إيران... حلم الإمبراطورية وحقيقة التوسع

أمام طموح إيران في تجذير نفوذها داخل تربة الخليج ومن ثم تكون الرقعة الجغرافية الممتدة من الشمال (آسيا الوسطى) إلى الجنوب (الخليج)، ومن الشرق (أفغانستان) إلى الغرب (العراق وسوريا ولبنان)، تكون تحت السيطرة الإيرانية. إنه الحلم الذي يراود الحاكم هناك. هنا نطرح السؤال الإستراتيجي هل كان من الممكن ركون الدول العربية إلى التمني بأنه ربما تستفيد من برنامج إيران النووي بدعم هذه الأخيرة حقها في اكتساب التكنولوجيا النووية؟ ونتساءل بعد انكشاف طهران وأدواتها في المنطقة أين ستقف هذه الدول سياسيا واستراتيجيا هل مع الدول الغربية المناهضة لامتلاك إيران لهذه التكنولوجيا أو مع المشروع الإيراني النووي، أو ستقف موقف الحياد؟

هناك من يروج إلى هذه الفكرة بأن إيران النووية ستصبح رصيدا إستراتيجيا للدول العربية، ومنها تستمد التكنولوجيا العسكرية وإليها تلجأ في وقت التصعيد مع الأعداء أيا كانوا! لكن عندما نستقرئ سياسة إيران الخارجية وسلوكها الاستفزازي مع الجيران ومنهم الإمارات حول الجزر أو إغراءات نظام الإخوان عبر الرئيس محمد مرسي ومحاولاتها في البحرين، نرى أن الاستفادة من نووي ايران مجرد حلم أو على الأقل أمنية لن تتحقق الا بالدخول تحت عباءة المرشد، ونجد أن هذا الطرح يدخل في إطار الدعاية لنظام الملالي في طهران. فتوجهات إيران تاريخيا كانت إمبراطورية وذلك بامتلاكها لكافّة المقومات العسكرية والاقتصادية للتمدد والمواجهة أو التطلع إلى دور إقليمي وعالمي فاعل، مع احتكار لمعظم موارد واحتياطيات النفط العالمية ومحاولة استكمال مشروعها النووي.

إن البرنامج النووي الإيراني لم يكن وليد اليوم بل هو استمرارية من العهد الشاهنشاهي إلى العهد الثوري وهذا ما يعزز رؤية ثابتة واستراتيجية مستمرة للدولة الإيرانية رغم اختلاف طبيعة النظامين. إذن سعي إيران الذؤوب لتطوير برنامجها النووي في نظرنا ليس فقط لأغراض سلمية بل أيضا لأهداف عسكرية، وتصريح أية الله مهاجراني، نائب الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، في 23 أكتوبر 1991 يؤكد أن "امتلاك إسرائيل للسلاح النووي يجعل من الضروري على الدول الإسلامية أن تتزود بنفس هذا السلاح، ويجب أن تتعامل من أجل الحصول عليه". في نفس العام 1991 وأثناء حرب الخليج الأولى التزمت إيران الحياد المدروس جيدا والذي عاد عليها بالنفع حيث خرجت من عزلتها وأصبحت مركزا مثاليا للإتصال والمشاورة خلال الأزمة، لتتبوأ مرتبة متقدمة خصوصا مع تراجع دور العراق العسكري ومن ثم تصنع لنفسها نفوذا في المنطقة وتزيد توثيق علاقاتها مع سوريا استراتيجيا واعتبارها مجالا حيويا مهما بالنسبة لها.و في السياق نفسه دعت جريدة "الجمهورية الإسلامية" في نفس الفترة إلى إنشاء تحالف إيراني خليجي تهيمن فيه إيران على اعتبار أنها تمتلك شروط القوة اللازمة لحفظ أمن المنطقة.

كنتيجة يتبين أن إيران لم تتوانَ في البحث عن الاعتراف بها كقوة إقليمية فاعلة ومرجع في صناعة القرار الدولي في المنطقة والعالم. وعطفا على ما سبق فأنشطة إيران الخارجية تثير مزيدا من القلق والريبة لاسيما بتدخلها في العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003 وفي لبنان عبر صنيعتها حزب الله الذي تدخل سَاسَتُهُ بشكل سافر في الأزمة السورية وعبر فلسطين بدعم حماس التي تمر الآن بتوتر في العلاقة مع طهران بسبب الموقف مما يحدث في سوريا وكذلك اليمن عبر الحوثيين.

بالعودة إلى المشروع النووي الإيراني الذي يتماشى مع سياساتها النفعية والتدخلية لابد في هذا الإطار من استحضار صفقة السلاح مع إسرائيل في 1981 وأخرى مع أميركا والغرب فيما يخص أفغانستان والعراق، وتحايلها التكتيكي على العقوبات بإبرام صفقات مقايضة النفط بالذهب والحبوب لعرض بيع نفطها مع الصين والهند وروسيا وكوريا الجنوبية.

إن امتلاك إيران للسلاح النووي وشراستها في توطين قدمها في منطقة الشرق الأوسط يمكن إدخالهما تحت بند تقوية مجالها الحيوي الذي تدافع عنه بمنافستها إسرائيل وأميركا في المنطقة وحولها، ومحاولتها السيطرة عليها بتقويض أي دور لأي دولة إسلامية سنيّة تنافسها في الإقليم. فحماية مكتسباتها الإقليمية المتزايدة منذ عام 2003 بتسهيل تدخل أميركا في العراق، وهى مكتسبات تركزت حول تعاون استراتيجي في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، ومن ثم فأي ضربة لهذه المرتكزات سوف تخلخل مشروعها الإمبراطوري، ومن هنا تحذوها الرغبة في امتلاكها للدور المهم في صياغة العلاقات الإقليمية - الدولية في منطقة الشرق الأوسط بعد ترتيب الأوراق داخل المنطقة، خصوصا بعد الحسم الدولي في الملف السوري الذي تعتبره عصب إستراتيجيتها داخليا بتدعيم موقع المرشد والتيار المحافظ واقليميا بتصدير نموذجها الديني من اجل الهيمنة ودوليا. فما يحدث الآن على الأرض السورية هو صراع من أجل الوجود لجميع الفاعلين وخصوصا ايران خدمة لموقفها في الحفاظ عن مصالحها إقليميًّا خصوصا في اليمن وسوريا والعراق بعدما وقفت حركة حماس إلى الجانب الآخر المضاد لطهران فكان الرد ماديا بسحب الدعم المالي.

هذه كلها أوراق تفاوضية تستغلها من أجل مصلحة مباشرة أكبر بالنسبة لها فحزب الله وحركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وجيش المهدي وحزب الدعوة الإسلامية‎ والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي في العراق والقوات المناهضة لطالبان والمؤيدة لها في أفغانستان كلها عناصر تفاوضية بالنسبة لها، في السياق نفسه عمقت إيران علاقاتها مع الصين وروسيا للاستفادة من الخبرة التكنولوجية والعسكرية لهما عوض التكنولوجيا الأميركية والغربية.

إقليميا تعتبر إيران الدولة الثانية بعد إسرائيل التي تمتلك القدرة على إطلاق أقمار اصطناعية وذلك بعد أن دشَّنَتْ في 4 فبراير 2009 قمرا اصطناعيا من صنعها، حيث أطلقته بواسطة صاروخ "سفير2". ويُعَدُّ هذا مصدرا للقوة الإيرانية في محاولتها تحقيق مشروعها التوسعي. بالإضافة إلى امتلاكها لترسانة صاروخية لا يستهان بها من طراز شهاب 1، 2، 3، 4، 5 وأخرى مثل "زلزال" و"الفاتح "، فضلا عن امتلاكها للأسلحة الكيماوية والبيولوجية وتكنولوجيا تصنيع الغواصات ومجموعة طائرات بدون طيار.

إن امتلاك إيران للقوة العسكرية والنفطية تعتبر من أهم ركائز سياستها الخارجية والتفاوضية، وهذا ما يتبين من صعوبة فصلها القوة عن المصلحة باعتبارها العامل المركزي في المكانة التي تناضل من أجلها دوليا وإقليميا، وما دامت إيران قد حسمت موقفها باعتمادها القوة والبرغماتية في تصريف شؤونها الداخلية والخارجية فكان من الضروري امتلاك الدول المنافسة في الشرق الأوسط والدول ذات المصلحة من امتلاك نفس اللغة المتمثلة في القوة الشاملة والنظرة الواقعية للمصالح لجعل علاقتها مع إيران يطبعها التوازن الاستراتيجي حتى لا تكون العلاقات مختلة لصالح الطرف الأقوى مما يؤدي إلى صراعات عاصفة وعدم استقرار وتوتر دائم.

بموازاة القوة العسكرية والنووية هناك سلاح لا يقل فتكا إنها الإيديولوجية والخطاب الديني الذي تلعب عليه دعما لمواقفها وتدخلاتها فمنذ ثورة الخميني صاغ صناع القرار في طهران مجموعة من المبادئ تتلخص في، - التصدي للولايات المتّحدة وإسرائيل - وأن إيران هي أمل المستضعفين والمظلومين - وهي المدافعة عن حقوق المسلمين، بهذه الذهنية حاولت إيران اكتساب تعاطف الشعوب الإسلامية وذلك بإخفاء التطلع الاستراتيجي للسيطرة والتوسع ببرغماتية كبيرة، وما يقع في سوريا ولبنان حاليا عبر حزب الله الذي لم يخفِ ولاءه المطلق للمرشد الإيراني ومن تدخل طهران المباشر وسيطرتها على القرار السياسي داخل العراق لهو الدليل العملي على استدعائها كل ما هو ممكن من أجل التمكن والتوسع وإنجاح مشروعها الكبير والبعيد المدى ولا يهم ما تضخه من أموال ودماء خدمة للهيمنة ومن ثم فالمثلث الذي ارتكزت عليه الخمينية قد نسف على أرضية التدخلات المشبوهة في شؤون الجيران بما لا يخدمهم على جميع الأصعدة.