إيقاعات متفردة على هامش رواية 'أعالي الخوف'

لكل منا لعنة أزلية تدميه

• المقدمة

موت الشعراء مؤلم كموت الأطفال ها هو بطرس تحت التراب أتركه وأمشي.. الشمس توشك على الغياب والسماء رصاصية شاحبة, البرد يستفحل في الأوصال والعيون جففها حزن مقيم, وتحجر فيها دمع مسكون بالملح .. ملامحي تائهة مثل هلام ينداح في الاتجاهات.. لا طريق أبصرها .. لا درب أزرع فيها خطاي, ها أنا أضع قدمي في الفراغ .. وأمشي, وأمشي.

بهذه العبارات التي أنهى بها الروائي المبدع هزاع البراري روايته "أعالي الخوف". أبدأ معكم أطلالتي في محاولة جديدة في رصد معالم تلك الرواية المحفوفة بالدهشة والأكتشافات الإنسانية الحكيمة مستخدمة طريقة الفلاش باك, وهي التقنية التي لعب بها المبدع عن طريق شخوصه في سرد واقعهم الأليم وتجربة كل منهم وما أحاط بسرائرهم الخفية كأننا أمام فيلم سينمائي لعبت فيه فكرة المشاهد المتعاقبة دورها في إملاء مسار الأبطال ونهايتهم الحتمية، اما بالموت أو بالفناء في دائرة الشك والخيبات المتعاقبة.

وكأننا أمام تلك المشاهد الإنسانية نتابع عبر فصول الرواية محطات الأفول داخل عوالمهم في حوارات صاغها المبدع بدقة متناهية, ما أن تكتب فيه كلمة النهاية حتى يبدأ القارئ الواعي في تتبع تلك الصور المتلاحقة التي طبعت في مخيلة وأعطت له المساحة كاملة تلك النهاية المفتوحة للنص.

رواية من القطع المتوسط قسمت إلى 24 فصلا كل منهم معنون بعبارة دالة .. أما عن شخصية الأبطال أو مفتتح عتبات لها هي أيضاً دلالاتها: ديمة – بطرس – إبراهيم – هديل .. وحشة – بشرى وظلال أخرى – حزن الشتاء زنوبيا – فارس – قلوب تائهة – نساء لاتشبه أى امرأة – أرواح مشردة- النبوءة الغامضة – صور وظلال .. هواجس الروح – مرايا بلا صور.

مما يحيلنا بكل تأكيد أيضاً إلى تفسير محطة الولوج الأولى وهي عنوان الرواية الذي يشكل العتبة الرئيسية لم يخل من التجريد والشعرية والغموض، بل وأعطانا نموذجاً إبداعياً موفقاً لما يدور في متنها من أحداث.

كل شخصية من شخصيات هذا العمل الدرامي لها ذروة خوف ما دفعت بها إلى تغير مسارها المنطقي في الحياة.

وكأن العنوان كعتبة للنص أراد به أن يركز على تلك الخصوصية الشديدة لمعاني الخوف المختلفة هل هو الخوف المرضي الذي يجعل بعض من الأشخاص يقللون من طاقاتهم ويجعلهم عاجزين تماماً عن تحقيق أهدافهم في الحياة أما هو خوف نتيجة لتوجيه ما أو تجربة مريرة جعلت من بعض الأفراد في حالة من الجبن الهائلة مما أدى إلى وقوعهم في صراع نفسي حاد جعلهم عاجزين عن الاندفاع في تفاعلاتهم مع الآخرين ويثيرون سخريتهم فينسحبوا تدريجياً من الواقع وينغلقوا على أنفسهم.

أبطال النص على مختلف أدوارهم يميلون إلى هذا النوع ألا وهو الخوف الفوبي الذي يتضمن عنصراً ذاتياً مختلفاً مما يجعل هذه الحالات المضطربة إلى إسقاط الصراعات التي عجزت في حلها وإسقاطها لتظهر على شكل مخاوف من أشياء لا تثير الخوف بطبيعتها, فيأتي مصدرأ ما خارجياً مثيراً يشجع ظهور هذه العاطفة السلبية، ورغم أن الخوف يعد إشارة تهدف إلى الحفاظ على الذات الا أن الخوف المستمر من المجهول وغير المتوقع في الحياة يولد لدى الإنسان هماً مستمراً من المجهول وغير المتوقع في الحياة يحطم أعصابه ويثير الغضب والبغض والشجن عبر عن ذلك المونولوج الذي طرحه المبدع على لسان د. فارس: "وجدت نفسي أتكلم وأنا أغرق في مسامات اللوحة تتراكم خلف اللوحة هواجس مرتبكة أسئلة خائفة روح مترددة تنظر إلى الخارج وتغوص في الماضي الوردة تولد لتموت .. لوحة مكتنزة بالاختناق والاحتجاج والرفض".

هكذا يفصح الأبطال عن مخاوفهم في ظروف شتى: "أي معنى غامض دفنه بطرس نيقولا؟ وأي حياة مشبعة بالحزن رسمت حياته الآسنة بالوحدة والصمت..!"

كل واحد يسلم للآخر كأس الحياة الفارغة كلنا يتلبسنا القلق والخوف.

* أنت خائف أم قلق ..

"القلق ينبت الخوف والخوف يفجر القلق, وجهان لعملة واحدة ونحن تلك العملة اللعينة .. ".

وهكذا دواليك حتى ترسخ في الذهن المتلقي أنه أمام حالات أنهكتها الأحزان ونهشت أضلعها المخاوف.

الركيزة الثانية التي لعب عليها المبدع في البناء الدرامي لهذا العمل كان الوصف: أنت أمام الأشخاص بشحمها ولحمها: تعرف حدود الوجه ولون العين وسماتهم الشخصية وملبسهم وطريقة الحكي المتفردة عند كل شخصية: فارس وبطرس والشيخ إبراهيم أحلامهم الغامضة: "الهمشة التي تحولت الى غولة..".

أمزجتهم المتنوعة: حبهم للأغاني القديمة والمواويل موال ناظم الغزالي .. ورقصة السنبلة, أنت أيها القارئ العزيز أمام بروتريهات تشبه الحقيقة تستطيع أن تشير إليها في الطريق وتعرف الأشخاص حق المعرفة.

كما أنعم علينا المبدع بوصفه لمدينة الأردن للذين لم يزوروها أحاط بشكل كبير بمعالمها التاريخية: "كأن هيكل هرقل بأعمدته العملاقة يخترق عتمة الليل ..".

المدى مكفهر كوجه عجوز عصبي المزاج, غبار مهاجر من صحراء ما يتجمد فوق منازل تزينت بالقرميد والكآبة هي بيوت عمان الغربية.

امرأة متبرجة بالغموض والدهشة والبرودة ولا تتقن غير الصد, الشتاء قارص ولا مطر يسقط.

وصف فيها المبدع الطبيعة التي جعلها هي الأخرى بطلا آخر من أبطال مسرحة الروائي .. عمان القديمة جبل القلعة وشجرة السنديان .. وسد مأرب .. عمل على أنسنة الجماد. فيها الغيمة السوداء التي تلويها الريح فصارت المدينة النائمة التي آنستنا ببيوتها العتيقة كأنها جوقة من ريح تردد: خطاك قدرك.. قدرك خطاك.

وصوت صباح فخري يجمد الكلام المشجون بالوجع وكأننا شهود على اعتراف تلو اعتراف

"اليس لكل منا مغارته التي تلاحقه .. "، "ولكل منا لعنة أزلية تدميه".

حتى صوت فيروز يعلو في الأفق الروائي: تدندن هديل بصوت عذب مكلوم: يا جبل ياللي بعيد خلفك حبايبنا بتموج مثل العيد وهمك متعبنا.

جاء الحضور الأنثوي مكملا لنفس الحالة التي تموج في دواخل الأبطال "نحن غرباء, بل غريبوا الأطوار لا نكتفي بما لدينا من حزن بل نقطع المسافات لنبحث عن أنواع جديدة أكثر قتامة وألماً ..

جاءت رواية "أعالي الخوف" محملة بأنواع كثيرة من المرثيات مرثية للإنسانية جمعاء:

"أنا لا أبكي الموتى, بل أبكي الموتى أحياء .. ".

تدنو اعترافاتهم قريبة من قلوب مستمعيها: أليس القلب هو سر البلاء والابتلاء ..

"قلبك أصابك كما أصابني, ربما نحن محكومون بقولبنا .. "

الكل يتسربل إلى نهايته المحتومة: إلى هذا الخوف الأزلي الذي يحكم على عواطف الإنسان وهواجسه الدفينة: إنه الموت في كل صورة يلاحق الأبطال الذي فقد الأب والأخت والحبيبة والذي فقد الأم .. ووجه الوطن وصورة العذراء داخله أنها أرواح مشردة ..

"الموت فيها وحده من يأكل من حياة الأحياء يبقى الفقد ينهش في قلوبهم دون رحمة فيأتي على شكل صور وذكريات تظهر في ليالي الأرق كأسراب حشرات تقتات على أفكارهم.. ".

روايه "أعالي الخوف" كتبت كأنها لحن عذب حزين تحمل إيماءات وعبارات ذهبية جعلتنا نقف أمام معانيها كثيراً وجاءت الخاتمة هي نهاية تلك التضفيرة الخالصة من المشاعر لكونها بالطبع آخر المشاهد التي سوف نختزلها عند الانتهاء من قراءة هذا النص الإبداعي ولعل المتعة التي جاءت بها لحظة النهاية الغريبة فتحت الأسئلة لإثارة فصولنا ماذا يحدث بعد ذلك؟

ولذا اعتبرت من بداية هذه الإطلالة النقدية أن النهاية هي جوهر العمل الروائي وكأنها كانت بمثابة بوابة جديدة تضيف إلى المتلقي فرصة التأويل والاحتمال والافتراض جعلته مشاركاً بشكل أو بآخر في تحديد مسار الحكي حسب توقعاته هو.

وأخيراً: قدم لنا هذا العمل الروائي المتميز على جسر من الكلمات والعبارات الشعرية فائقة العذوبة فأصبحت أيقونة النص هي تلك اللغة الشفيفة التي عبر بها الكاتب من خلال حوارات أبطاله عن مكنونه الشخصي وثرائه اللغوي وميله الشديد إلى اقتناص مفردات جديدة لصنع قالبه الإبداعي الخاص به هو.

عمل المبدع هزاع البراري على توظيف لغته الشعرية الواضحة في هذا المنجز الروائي. كأنما كان يبحث لنفسه عن نمط متفرد بيحث يقدم للمتلقي متعة الشعر وجمالية السرد الروائي القائم على الحكي دون تكلف وإنما جاء بسيطاً ورقراقاً مثل نهر عذب تتدفق الكلمات لكي تسبر أغوارنا بعذب المعاني دون الغرق في الشعر وفي نفس الوقت دون السقوط في رتابة وسيمترية السرد الروائي.

فمن الملاحظ أنها رواية يغلب عليها الطابع الأسلوبي الذي يرجح الوصف على السرد واللغة على البناء.

رواية لا تنقل الواقع بشكل آلي، وإنما تعيد تشكيله وصياغته أنتج من خلالها المبدع القدير: واقعاً معاشاً أو شبه ذلك بتناغم بشكل كبير مع نفسية المتلقي الذي عانى من أزمات على الصعيد السياسي والاجتماعي في الآونة الاخيرة وأهدى قراءه زاوية جديدة من زوايا الحكي, نصاً درامياً يحمل فتنة لغوية يعول عليها المبدع لنقل مشاعره بصورة فنية عميقة وشفافة دون أن تكون معزولة عن السياق أو الأحداث الروائية.

ومن هنا تعد السمة الشعرية إحدى العلامات البارزة في الرواية المعاصرة ومظهرا فارقاً من مظاهر الحداثة تناغم تام مع قراء ينشدون الاستمتاع الوجداني أيضاً سارت الرواية بشكل متناسق منسجم يدل على الوعي الروائي لدى الكاتب، محققاً في ذات الوقت الفائدة من الكتابة, إثراء الوعي الثقافي والبحث عن إجابات لأسئلة وجودية تحير القارئ وتجعله يشارك في البحث أيضاً في دواخله عن إجابات لها.