ابوظبي: 27 عاما من اكثار الحبارى

تراث عميق

ابوظبي – أكد الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة للشؤون الخارجية رئيس نادي صقاري الإمارات، في افتتاحية العدد الجديد من دورية الصقار العلمية المختصة، أنّ الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أدرك، ومنذ ثلاثة عقود، المخاطر الجمّة التي تتهدّد وضع طائر الحبارى المهدد بالانقراض، فبدأ يُنبّه ويُحذر من أننا إن لم نُبادر على عجل للبحث عن السبل الناجعة لحماية هذا النوع النادر، فإن الحبارى سوف تنقرض نهائياً وتختفي من تراثنا ومستقبل أبنائنا.
وأشار الشيخ حمدان إلى أنه "عندما تأتي النظرة الثاقبة والرؤية الواضحة لتدق ناقوس الخطر قبل أن يتنبّه له الآخرون، فإنها نعمة من الله وبصيرة، وهكذا كان حالنا مع الوالد الشيخ زايد - رحمه الله – الذي لم يقف عند ذاك الحد، بل وضع همته وسخر معرفته بالطائر الذي أحبه وعاش معه أجمل رحلات صيده، في إطلاق أولى المشاريع البيئية العالمية للحفاظ على هذا الطائر.. ولولا تلك الهمة والجهود المتميزة، لبقيت معرفتنا بالحبارى وطرق هجرتها وأيكولوجيتها ومواسم تكاثرها وحياتها وغذائها ضئيلة جداً، بل ربما معدومة، إلا أنّ رؤيته الحكيمة وتوجيهاته السديدة بدراسة الحبارى وتجربة إكثارها، قد أعطى أولى المؤشرات الإيجابية للحفاظ على الحبارى في الأسر."
وأوضح الشيخ حمدان في افتتاحية الصقار التي جاءت تحت عنوان "على قدر أهل العزم تأتي العزائم" ، أن قصة نجاح جهود أبوظبي في إكثار الحبارى، بدأت قبل 28 عاماً وتحديداً في عام 1977م، ومن حديقة حيوان العين، وبما لا يزيد على 7 طيور حبارى آسيوية، كانت النواة الأولى لمشاريع الإكثار في الأسر لهذا الطائر في دولة الإمارات العربية المتحدة. وبعد جهود متصلة في وضع الأسس الأولى لبرامج الإكثار في الأسر منطلقة من عزم أكيد وتصميم متصل لعدة سنوات، حتى تحقق النجاح بإنتاج أول فرخ من الحبارى الآسيوية في الأسر في عام 1982م.
ووصف تلك اللحظة الرائعة بقوله "وإن أنسى فلن أنسى ذلك اليوم الذي زفت فيه هذه البشرى للمغفور له الوالد الشيخ زايد ومشاعر البشرى والفرحة التي كست محياه، وهو يستشرف نجاح جهوده التي بدأت في طرح ثمارها الغضة مبشرة بأن هذا الطائر النادر سيبدأ في التكاثر في قلب بيئة الإمارات النابض الذي لن يسمح له بالانقراض بإذن الله".
وتابع الشيخ حمدان يقول: من هنا بدأ - رحمه الله - بوضع الأطر الاستراتيجية والإدارية اللازمة، فوجّه بإنشاء المركز الوطني لبحوث الطيور الذي يُعتبر اليوم، وبكل فخر واعتزاز، منارة لدراسة إيكولوجية الحبارى ومرجعاً عالمياً لمشاريع وبحوث الإكثار في الأسر، إذ تمكن المركز من تطوير برامجه سنوياً حتى أنتج هذا الموسم ما يقرب من 400 فرخ حبارى. ولم يكتفِ المركز بذلك، بل تجاوزه مُحققاً إنجازاً علمياً فريداً تمثل بإنتاج الحبارى بشكل مبكر في غير موسم التكاثر المعتاد، مما يُبشّر بحدوث فترتي تكاثر للحبارى في العام الواحد، كحصيلة لتجربة مبتكرة باستخدام تقنيات البيئة الاصطناعية.. وإننا - نحن أبناء دولة الإمارات - لنفخر بهذا الصرح العلمي الرائد الذي سيظل بإذن الله قائماً لدعم بقاء الحبارى.
واختتم موضحاً أن اهتمام دولة الإمارات بإكثار الحبارى ودراستها والحفاظ عليها، يأتي انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية.. فالحبارى تعبر عن تراث عريق وجذور ضاربة في أعماق التاريخ لأكثر من ألفي عام ونزعة أصيلة في النفس للحفاظ على إحدى ركائز تراثنا الوطني التي توارثناها عن الآباء والأجداد، ولذلك فإن الحفاظ عليها هو صون للنوع ولهذا التراث العريق والتقاليد الأصيلة، ولا يتصدى لذلك إلا أصحاب الفكر والعزيمة..
وكشفت مجلة الصقار في عددها الجديد، عن أن مشاريع إكثار الحبارى في الأسر انطلقت في أبو ظبي منذ 28 عاماً محققة نتائج متميزة رغم صعوبة إنتاج الحبارى في الأسر للخصوصية التي تتميز بها عن غيرها من الطيور التي يمكن إكثارها في الأسر.. ولم تقتصر هذه المشاريع على حدود دولة الإمارات بل تخطتها وعبرت إلى شمال إفريقيا في المملكة المغربية في سابقة سجلت للإمارات، وذلك ضمن خطط طموحة تهدف لإعادة التوازن إلى أعداد هذا الطائر الذي أصبح اليوم بحاجة للكثير من الاهتمام وتضافر الجهود الدولية للمحافظة عليه، بعد أن أصبح مهدداً بالانقراض في جميع مناطق انتشاره وتواجده، حيث تقع الحبارى ضمن قائمة الأنواع التي يُمنع الاتجار بها، وذلك وفق قانون العديد من المنظمات والهيئات العالمية المختصة، وفي مقدمتها اتفاقية السايتس واتفاقية بون.
وأوضحت المجلة أنه يمكن تقسيم جهود إمارة أبوظبي تاريخياً في مجال إكثار الحبارى، إلى :جهود إكثار الحبارى في حديقة حيوان العين منذ عام 1977، جهود المركز الوطني لبحوث الطيور في سويحان (نارك) التابع لهيئة أبحاث البيئة والحياة الفطرية وتنميتها منذ عام 1992، وجهود مركز الإمارات لإكثار الحبارى في المملكة المغربية منذ عام 1995.
وضم العدد الجديد من الصقار تحقيقات شيقة عن الصقارة في كل من إسبانيا وجنوب إفريقيا، وعن أنواع برقع الصقر وحياكته والذي يُعتبر من أولى المستلزمات الأساسية للصقر. وقدمت المجلة شرحاً علمياً دقيقاً للشواهين الأوربية وللحبارى النوبي، وأفردت مساحة واسعة لتناول موضوع التجارة كعامل مهدد للطيور الجارحة في أوروبا، مع سرد تفصيلي لوضع الصقارة في كافة دول الاتحاد الأوربي حيث لا خلاف بين الصيد وصون النوع، وكذلك معلومات مفيدة عن اتحاد صقاري أمريكا الشمالية الذي يمثل صوت صقاري القارة في أنحاء العالم. أما في باب سيرة صقار فقد تناول العدد الجديد سيرة الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود – رحمه الله – كأحد أبرز الصقارين الذين عرفتهم المنطقة . وفي باب مخوة المميز عند الصقارين مجموعة جديدة من أجمل القصائد النبطية في شعر القنص والطير، ولقاءً ممتعاً مع الشاعر السعودي ملفي بن عون. وفي الشأن المحلي أبرزت الصقار استضافة أبوظبي مؤخراً لاجتماع المجلس العالمي للصيد وحماية الحياة البرية تحت شعار "رياضة الصيد بالصقور .. تراث عالمي"، ومؤتمر بادية الإمارات الذي دعا للتعايش المستدام بين البدوي وبيئته، فضلاً عن تحقيق موسع عن محمية بحيرة الوثبة كملاذ آمن لحوالي 230 نوعاً من الطيور. وفي مجال طب الصقور تناول العدد الجديد داء الوحيدات المشعّرة عند الصقور (القرحة) الذي ينتقل للصقور عن طريق الحمام الجبلي المستخدم للتدريب، وكذلك اضطرابات التوازن الحمضي القلوي عند الصقور الصيادة والتي تحظى باهتمام الصقارين والأطباء البيطريين المتخصصين بالطيور.