوسلو. متناسيا أن السلام لا يأتي بالإكراه ومن خلال فرضه بالقوة, كما أنه لن يأتي مع شارون ومعه هو نفسه ولا مع المستوطنين والجنود المدججين بالسلاح والذين ينشرون الرعب والهلع بين النساء والأطفال في فلسطين.
السلام يأتي عبر نهاية الاحتلال وإزالة المستوطنات والاعتراف بالحقوق الفلسطينية المشروعة التي نصت عليها قرارات الأمم المتحدة التي تنص على إقامة دولة فلسطينية وعودة اللاجئين وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
بيريز الذي جاء إلى النرويج في الذكرى التاسعة لاتفاقية أوسلو التي بدئت سرا في إحدى المزارع الجميلة في مدينة ساربسبورغ النائية قرب الحدود مع السويد لم يخفي غضبه وامتعاضه من المواقف الحزبية والشعبية والنقابية النرويجية التي أكدت طيلة فترة الانتفاضة المجيدة ولازالت تؤكد تضامنها مع الشعب الفلسطيني وأدانتها للأعمال القمعية والغير إنسانية والدموية التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين الفلسطينيين.
هذا بالإضافة لحملة مقاطعة الكيان الإسرائيلي والتي قادتها ولازالت تقودها الLOأي جمعية النقابات النرويجية والتي تضم حوالي مليون عضو.
وقد أثرت تلك الحملة بشكل ملموس على التبادل التجاري والسياحي بين الكيان والنرويج.

وأصبح شيئا عاديا أن تجد أثناء تسوقك في المحلات التجارية من يسأل البائع عن مصدر السلعة وإذا كانت بضاعة إسرائيلية أم لا,كما أن بعض المحلات أخذت تكتب اسم المصدر حتى يتسنى للزبائن معرفته قبل الشراء.
وبإمكان المرء أن يلمح ويرى في بعض الأمكنة وعلى بعض أعمدة الهاتف والكهرباء والجدران المختلفة وكذلك اللوحات الإعلانية,الكثير من الملصقات والشعارات التي تنادي بمقاطعة إسرائيل.
أن بيريز السياسي والدبلوماسي الماكر يعرف أن حملة التضامن مع فلسطين في النرويج تعني تراجعا كبيرا في حجم الجانب المؤيد لإسرائيل والذي كان يدعم كيانه البغيض و يبني تعاطفه مع إسرائيل واليهود بشكل عام على أساس انهم ضحايا الكره والعنصرية والنازية.
أما الآن فالعكس هو الصحيح, الإسرائيليون يقتلون ويروعون الفلسطينيين في بيوتهم ودورهم وأرضهم وينفذون سياسات عنصرية وأستئصالية وفاشية عدائية.
انهم يمارسون العنف والإرهاب والقتل والمذابح والترويع والترهيب والترغيب، ويستخدمون الفلسطينيين دروعا بشرية ولا يرف لهم جفن أو رمش على مقتل الأطفال والأبرياء الفلسطينيين كما حدث في أماكن كثيرة ومختلفة من الوطن الفلسطيني المحتل.
كما أن بيريز مقتنع بأن عجلة المواقف من كيانه المصطنع المتسلح بالسلاح النووي , هذا الذي أشرف هو نفسه على برنامجه وكان أباه الروحي. لن تعود إلى الوراء ولن تتبدل النظرة النرويجية وبالأخص الشعبية والنقابية منها بسبب إيغال قادة إسرائيل وجيشها الهمجي في عالم الأجرام والجريمة والذبح والمذابح وخرق حقوق الإنسان وعدم احترام الشرعية الدولية والقوانين الإنسانية والإلهية.
أصبح سجل إسرائيل الهمجي والشيطاني مليء بالتواريخ التي توبخ وجه هذه الدولة المارقة وقادتها من المجرمين ومرتكبي المذابح الفردية والجماعية, والذين أعطوا القرارات أو حتى قاموا بأنفسهم بعمليات تصفية واغتيالات وقرصنة واختطاف وتفجير وتهجير وتدمير أضرت بالآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني خاصة وبعض العرب عامة.
ولازالت ماثلة في الذهن عملية تصفية الجنود المصريين الأسرى على يدي بن اليعازر وشارون وغيرهما. كذلك مذبحة قانا التي يعتبر بيريز بطلها بلا منازعة.
هذه الجرائم هي خير دليل على ضرورة وأحقية العرب والفلسطينيين والمجتمع والقانون الدوليين في استدعاء إرهابيي إسرائيل للمثول أمام المحاكم الدولية المختصة ليتسنى للقانون الدولي أن يأخذ مجراه وان لا يقتصر الأمر في هكذا قضايا على الذين هم من غير اليهود والأمريكان.
هذه الممارسات كلها تعتبر من العوامل التي أثرت كثيرا في تغيير الرأي العام في النرويج، كما أن فشل اتفاقيات أوسلو وما تلاها من مشتقات على الرغم من ظلمها وعدم أنصافها للجانب الفلسطيني, الضعيف من جهة والذي افتقر طاقمه التفاوضي للدراية والخبرة من جهة ثانية.إسرائيل رفضت كما نعلم جميعا الالتزام حتى بهذه الاتفاقيات الظالمة والتي تعطيها الكثير من المكتسبات على حساب شعب فلسطين وحقوقه الشرعية.
كما أن عدسات الكاميرات والصحافة الحرة والمستقلة أبرزت بشكل جيد بطش وعنف وهمجية ولا إنسانية الجنود الإسرائيليين وقيادتهم السياسية والروحية في التعامل مع الشعب الفلسطيني الذي يقبع تحت الاحتلال الإسرائيلي. وهذا الاحتلال لم يتوانى عن خنق البشر وسجنهم وحبسهم وحصارهم في دورهم ومنازلهم كما الدواجن في أقفاصها.
كما انه لم يراعي الحالات الإنسانية والقوانين الدولية واعتبر الاحتلال نفسه المرجعية الوحيدة. وسن شروطه للتغيير وهي الشروط التعجيزية التي تطلب من الجانب الفلسطيني أن يوافق على التسليم بالأمر الواقع الذي تريد إسرائيل فرضه بالدبابات بعدما فشلت لغة الترغيب والترهيب التي استعملتها مع السلطة الفلسطينية على موائد المفاوضات.
نقول لبيريز أن أوسلو ولد ميت ورائحته النتنة ملئت العالم, ونضيف أن الانتفاضة هي مقبرة أوسلو كما هي مقبرة بيريز السياسية وخاتمة حياته المليئة بالمحطات الإرهابية السوداء هذه التي أصر بيريز على التمسك بها وحفظها حتى يومنا هذا.
أما أن يقول بيريز بأن اتفاقية أوسلو لم تمت فهذا يدعو للتوقف والتأكد من سلامة عقل الرجل وأن كان لازال عقله معه أو أنه موجود عند سيده شارون.