اتجاهات الإسلامِ السِّياسي في مِصر

بقلم: بليغ حمدي إسماعيل
واتجاه يريد تطبيق الجزية

ثمة ملامح محددة لكل فترة زمنية تمر على مصر، فتشكل هويتها وتستقرئ حاضرها الآني، هذه الملامح تتباين في المصدر والمنبع، أي باختصار شديد ترسم خارطة ذهنية للمشهد السياسي العام، وبالقطع هذه الملامح من دلالتها الجمعية توحي بتعدد وجهات النظر ولا تستقر على رؤية واحدة يمكن من خلالها محاولة استشراف الأيام اللاحقة.

ويبدو أن الصبغة الدينية هي القوة الأساسية الراهنة، التي تشكل فضاءنا السياسي، الذي يصر أن يظهر بصورة دينية تجمع بين السلطتين الشرعية الفقهية والحاكمية التنفيذية، المستقطبة أكبر عدد من المريدين، وتستلب عدداً آخر من المناهضين والمعارضين. وعلى الرغم من أن هذا العالم الافتراضي من أبرز سماته الحرية والانطلاق إلا أن ارتباطه التاريخي بمفاهيم الأصولية والتجذير الديني، وعدم الرغبة في المغامرة مع تيارات متحررة أيديولوجيا، جعله أكثر التزاماً بقيمه وتعاليمه الصارمة وعدم تجاوز تخوم التفكير والرأي المحددة سلفاً.

إن مشكلة الفضاء السياسي الراهن في أنه ما يزال يخضع آراءه القديمة لاختبار فكرة الحرية، وعلى الرغم من أنه يجاهد في اختبار آرائه، وأفكاره يستمر بغير كلل في مواجهة العوامل المطلقة للحريات التي تتمتع بها معظم التيارات المدنية المزاحمة للتيارات الدينية في فضائنا السياسي. وحالة المد والجزر تلك أسفرت عنها بزوغ جيوب واتجاهات صغيرة داخل التيارات الدينية السياسية، منها الاتجاه الذي يرفض فكرة إخضاع الطروحات الأيديولوجية لاختبار الحرية وفضلت الاندماج التام داخل فكرها وتصورها التاريخي القديم وهو الاتجاه المعروف سياسياً باسم السلفية.

كذلك ترى السلفية نفسها، وهي التي تحولت من طائفة دينية، لها مرتكزاتها الثابتة، إلى جبهة سياسية تمارس فعل السياسة على حذر وترقب، في معركة خاسرة أمام التيارات المدنية، ولا تجد فائدة حقيقية من صياغة الأيديولوجيات التي بالبديهية ترهق المواطن المسلم، نافية أيضاً كل ما يتعلق بمصطلحات التأويل وإعادة بناء القول الديني بناء عقلياً، مع تسيد فكرة الجهاد والتبليغ والدعوة على طموحات السلطة والصعود نحو حكم البلاد والعباد؛ اللهم سوى دعوتهم المطلقة إلى وجوب حكم الشريعة الإسلامية بنصها الحرفي، بغير تأويل أو مجاهدة في إعادة قراءة هذا النص. واقتصر هذا الاتجاه على مناهضة النظام الحاكم مهما اختلفت صوره ومحاربة مظاهر الفجور والخروج عن التعاليم الدينية؛ وفق منظور أقطابه بأي شكل بدءاً من الدعوة اللغوية الصامتة المتمثلة في المنشورات والمطبوعات الورقية مروراً بالتسجيلات الصوتية وانتهاءً بفكرة استخدام العنف لإقصاء النظام الحاكم عن فساده بغير طمع معلن في سدة الحكم.

وعلى الرغم من دخول الاتجاه السلفي غمار الحرب السياسية، إلا أنه لا يستشعر قلقاً إزاء أية تيارات مدنية أو ليبرالية أو حتى علمانية؛ لأنه باختصار يرى أن هذه التيارات لا تحمل طرحاً فكرياً ثابتاً يرتكز على دعائم ثابتة مثل الأصول الإسلامية للشريعة المتمثلة في أصول ثلاثة هي القرآن الكريم، والسنة النبوية، والسلف الصالح. كما أنها لا تعترف مطلقاً بما يسمى الأيديولوجيات الفكرية. وكل مساع هذا الاتجاه الديني هو إقامة مجتمع إسلامي يستمد قيمه من ركائز الدين الثابتة وقانونه ودستوره من الشريعة التي لا تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة.

الاتجاه الثاني الذي ظهر في فضائنا السياسي، هو ما تمثله جماعة الإخوان المسلمين، التي احترفت ممارسة الصبر وطول الانتظار بغير ملل والحفاظ المدهش على وحدة أعضائها حتى انتظار اللحظة المناسبة والسانحة لاقتناص المشهد السياسي؛ وبالتالي تسيد هذا الفضاء السياسي، وهو في طول انتظاره وصبره يرفض الثورة والرفض للتيارات المناوئه له والاتجاهات المغايرة التي تزاحمه في الصعود السياسي.

هذا الاتجاه وإن بدا اليوم أكثر انجذاباً للسياسة ومشكلاتها، إلا أنه يحرص أن يظهر من حين لآخر بوصفه تياراً دينياً لاسيماً وهو يتخلى عن مخاطبة النخبة السياسية، ويلجأ إلى العامة حينما يطمح إلى مزيد من الصعود السياسي فيأتي الحديث بلهجة دينية ضرورة يفرضها الفضاء السياسي على المشهد برمته، وهذا ما يجعلنا نرصد تأرجح استخدام شعار الإسلام هو الحل الذي استخدمته الجماعة وهي تكرس لنفسهاً مكاناً ومكانة دينية بين المواطنين، والتنازل عن الشعار تدريجياً والحديث عن مشروع نهضوي اجتماعي اقتصادي حينما تريد مخاصمة ومزاحمة تيارات أخرى تجيد الحديث بهذه اللغة المدنية.

إن تيار الإسلام السياسي الذي يجسده باقتدار جماعة الإخوان المسلمين يختلف عن الاتجاه سالف الذكر، وأعني السلفية، فجماعة الإخوان تجد مبرراً فكرياً يبرر وجودها السياسي، وأنها تمتلك رصيداً وإطاراً نظرياً منذ مؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا انتهاء بالإطار المرجعي للجماعة على يد المفكر الإسلامي سيد قطب. وهذا الرصيد يستغل باقتدار في محاولة تشكيل الرأي العام برقابة صارمة نحو تأييد الجماعة. وهي في طريقها نحو تشكيل الرأي العام لا تتخل عن فكرة الأصولية التي تعني لديها السيادة الأيديولوجية للجماعة التي تتميز بالنفوذ التحريضي. ولعل هذه السمة هي التي دفعتها لمغالبة العسكر منذ الحكومات المتعاقبة أيام حكم الملك فاروق، وحتى إقصاء الإدارة العسكرية لحكم البلاد في منتصف هذا العام.

أما الاتجاه الثالث في فضاء الإسلام السياسي فهو اتجاه ديني، يبدو أكثر مرونة عن الاتجاهين السابقيين، فهو يعترف بوجود أخطاء منهجية عند التطبيق، ومن ثم أسرع في الإعلان عن فقه المراجعات، سواء أكانت هذه المبادرة شخصية وبدوافع ناجمة من التيار نفسه، أو من خلال ضغط سياسي من الأنظمة الحاكمة بقوة بوليسية. هذا التيار رغم أصوليته المتشددة التي ظهرت لعقدين كاملين أبدى استعداً مبهراً لقبول الآخر المختلف سياسياً وأيديولوجياً؛ ما دام هذا الآخر يسمح بالمشاركة في المشهد السياسي دونما انتزاع أو اقتناص أو استلاب .

وكم هو فريد أن يظهر التيار الثالث المشكل لفضاء الإسلام السياسي متحدثاً بمنطق العلمانيين؛ ولو بصورة جزئية حينما يقبل تدريجياً بفكرة التأويل ولو بصورة بلاغية، فتجد منهم من يقر بأن تأويل النصوص الفقهية للجماعة الإسلامية تعني مجاوزة النص، ولكن مجاوزة لابد وأن تخضع لقواعد وشرائط محددة وبصرامة عند تطبيقها على تلك النصوص مخافة اللغط وسوء الفهم.

وبذلك يقترب أصحاب هذا التيار شيئاً فشيئاً من فلسفة التنويري ابن رشد، حينما رأى التأويل إخراج اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل ذلك في التجوز في تسمية الشئ بشبيهه أو سببه أو لاحقه.

بليغ حمدي إسماعيل