إيران ودول الخليج... ضرورة التَّوازن

حسب الدستور الجيش الإيراني جيش الإسلام ومعنى هذا متأهب للدخول لأي منطقة كانت!

كانت إيران في عمق المشهد السياسي في المنطقة بعد مرحلة الثورة الخمينية، فقد عاشت القوى السياسية الخليجية مشكلات فكرية وأيديولوجية شكلت ترددات هبوط مزمن، بل لم تنضج بعد إلى الحد الذي يمكنها أن تسهم في التطور السياسي في المنطقة. ومن دون أن ننفي الوعي السياسي الشعبي الذي يمثل ظاهرة إيجابية، فقد عملت القوى السياسية اليسارية التي يغلب عليها التوجه الماركسي أو التشيُّع على التواؤم مع حركة الثورة الخمينية بداية، فعملت على نشر الفتنة في نسيج المجتمعات الخليجية باسم المذهبية والطائفية، والمظلومية للعقل الجمعي الشيعي.

لقد بدأت دول مجلس التعاون الخليجي -منذ فترة ليست بالبعيدة- وضع اللمسات الأخيرة على أضخم برنامج للتسلح في أوقات السلم في التاريخ، عبر طلبات شراء ضخمة تتمازج فيه مع عمليات خلط على مستوى مفاهيم عدة: بين سباق التسلح وبناء الجيوش والتوازن، وبين المحددات وبنية القدرات والنظم العسكرية، مما يطرح سؤالا عن واقع التوازن العسكري في المنطقة، ومدى قدرة دول مجلس التعاون على الوصول من جراء تسلحها وبناء الدرع إلى تحقيق التوازن مع التهديد المفترض القائم حاليا، وهو جمهورية إيران الاسلامية. فمن المعروف أن هناك بناء للترسانة العسكرية وهناك سباق تسلح، وسباق التسلح يقوم على أشكال عدة.

منها نوع يراد من خلاله اللحاق بدول أخرى تشكل تهديدا استراتيجيا للدولة، ونوع آخر يراد به التفوق على مصدر التهديد، والنوع الأخير هو خليط من أسباب عدة، لكن المبتغى هو التفوق في التسلح. وقد كان التسلح يختلف من وجهة نظر استراتيجية، ومن ناحية النوعية والكمية، عن بناء الجيوش الذي تم في دول الخليج من جراء طفرة السبعينيات النفطية التي صاحبت الاستقلال، ثم تلاها مناخ الانفجارات الذي فرض نفسه لعقدين، وجعل السلاح يتدفق على المنطقة بغزارة.

لقد وقّعت دول الخليج العربي عقود تسلح تزيد قيمتها على (63) مليار دولار وتمثل 30% من إجمالي نفقات التسلح حول العالم خلال الفترة من (2004-2007) ويمثل ذلك عشرة أضعاف ما تنفقه إيران على الأسلحة التقليدية. فهل وصلت دول الخليج إلى مرحلة التوازن مع إيران من باب أنها صرفت أكثر وتملك من السلاح أكثر؟

حيث يذهب بيتر غوود سبيد إلى أن إيران تملك (535) ألف مقاتل، متفوقة على دول الخليج التي تملك (358) ألف رجل. كما تمتلك (257) سفينة حربية، متفوقة على دول الخليج التي تملك (225) سفينة، كما تتفوق بعدد قطع المدفعية حيث تملك (3196) مدفعا، بينما تملك دول مجلس التعاون (1321) مدفعا. لكن ميزان التسلح يميل لمصلحة دول المجلس التي تملك (571) طائرة مقاتلة، بينما تملك إيران (301) طائرة مقاتلة، كما تتفوق دول المجلس على إيران بعدد طائرات الهليكوبتر وتملك (240) طائرة مقارنة بإيران التي تملك (95) طائرة. كما تتفوق دول المجلس على إيران بعدد الدبابات حيث تملك (1865) دبابة في حين تملك إيران (830) دبابة.

كما يمكن تسجيل التفوق البشري الإيراني بـ(177) ألف رجل، وهو تفوق مهم، حيث يعتبر سلاح المشاة أكثر القوات فاعلية لقدرتها على مسك الأرض، ثم التفوق في مجال السفن بزيادة (32) سفينة حربية إيرانية، ومدافع بما يصل إلى (1875) قطعة.كما لا تحدد التقارير الاستراتيجية الأخيرة محددات أخرى تؤثر في عملية التوازن -كما يرى البعض! وهي الإمكانات المادية والبشرية، حيث قامت جمهورية إيران الإسلامية بعسكرة اقتصادها لمصلحة المجهود الحربي بشكل كبير، بمعنى أن القطاع العسكري عموماً، وقطاع الإنتاج العسكري خصوصاً، يستهلك الجزء الأعظم من إجمالي الناتج المحلي.

في الاجتماع والاقتصاد

أما الجانب الاجتماعي، فأساسه في منطقة الخليج العربي -عبر التاريخ- "القبيلة" وأدواتها السياسية، وهي مؤسسة اجتماعية لعبت دورا محوريا في المحافظة على كيانها ومصالحها. لكن منطق الواقع المُتَبَدِّل فرض عليها التحوُّل المتثاقل من "مبدأ القبيلة" والحكم العشائري إلى "مبدأ الدولة" ومؤسساتها القانونية، والابتعاد التدريجي عن كثير من القيم والعادات والسلوك القبلي على أساس فردي (العصبية القبلية، والفكر القبلي التقليدي)، حتى قُبيل مرحلة النفط، فكانت تتجه نحو المجتمع المدني المؤسسي الحديث في مجال التجارة البحرية والبرية، والعمل الجماعي التطوعي في مواجهة الأزمات والكوارث. كما كانت النخب المتعلمة المثقفة في هذا المجتمع تؤطِّر نفسَها في مؤسسات أهلية تطوعية، مثل المدارس والجمعيات والنوادي، إلى أن جاءت عائدات النفط الوفيرة لتتحمل الحكومات مسؤولية الإنفاق على مجالات البنية التحتية، فنشأت المؤسسات الحكومية أو الأهلية المدعومة من الحكومة.

جاءت عملية "الإحلال والإبدال" في وقت تواجه الوحدة المجتمعية الخليجية خللا ديموغرافيا أفرزته حقبة النفط. فالخليج يواجه انفجارا في السكان الوافدين من غير العرب، إذ الأصل أن التكوين السكاني لمنطقة الخليج العربي معظمه من المهاجرين من المناطق المجاورة عبر فترات زمنية متفاوتة وطويلة نسبيا، أحدث اندماجا سكانيا فرضته ظروف الحياة التي عاشتها شعوب المنطقة. وقد كان عدد السكان قبل النفط مناسبا في حدود الموارد المتاحة حينها، والمعتمدة على بيئتي البحر والصحراء.

أما في العصر النفطي، فالأمر اختلف بعد أن شهدت المنطقة نهضة شمولية: إذ قفز حجم السكان إلى أرقام مرعبة، بسبب فائض العمالة الرخيصة، مؤهلة كانت أو غير مؤهلة، حتى زاد عدد الوافدين على المواطنين، وأصبحت المشكلة السكانية تؤرق دوائر صناع القرار السياسي والاجتماعي في المنطقة. ولم تنس إيران هذه المشكلة التي كان لها ضلع في توجيهها واستثمار الأقليات الإيرانية الشيعية -أو الزُرُدَشتية المستترة بالتشيع- التي استوطنت الخليج لأغراض تجارية ومعيشية صرفة، فعمدت إلى تحويلها إلى جماعات يتم توظيفها لصالح مشاريع شعوبية إبَّان البهلوية الشاهنشاهية، أو مذهبية مرحلة تصدير الثورة الخمينية، إلى جانب الموالين الشيعة من عرب الخليج، الذين تعتبرهم إيران من الطبقة الثانية في التصنيف العِرقي والطبقي.

سد الفارق الثقافي

أما على المستوى الثقافي، فقد تأثر بعوامل داخلية وخارجية مباشرة وغير مباشرة، ففي مجتمع الخليج العربي حدثت تطورات مهمة طيلة القرن العشرين والحادي والعشرين، كان لها تأثيرها الثنائي في هذا المجتمع، ففي بداية النهضة في المنطقة التي صاحبت دخول التعليم الحديث، ومع تصدير النفط كان المتعلمون يمثلون النخبة المثقفة في المجتمع، وكانت طموحاتهم في تطوير مجتمعهم كبيرة، ربما فاقت إمكاناتهم، وتفوق حتى إمكان تحقيق حدها الأدنى، وهي بحكم طبيعة المرحلة وفكرها وظروفها كانت تطمح للنهوض والتطور لاختصار الزمن، وتعويض فترات التأخر.

ولا بد من الاعتراف بأن التحرك الثقافي الإيراني قد ملأ فراغا مُميتا أحدثه تحوُّل المجتمع الخليجي السريع إلى مجتمع استهلاكي مُترهّل، وتوافر ثروة وكماليات شغلت الجيل الناشئ عن التأصيل الثقافي، وجعلت اهتمامه يتركز على مادية الحياة واللذة العاجلة، مع تسطيح ثقافي وضعف معرفي أسهمت فيه الحكومات الخليجية نفسها، ومن ثم تهميش لدور الثقافة في تنمية الفرد، ما عدا قِلَّة من المثقفين الذين استطاعوا أن يحفروا طريقهم -وفي الأغلب بجهودهم الذاتية- ليكونوا مثقفين حقيقيين، يبذلون جهودا غير عادية في التنوير وسط واقع لا يَعِي بعدُ أهمية وخطورة الثقافة في بناء المجتمعات وتطورها.

لقد نجحت إيران فعلا في خلق ثقافة موازية جديرة بالتبنّي من الشباب المنتمي إلى التَّشيُّع الولاياتي (من الولاية)، لأنها جعلت من الثقافة تِرسًا أصيلا في عملية النهضة الشيعية الشاملة، تحت مظلة الولي الفقيه وقيادته، فكانت الثقافة طريق إعادة صياغة الشباب الخليجي الشيعي، وكانت صناعة "الهوية الشيعية" هي القضية التي يحيا عليها الشباب ويموت، فسقطت بهذا "الهوية القومية" ومعها "الهوية الوطنية" التي كابدت حكومات الخليج لزرعها في النشء منذ استقلالها مطلع السبعينيات، وهذا في إطار تنامي محور شيعي ينخر الجسد الاجتماعي واللحمة العقدية في المنطقة.