إيران والغرب: مازالت الحرب بعيدة

بقلم: د. علاء أبو عامر

لم يعد السؤال في الآونة الأخيرة لدى معظم المراقبين للوضع في منطقة الخليج هل ستحصل حرب من قبل إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران أم لا؟ واصبح السؤال هو متى ستحدث هذه الحرب؟

وكيف سترد إيران وحلفائها في المنطقة وخارجها في هذا الصراع المحتدم ضدها وهل ستكتفي بتلقي الضربات الموجعة في عمقها من خلال التفجيرات التي تُهز منشآتها العسكرية واستهداف علمائها أم أن تحريكها القطع البحرية والمناورات التي تجريها باستخدام شتى أنواع الصواريخ هي استعداداً لحرب أكثر منها إرهابا أو ردعاً للعدو؟

يُعرف خبراء العلاقات الدولية الصراع عادة بتنازع الإرادات الوطنية، وهو التنازع الناتج عن الاختلاف في دوافع الدول وفي تصوراتها وأهدافها وتطلعاتها وفي مواردها وإمكاناتها …الخ، مما يؤدي في التحليل الأخير إلى اتخاذ قرارات أو انتهاج سياسات خارجية تختلف أكثر مما تتفق، ولكن برغم ذلك يظل الصراع بكل توتراته وضغوطه دون نقطة الحرب المسلحة .

كذلك فإن الصراع يمكن أن تتنوع مظاهره وأشكاله، فهو قد يكون صراعاً سياسياً أو اقتصادياً أو مذهبياً أو دعائياً أو حتى تكنولوجيا.

كما أن أدوات الصراع يمكن أن تتدرج من أكثرها فاعلية إلى أكثرها سلبية ومن نماذجها على سبيل المثال: الضغط والحصار والاحتواء والتهديد والعقاب والتفاوض والمساومة والإغراء والتنازل والتحالف والتحريض والتخريب والتآمر …الخ.

أما الحرب فلا يمكن أن تتم إلا على صورة واحدة وبأسلوب واحد، فهي الصدام الفعلي بوسيلة العنف المسلح حسماً لتناقضات جذرية لم يعد يجدي معها استخدام الأساليب الأكثر ليناً أو الأقل تطرفاً. ومن هنا فإن الحرب المسلحة تمثل نقطة النهاية في تطور بعض الصراعات الدولية.

من متابعتنا لتطورات أزمة ملف إيران النووي ندرك بأن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها في المنطقة إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة من العرب خاصة دول الخليج لن تقبل بامتلاك إيران للسلاح النووي مهما كلفها ذلك من ثمن، ولكن كون هذا الثمن قد يكون كبير فضلت هذه الدول التدرج في تصعيد الصراع فقد بدأت بالمفاوضات والمساومة والضغط والحصار والعقوبات والتحريض وأخيرا التخريب والاغتيال.

حتى الآن مازلنا في مرحلة الصراع والذي مازال فعل من جانب واحد أي من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل فهما يعبثان مع حلفاء إيران في المنطقة ويهزان مواقعهم وتحاول الدولتان تشتيت شملهم وإضعافهم وما يحدث في سوريا هو أحد أدوات هذا الصراع الأكثر سخونة بين الجانبين.

البعض يعتقد ان الولايات المتحدة وإسرائيل تحضران لحرب قد تبدأ خلال شهر أو شهرين على أكثر تقدير ويبني هذا البعض احتمالات الحرب على ما يراه في وسائل الإعلام من تصريحات للقادة الصهاينة وكذلك من ردات الفعل المتوعدة من جانب القادة الايرانيين، وما يرافقها من مناورات وحُشد للأساطيل والقطع البحرية في الخليج العربي، ولكن كل هذا لا يؤشر بعد إلى حرب حتمية بل يؤشر إلى تصعيد في درجة الصراع وانتقاله من مرحلة إلى أخرى قد تقود إلى الحرب وقد تؤدي إلى هبوط الصراع، وتهبيط الصراع بين إيران والغرب قد يحدث بسبب الخوف من مخاطر التصعيد وعدم القدرة على التحكم فيه، وقد يحدث كنتيجة للموازنات التي تجري بمقاييس الأرباح والخسائر، وقد يحدث ايضاً من خلال إعادة تعريف المصالح مما يؤدي إلى اختلاف في تقييم الموقف وحسابه، أو من خلال ضغط يمارسه طرف ثالث وقد يكون هذا الطرف روسيا أو الصين أو كلتاهما مجتمعتان مع دول البريكس وتركيا واليابان على إيران والولايات المتحدة بهدف إيجاد حل وسط للأزمة.

وكما هو معروف إن ما رفع درجة التوتر في هذه الايام وقاد إلى التصعيد هو حظر التعامل مع البنك المركزي الايراني وكذلك احتمالات حظر استيراد النفط الايراني إلى اوروبا وهو ما تعتبره إيران إعلان حرب لأنه يعني ببساطة تدمير اقتصادها وتجويع شعبها.

يضاف إلى ذلك التصعيد الإعلامي الإسرائيلي المنذر والمتوعد بالهجوم المباغت على إيران وفي اية لحظة يراها مناسبة، ومع أن الولايات المتحدة تحذر إسرائيل من ضرب إيران خشيةً من رد الفعل الايراني والذي قد يتمثل في ضرب إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، مما سيؤدي بدوره إن حصل إلى حدوث ازمة طاقة عالمية قد تعصف بالاقتصادات المؤزومة في أوروبا والعالم.

وإقدام إسرائيل على تصعيد الصراع إلى درجة الحرب أمر ممكن وواقعي وكذلك إقدام إيران على تنفيذ تهديداتها في حال أقدم الغرب على فرض حظر نفطي عليها هو أمر وارد بل ووارد جداً ولكن السؤال هو هل وصلت إسرائيل وإيران إلى قناعة بوجوب الحرب كمخرج للأزمة وهل استنفذت كلتاهما أدوات الصراع الأقل كُلفة؟

للجواب على ذلك يجب العودة لتسلسل الأحداث وتطوراتها حيث نرى أن إيران استخدمت في الفترة الأخيرة مجموعة من المناورات وهذه المناورات هي مجموعة رسائل تحذيرية يقصد منها ردع العدو وهو في هذه الحالة الولايات المتحدة، إذ لا تعتبر إيران تهديدات إسرائيل جدية وحتى لو كانت جدية فليست هي من سيرد على إسرائيل بل حزب الله اللبناني وربما سوريا ايضاً إذ هناك حلف دفاعي معلن بين الأطراف الثلاثة وهناك تقاسم أدوار وتوزيع للمهام، إيران سيكون ردها المباشر في دول الخليج والقواعد العسكرية الأميركية المحيطة بها في المحيط الهندي وآسيا الوسطى والقوقاز وقد يتجاوز الرد ذلك بناء على التطورات العسكرية وعدد الضحايا فيها حيث من المتوقع ضرب مصافي النفط ومحطات تحلية المياه في الخليج..وغيرها.

والسؤال الذي يُطرح هنا هل الرسائل الايرانية من خلال المناورات والتصريحات الاعلامية وما حملتها من تهديدات وصلت إلى دول الحلف المعادي لها كما هي ارادت؟

مفهوم الردع في العلاقات الدولية يعني: تقديم أدلة للعدو لا يمكن إخطاؤها عن توفر المقدرة الثأرية التي تكفل معاقبته عن أي محاولة من جانبه لإثارة الحرب لتحقيق هدف أو كسب معين من ورائها على حساب الدولة الرادعة.

ومكونات الردع: تتركز في استراتيجية فعالة للردع في الآتي:

1. المقدرة على الثأر.

2. التصميم على استعمال تلك المقدرة في ظروف ومواقف معينة.

3. القدرة على إلحاق ضرر بالخصم يفوق في حجمه ومداه اية ميزة يمكن أن يحصل عليها من خلال مبادأته بالضربة الأولى.

المتتبع للتطورات في منطقة الخليج العربي أو التصريحات والتسريبات الإعلامية التي تنشرها وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية تحديداً يصل إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل ستشن هجوما مباغتاً على إيران ودون تنسيق مع واشنطن وإن واشنطن ترجو إسرائيل عدم القيام بذلك فقد تحدثت صحيفة "وول ستريت جورنال" يوم الخميس أن اوباما تحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحذره من الاثار الخطيرة التي ستكون لهجوم عسكري على المنشآت النووية الايرانية. ونشرت الصحيفة "انه في الايام الاخيرة وفي نهاية الاسبوع حاول وزير الدفاع الاميركي ليئون بانيتا ومسؤولون آخرون الحصول من اسرائيل على ضمانات بأن ليس في نيتها الهجوم، وانها ستسمح بفرض عقوبات اخرى على ايران. وحسب المنشورات، في الاسبوع القادم سينضم الى مساعي الاحباط رئيس الاركان الاميركي، الجنرال مارتن دمباسي ايضا، والذي سيصل الى اسرائيل في محاولة لممارسة الضغط على المحافل الامنية."

هل يمكن تصديق هذه الحكاية أن أميركا تستجدي إسرائيل بعدم القيام بعمل عسكري ضد إيران!

إن أخبار كهذه تُشعر الإنسان بالدهشة في بادئ الأمر، ولكن مع تحليل بسيط للعلاقة بين البلدين يخالج المرء شعوراً مخالفاً لذلك تماماً ويقيناً المسألة ليست هكذا كما تروج وسائل الإعلام من باب الحرب النفسية، فهذا السلوك الاميركي يتنافى مع العقل، وطبيعة العلاقات بين الدولتين، فالعلاقة بينهما هي علاقة الأب بالأبن،والأدق علاقة الرجل بكلب حراسته، وإسرائيل الدولة الصغيرة مهما امتلكت من وسائل القوة فإنه ينقصها العمق الجغرافي وعمقها الجغرافي الوحيد هو الاسطول السادس الاميركي الرابض في مياه البحر الابيض المتوسط، وحرب مع إيران في ظل الانسحاب الاميركي من العراق يعني فتح جبهة ضدها تبدأ من أيران مرورا بالعراق وسوريا وتنتهي في لبنان وغزة حرب لن توقفها إيران متى ما بدأت حتى تنهيها وهنا نتذكر مشاهد مئات آلاف المجموعات البشرية المسلحة والتي تحمل الأكفان في حروب إيران مع العراق والتي اصبحت اليوم أكثر تدريبا وأحسن تسليحا، لذلك وبهذه الحسابات البسيطة من غير المنطقي أن تفتح إسرائيل على نفسها حرب طويلة الأمد، حرب قد تفتح أبواب جهنم عليها ولن توصد إلا بابتلاعها مع غيرها من دول المنطقة. لذلك لن تشن إسرائيل ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية دون تنسيق بينها وبين الولايات المتحدة ودول الخليج العربية، وهذه الأخيرة هي من سيدفع فاتورة الحرب كالعادة ومن المحتمل أن تتلقى الضربات الأكثر إيلاما من غيرها، وعليه فإن اقدام إسرائيل على ضرب إيران بشكل منفرد ومباغت هو أمر مستحيل..

وكل ما يحدث في هذا الشأن هو مجرد مفرقعات إعلامية إسرائيلية وبتواطؤ أميركي كامل قد يكون أحد أهدافها ابتزاز دول الخليج العربي مالياً حيث سارعت وأقنعتها واشنطن بشراء أسلحة بمليارات الدولارات وهو ما يعني تشغيل مصانع السلاح الاميركية وتوفير فرص عمل جديدة في أميركا ولا ندري إن كان هناك حصة لإسرائيل من ذلك المال فهي دولة تحصل على 7.5 مليار دولار سنويا على شكل هبات، ونحن مازلنا في البداية والحبل على الجرار...

ما يجعلنا نعتقد باستحالة العمل العسكري الإسرائيلي المنفرد ضد إيران هو قناعتنا بعدم وجود تهديد وجودي على إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة في الخليج من البرنامج النووي الايراني حتى لو كان هذا البرنامج يهدف إلى تطوير اسلحة نووية وهو ما لم تثبته وكالة الطاقة الذرية حتى الآن إذ من المعروف أن السلاح النووي هو سلاح دفاعي لا هجومي ولا يستخدم إلا في معركة وجود، وإسرائيل كما اصبح معروفا تمتلك القنابل الذرية ولديها كل الوسائل العسكرية من طائرات وصواريخ وغواصات لحمله وقذفه حيثما تريد...وهذا يعني قدرتها على ردع أي دولة عن مهاجمتها بأسلحة غير تقليدية هذا بالإضافة أن حاضنتها وحاميتها وحليفتها الولايات المتحدة موجودة في المنطقة بجيوشها وقنابلها النووية وتستطيع الرد على إيران وغير إيران.

الصحافة الإسرائيلية تتناول الموضوع الايراني يوميا وتقول أن "هذه السنة سيُتم الايرانيون ادخال مشروعهم الذري الى عمق كبير داخل الارض، ومنذ تلك اللحظة سيصبح هجوم جوي أقل فاعلية بكثير. لهذا توجد ضرورة في ظاهر الامر للهجوم بأسرع وقت ممكن".

ولكن يراهن الاسرائيليون على وجود " امكانية اخرى ايضا أكثر واقعية وأكثر قربا من الاشتعال وليست لها صلة بمهاجمة المنشآت الذرية الايرانية. فحوى هذا السيناريو أن الايرانيين سيكونون أول من يضغط على الزناد بسبب الطوق الاقتصادي الخانق والعزلة الدولية اللذين يزدادان احكاما حول أعناقهم. فقد بدأوا يُدفعون الى الحائط بسبب الضغوط التي أصبحت مستعملة عليهم وأكثر من ذلك بسبب الضغوط التي ستُستعمل عليهم في القريب جدا".

إن التهديد الايراني بإغلاق مضيق هرمز ومنع تدفق إمدادات النفط من خلاله سيكون شاغل العالم خلال الايام المقبلة وربما الشهور القادمة وسيتوارى المشروع النووي الايراني خلفه وبهذا تكون تهديدات إيران العسكرية أو تنفيذها لهذه التهديدات في إطار محدود كفيل بإعادة التفاوض على احترام مصالح كل من الولايات المتحدة وإيران ووضع خطوط حمراء جديدة لهذا الصراع الذي سيستمر لفترة ما، ولكن دون وصوله إلى مرحلة الحرب في الفترة القريبة القادمة أي خلال هذه السنة كما تشير معظم التقارير الإعلامية والتحليلات الإسرائيلية والغربية وإن حصل احتكاك عسكري هنا وهناك فسيظل محدود..

ما يحدث في الخليج والمنطقة عموماً هو صراع إرادات وصراع مصالح وهناك خوف أميركي غربي على إسرائيل ومستقبلها وعلى منابع النفط والطاقة في الخليج وهما مصلحتان حيويتان للولايات المتحدة الاميركية واي تهديد لهما يعني الدخول في حرب شاملة معها ولكن لم تصل الأمور بعد إلى نقطة الحرب فالحظر النفطي الاوروبي قد لا يتم فعليا وإذا تم سيستثنى منه مجموعة دول كإيطاليا واسبانيا واليونان وتركيا وستقاطعه الصين وكوريا وغيرها من دول آسيا وفي خلال جولة الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى أميركا اللاتينية يبدو أنه سُوق النفط هناك ووجد مُشترين جدد لنفطه، التكهن فيما سيحدث نتركه إلى العرافين وقارئي الفنجان والنجوم ولكن قراءة أحوال الطقس تعلمنا أنه إذا تلبدت الغيوم فإن هناك مطر، ولكن ليس دائماً يصدق هذا التنبؤ فقد تدفع الرياح بهذا الغيم ولا يهطل كما كنا نظن ولكننا نعرف أنه سيهطل حتماً إذا سمعنا صوت الرعد، مازال المطر بعيدا فأصوات الرعد ولمعان البرق لم يحصل بعد، إذ مازال في جعبة أميركا وحلفائها أدوات صراع لم تستنفذ بعد وسنرى إن كانت إيران ستركع أم ستقاوم وتفجر المنطقة بطريقة شمشونية يحذر منها الجميع.

د. علاء أبو عامر

أستاذ العلاقات الدولية – غزة

Dr.alaaabuamer@gmail.com

www.alaaabuamer.com