ابراهيم محمود ينقِّب عن قبيلة الأكراد الضائعة

بيروت ـ من جورج جحا
عدم وضوح المعنى المأخذ الأول على كتاب محمود

في "القبيلة الضائعة..الاكراد في الادبيات العربية-الاسلامية" كتاب ابراهيم محمود الاخير يورد المؤلف معلومات كثيرة ويكتب بطريقة مشوقة لكن المتعة التي يقدمها للقارئ قد تحمل في طياتها وما تقوم عليه سبباً لبعض ما قد يؤخذ على الباحث الكردي السوري.

والمأخذ هنا قد يدخل أحياناً في باب ما اسمته العرب الذم في معرض المدح فالكتاب على غزارة في المعلومات وايرادها مثل فيض احياناً يتسم اسلوبه بزئبقية غريبة.
والكتاب يحفل بالمتعة الفنية ويصل احياناً بكل ما فيه من فكر وفلسفة وغوص في التاريخ والاجتماع الى مستوى الكتابة الشعرية التي يصعب في كثير من الحالات حصر ما تقوله بل اننا قد نجد انفسنا نحوم حول المعني الذي سعى اليه الكاتب فلا يتضح لنا بل نكاد نشعر بانه غير واضح تماماً للكاتب نفسه.

والابحاث كما هو مسلم به تخضع للعقل البارد وتبتغي منها نتائج محسوسة او نتائج فكرية واضحة المعالم.
الا ان كلام ابراهيم محمود يبدو احيانا مثل موسيقى اذ ترف النفس حوله دون ان تستطيع في حالات عديدة ان تحط على ارض ثابتة.
والكتاب الذي جاء في 311 صفحة كبيرة القطع صدر عن دار "رياض الريس للكتب والنشر".

ووصف الناشر المؤلف وكتابه ومحتويات الكتاب على الشكل التالي "في هذا الكتاب يبرز ابراهيم محمود الباحث الكردي منقباً في التاريخ والجغرافيا وفي كل ما كتب وقيل عن الكرد انتماء ولغة وهوية وديناً بدءاً بالاصول ونسب الكردي العربي والشيطاني والميثولوجي والفارسي والتوراتي...الخ..متنقلا الى الكردي في الادبيات العربية تحت عناوين مختلفة منها..الشعوبية وموقع الكرد فيها - الايوبيون..الكردي تحت الضوء ثم يتناول الاسلام الكردي وفيه..سنيون اكثر من السنة - الكرد الايزيديون والاسلام والعرب - التنافس على قيم الدين الواحد".

ويفرد المؤلف فصلا عن الكردي في الخطاب العربي الحديث مستعرضاً وناقداً ومفنداً كل ما كتب اخيراً عن الكرد وفيهم العشرات من المؤلفين المعاصرين حيث تبدو الثنائيات الكردية الصارخة المتقاربة حيناً والمتضاربة اكثر الاحيان.

وقد توزع الكتاب على ستة فصول مع استهلال وفهرس اعلام وفهرس اماكن. وفي كل فصل من الفصول عناوين فرعية متعددة.
اما عناوين الفصول فجاءت كما يلي..الفصل الاول "حديث النسب نسب الحديث". واثر ذلك "ميثولوجيا النسب. في ميثولوجيا النسب الكردي.علامات".

وتحت عنوان "تفكيكات" نقرأ "الكردي في نسبه العربي. الكردي في نسبه الشيطاني. الكردي في نسبه الميثولوجي المجهول. الكردي في نسبه الفارسي".
ومما ورد في هذا الفصل "الكردي في نسبه التوراتي. الكردي ازاء العربي العربي ازاء الكردي".

اما الفصل الثاني فعنوانه "الكردي في الادبيات العربية-الاسلامية" وبعده الفصل الثالث بعنوانه "الاسلام الكردي" ثم الرابع وعنوانه "الدخول في العصر الحديث عبر فخاخ الاخرين".

اما الفصل الخامس فتناول "الكردي في الخطاب العربي الحديث". وعنوان الفصل السادس هو "نصف قرن طويل بتاريخ قصير..أهي الصورة الاخيرة للكردي عربيا؟".

ومن المجالات التي تظهر "نفس" المؤلف واسلوبه نأخذ بعض ما جاء في الحديث عن "الغوص في العمق الاسلامي الكردي والتنافس على قيم الدين الواحد" حيث يتساءل محمود قائلا "هل من امكانية للقول بوجود..اسلام كردي..بصيغة اخرى..كيف يمكن الحديث عن الكردي الذي تمايز اسلاميا".
والجواب عن هذا التساؤل المثير للاهتمام هو على رغم ما فيه من حقائق او اشارات الى ما يفترض انه وقائع اقرب الى نص ادبي لزئبقيته وتداخلاته الطويلة شبه الخطابية و"جمال" اخراجه الفني ففيه امور محددة والى جانبها اخرى كانها غمامات عابرة لا يمكن الامساك بها والاستناد الى محتواها وجل ما نستطيعه هو التخمين.

ويقول مجيباً "الدارس للتاريخ الكردي وللشخصية الكردية رغم الصعوبة في القيام بدراسة لها لتداخلها مع الكثير مما تعلق بها او اثر فيها من الخارج..ثقافات اخرى عقائد اخرى ووجودها الطويل والمتقطع بين اخرين وانفرادها النسبي بنفسها..لا بد ان يصل الى نتيجة مفارقة وهي..ان الوجه الاخر للاسلام الكردي هو رفضه للاسلام بالذات".

ويستطرد "وذلك على مدى قرون زمنية طويلة فقد بدا اقرب الى التشدد في مزاولة الفرائض الدينية منه الى الاعتدال حتى في الاونة الاخيرة وفي ظل شعور نسبة كبيرة من الكرد بالاضطهاد القومي وبالاستبداد باسم الدين وبالغبن التاريخي الحاصل دينيا كذلك يمكن التعرف الى نسبة ملحوظة منهم وقد تمسكوا اكثر بالاسلام بوصفه خير مخلص لهم مما لحق بهم من من ضيم لاويل في توحيد امة الاسلام وخصوصا بالنسبة للعلاقة بين الكرد والعرب."

ويمضي في شرح الموضوع بطريقة اقرب الى مزيج من الفكري والوجداني اذ لا تتسم دائما بالعلمية التي تتناول اموراً محددة ولا تقفز - وان بكتابة جميلة - الى خلاصات هي اقرب الى آراء ذاتية سواء أكانت صحيحة ام غير صحيحة اذ ان القارئ لم يرافق عملية التوصل اليها عبر منهج علمي يعرضه الكاتب عليه او ياخذ بيده ليعبر به مراحله بهدوء عوضاً عن هذا "الركض" الوجداني السريع من موضوع الى آخر فاخر.

ومن هذه الامثلة "الجميلة" التي تترك القارئ معلقاً بين ادراك و"تخمين" فكأنه يقرأ قصة جميلة تقوم على تحليل اجتماعي ونفسي يشبه العلم لكنه ليس هو هو قوله بعد عرض مسهب لحالات واحداث تاريخية وافكار.

ان ذلك يعني كذلك الدوران حول الذات كون الذات معروفة مسبقاً ويمكن التكيف معها في حدود ثقافتها تلك وهي ثقافة لا تفتقر الى الارضية الداعمة لها من جهة الصلابة والامتداد الشاقولي وتجمع بين الكرد ومن هم في عداد المختلفين معهم ومخاصميهم ايضا.

ومن جهة ثانية يعني عدم القدرة على مقاربة حقيقة الذات في استقلاليتها والفصل بينها وبين الاخر نظراً لوشائج القربى التاريخية الطويلة وكون الجغرافيا المتشظية بفعل التحالفات السياسية ذات المردود القيمي السلبي للكرد من جهة ثالثة والبقاء في اكثر من دائرة متداخلة مع غيرها كما تؤكد تجارب التاريخ وفي اكثر المراحل حساسية ودقة".

قد يكون من الجميل ان يكتب البحث التاريخي او غيره شعرياً لكن ذلك لا يحل محل الكتابة الباردة القائمة على ابحاث هادئة.