اتجاهات الـ 'ما بعد' وعلاقتها بالتجريب في المسرح المعاصر

لماذا لم نر يوما نصبا يقام لناقد على مر العصور؟

"سيكون هناك مسارح بديلة بعدد الشعر الذي في رأسي". هكذا افترض الباحث التشيلي اندريث جونثاليت وهو يجتهد في بحثه عن مسرح بديل أو مولد مسرح آخر جديد, فتوصل مباشرة الى نتيجة مفادها تكمن في ان مصير المسرح البديل هو استمرارية كونه بديلا, فالمسرح البديل بحسب جونثاليت يعني "الطاقة الكهربائية: متغير ومستمر, يشعل ويضاء ويطفأ".

كما نجتهد كثيرا في بحثنا المسرحي عن الجديد والوافد والمعاصر شكلا ومضمونا لدرجة التغاضي والتجاهل احيانا كثيرة عن مرجعية او مفهوم هذا الجديد الذي تحول اليوم الى (موضة) نقدية مسرحية, فراح خطابنا المسرحي المعاصر لاهثا وراء الموضة متغافلا ومتجاهلا الاصل والمفهوم المصطلحي والمنهجي الذي ينبغي الاستناد اليه وفق الدراية والخبرة المعرفية الموسوعية التي ينبغي ان يتحلى بها الناقد والباحث المسرحي.

ان البديل الذي يعتمد الاستمرارية كما قدمنا, يرتبط مباشرة بمفهوم التجريب المسرحي والتجريبية التي انطلقت عام 1896 مع اول عرض لمسرحية الفريد جاري "اوبو ملكا" لانها عدت كسرا واضحا عن كل ما هو سائد ومألوف في المسرح حينها, وبحسب صبري حافظ فإن التجريبية تتحدد في المسرح "بفكرة التمرد على المؤسسة المسرحية السائدة والسيطرة على واقع المسرح في واقع ثقافي ما, وبالنزوع الى الخروج على التقاليد الفنية المألوفة والرغبة في ارتياد لآفاق بكر واستكشاف عوالم مجهولة وبالتوق الى ضخ دماء جديدة, ورؤى جديدة في عروق الحركة المسرحية كلما عراها الشحوب او سيطر عليها الروح التجارية".

ويؤكد حافظ على عدم خضوع التجريب لمفهومات محددة لأن التجريب المسرحي ينفي التحديد وينفتح على اللانهائي لانه في النهاية يبدأ من رؤى وتوجهات فردانية.

اننا اذا اتفقنا اصطلاحيا واكاديميا على وضع تعريف جامع مانع للتجريب, ذلك يعني نهاية التجريب وموت المسرح وابتكاراته الخلاقة.

ويبدي عبدالفتاح قلعجي نصيحته بالقول: "اذا كنت مخلصا للتجريب في المسرح فعليك ان تؤمن أنه ليس هنالك مسرح تجريبي لانه في الوقت الذي تنظم فيه هذا المسرح قواعد وشروط وانظمة فانه لا يعود تجريبيا".

في السنوات الاخيرة من عمر الثقافة المسرحية العربية على صعيدي خطاب النقد والعرض سادت "موضة" من المصطلحات التي ارتبطت بالمابعد او المابعديات المسرحية مثل (ما بعد الدراما, ما بعد الحداثة, ما بعد الكولونيالية) وغيرها من المابعديات التي جاورت الأنساق البنيوية والنقدية المحايثة للثقافة المسرحية, مثلما هي شاعت قبلا في حقول الفلسفة والفن والادب بشكل أبرز وأرصن معرفيا واكاديميا فضلا عن مصنفاتها وخواص كل مصنف مفرز بشكل خاص لا لبس فيه ولا ربكة. الا انها مع الخطاب المسرحي نجد فيها ارتباكا مفاهيميا متأرجحا ميالا الى ركب الموضة حسب, لا الى منهجة هذه (الما بعديات) وفرزها اصطلاحيا ونقديا, اذ هيمن على هذه الاتجاهات (الما بعدية) تداخلا واشتباكا وتشابها مفاهيميا فيما بينها أولا ومع (التجريب المسرحي) ثانيا, برغم محاولات الفرز وتبيان الخصائص المرتبطة لكل (ما بعد), الا انها في النهاية وجدناها تصب في مفهوم (التجريب المسرحي).

وما هذا الكم من المسميات المابعدية الا مسايرة للموضة الشائعة في الطروحات الاجنبية والمصطلحات الوافدة وعجالة التأثر بها استعراضيا حسب دون غور المعنى ومعنى المعنى فيها. ولقد بين سعد الله ونوس بقوله عن الجديد "في اوربا محاولة لانقاذ المسرح الذي يموت أو هو محاولة الخروج من الباب المسدود الذي يواجه الثقافة البرجوازية, اما بالنسبة لنا فإن التجريب يعني البحث عن مسرح او خلق مسرح أصيل وفاعل في المناخ الاجتماعي والسياسي الراهن."

دراسات مسرحية عديدة حاولت الخوض في تحليل خطاب العرض المسرحي العربي واضفاء ملامح هذه (الما بعد يات): ما بعد الحداثة ومابعد الدرامي ومابعد الكولونيالية, دون المرور حتى بالتجريب ومفهومه الواضح, بمعنى ان هذا الكم من الدراسات البحثية والنقدية المسرحية التي سايرت موضة المصطلح الوافد تجاهلت وأغفلت ان جميع الملامح التي اظهرتها والسمات التي من المفترض ترتبط حصرا بمسياتها الاصطلاحية, الا انها ظلت ملامح وسمات تجريبية قبل ان تكون ما بعد حداثية او ما بعد درامية او ما بعد كولونيالية.

لقد انغرزت ملامح وسمات هذه المابعديات وغيرها في مجال الفلسفة والنقدالادبي والشعر والرواية واللوحة التشكيلية والنصب النحتية والمعمارية والسينما والرقص بشكل واضح لا اختلاف عليه, الا انها مع خطاب المسرح - بزعمنا - اصبحت ظاهرة ملتبسة على الكثير من الباحثين والنقاد والاكاديمين المسرحيين.

مع شيوع مصطلح ما بعد الحداثة أظهر تيري ايغلتون كتابه "اوهام ما بعد الحداثة" الذي بين فيه "الروح اللعوب الشعبوية لما بعد الحداثة، وتقليدها الشكل السلعي للسوق، والمجتمع القائم على قصة الاعتماد المصرفي الملفقة وإطلاقها العنان لقوة المحلي ومجانسته كونياً في آن، كذلك إقلاقها ليقينات الأوتوقراطي، وارتيابها حيال القانون وإيمانها بالأسلوب واللذة، وعمرانها بالوصفات الأخلاقية الكونية، مقابل شجبها الكونية كأثر تنويري، ونكرانها إمكانية وصف العالم كما تفعل اللاواقعية الأبستمولوجية.

وبحسب بوجينا سافيسكا البولندية ان "مسرح ما بعد الحداثة" يرتبط "في معظم الأحوال بظواهر تظهر بعد سنوات الستينيات من القرن العشرين، ظواهر مثل "العبث" و”الوجدية" وغيرها، فضلاً عن تلك التي ترتبط بالظواهر والصيغ "اللا/مسرحية"، ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر: "الهابيننج" ، و"البيرفورمانس"، و"المسرح الراقص"... وهذه الاتجاهات نؤكد انها منضوية ومشتبكة مع التجريب المسرحي ايضا .

وكذا الحال مع "ما بعد الدراما او الدرامية" الذي حاول هانز تيز ليمان بيان خصائصه وسماته الاسلوبية منذ اواخر ستينيات القرن الماضي بأنه: "المسرح الذي لا يركز على الدراما نفسها لكنه يركز على تطور الجماليات الادائية التي تخلق علاقة خاصة بين النص الدرامي وموقف الاداء المادي وخشبة المسرح. واختفاء الحبكة فيه. واستجابته الى التقنيات الجديدة فضلا على تركيزه على التفاعل بين الممثلين والجمهور والى التحول التاريخي من الثقافة التي تستند الى النص الى عصر الميديا الجديدة من الصوت والصورة. وهذه الاخيرة من أهم سياقات ما بعد الدرامية".

فإذا ما تمعنا بكل سمة من هذه السمات نجدها منسجمة مع مفهوم التجريب المسرحي تماما. ولقد طرح مسرح ما بعد الكولونيالية قضايا سياسية عديدة ومهمة تتمثل بالسلطة والثقافة الشعبية ولهوية والتراث وتحديد العلاقات الاجتماعية بإسلوب مسرحي على مستوى النص والعرض, ينطبق مفهوم ما بعد الكولونيالية على الحالة التي نتجت مع الاستعمار وتراث أو آثار الاستعمار ذاته, سواء تلك النزعة نحو المزيد من التحرر المادي أو تلك الصورة القائمة للاضطهاد المتواصل في بعض الدول.

وعلى غرار الحركات النسوية تستهدف المابعد كولونيالية إعطاء الصوت للجماعة المضطهدة فعلى اثر ذلك جاءت تجربة المخرج البرازيلي اوغستو بوالوه التنظيرية والتطبيقية لمسرح (المقهورين) كنتاج لوعي ما بعد الكولونيالية, عمد للافادة من المنتج الفكري حول رسم ملامح جديدة لمسرح ثوري مسرح تجريبي يخرج عن معادلة الممثل والمتفرج كما يقدمها النموذج الغربي الذي يعمل برأي بوالوه على الحد من حافز التغيير الاجتماعي عن الممثل والجمهور على السواء فهو يطهرهم من رغبة التغيير وليس من المشاعر السلبية على حد ما أورده اثير السادة في معرض حديثه عن مسرح "اوغستو بوالوه", والاخير هو مخرج مسرحي تجريبي من الطراز الاول.

والحال نفسه مع مخرجين آخرين صنفهم الكثيرون - واهمون- في خانة المابعديات الثلاثة الا انهم مخرجون تجريبيون من الطراز الاول ايضا امثال: (ريشارد شيشنر, وريتشارد فورمان, وجوزيف شاينا, وبيتر سالارز, ولي ستراسبرج, وبيتر بروك, وروبرت ولسون, و ييجي ججيجوفسكي, وانجي فايدا, وكاجيمييج دايميك, وليشيك مونجيك, واناتولي ايفروس, وتشايكين, واريانا منوشكين, وهاينر موللر) وغيرهم من مجايليهم اليوم ومستقبلا.

ختاما, نصل الى ان المسارح البديلة التي ستظهر مستقبلا وهي بعدد شعرات رأس الباحث التشيلي اندريث جونثاليت كلها ستبقى مسارح تجريبية بلا منازع, ومهما حاولت الموجات والموضات المستقبلية ايجاد مسميات او ما بعديات جديدة ستظهر لنا. فما ان ظهرت "الافتراضية" حتى كتب فيليب ريجو كتابه "ما بعد الافتراضية استكشاف اجتماعي للثقافة المعلوماتية", وبدلا من ان يعنون كتابه بـ "ما بعد النقد" عنون رونان ماكدونالد كتابه الجديد بـ "موت الناقد" معلنا عن حفلة العشاء الاخير للنقد والنقاد الذين يزدروهم الجميع. والا لماذا لم نر يوما نصبا يقام لناقد على مر العصور؟