إيران تريد حليفا مطيعا في العراق

الصدر يريد قطع الطريق على عودة المالكي للحكم

بغداد – تختزل الاحتجاجات في العراق معركة ليّ أذرع بين زعماء الشيعة المتنفذين ومشهدا معقدا من التنافس بين الموالين لإيران ولمرجعية قم ومنافسيهم الذين يرفعون شعارات قومية ويظهرون تمسكا بالمرجعية المحلية في النجف.

ويعد الشارع العراقي الساحة التي يفضلها رجل الدين الشيعي القوي مقتدى الصدر في نزاله مع خصومه وعلى رأسهم نوري المالكي الطامح للعودة للسلطة من بوابة رئاسة الوزراء، مراهنا على دعم إيران المتغلغلة في العراق والتي تبحث بدورها عن حليف عراقي قوي مطيع في مواجهتها للسياسات الأميركية في المنطقة مع وصول الجمهوري دونالد ترامب للسلطة.

ومثلت الاحتجاجات الدامية التي نظمها أتباع الصدر في بغداد في مطلع الأسبوع علامة على تجدد الصراع على السلطة بين زعماء الشيعة في العراق والذي كان قد تأجل للتركيز على الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وأثبت الصدر مرة أخرى قدرته على تحريك الشارع في مواجهة خصمه (المالكي) أو على الأقل أرسل رسالة للزعماء الشيعة الموالين للمالكي أنه رقم صعب في معادلة الحكم والنفوذ.

وفي الوقت الذي بات فيه من المؤكد أن القوات العراقية ستلحق الهزيمة بالدولة الإسلامية في الموصل هذا العام بدأ الصدر حشد أتباعه قبيل استحقاقين انتخابيين أحدهما لمجالس المحافظات في سبتمبر/أيلول والآخر للانتخابات البرلمانية في أبريل/نيسان 2018.

ومنافسه الرئيسي هو رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وهو سياسي موال لإيران بدأ يروج لنفسه العام الماضي كمتحكم محتمل في ميزان القوى أو حتى لعودته لرئاسة الوزراء نفسها.

وظهرت تداعيات الصراع السياسي في شوارع وسط بغداد السبت الماضي عندما قتل خمسة متظاهرين ورجل شرطة في اشتباكات بين قوات الأمن وأتباع الصدر الذين طالبوا بإصلاح مفوضية الانتخابات الحكومية التي يعتقد الصدر أنها تحابي المالكي.

ومن شأن عودة المالكي إلى السلطة أن تعزز نفوذ إيران في بغداد مما يعطي طهران ثقلا في أي صراع مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي فرضت عقوبات جديدة على طهران في أعقاب اختبارها الصاروخي الشهر الماضي.

وعلى الرغم من أن الصدر يجهر بعدائه ورفضه للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط وقضى وقتا كبيرا في إيران فإن درجة اعتماد طهران عليه كحليف لها في بغداد ستكون أقل. وعلاقته مضطربة بالجماعات السياسية العراقية المتحالفة مع إيران ويصور نفسه على أنه مؤمن بقومية العراق.

وانتهت سنوات المالكي الثماني في الحكم في العام 2014 عندما انهار الجيش العراقي أمام زحف تنظيم الدولة الإسلامية مما اضطره إلى تسليم السلطة لرئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي. وينتمي الرجلان لحزب الدعوة.

ويعمل الآن نائبا للرئيس وهو منصب شرفي، لكنه لا يزال يتمتع بنفوذ هائل إذ يرأس حزب الدعوة الذي يسيطر على أكبر كتلة في البرلمان.

وتمكن العبادي وهو سياسي شيعي معتدل من العمل بصورة أفضل مع الأميركيين الذين ساعدوا في إعادة بناء الجيش وقدموا دعما جويا وبريا حاسما للقوات التي تقاتل المتشددين السنة الذين سيطروا على ثلث العراق في 2014.

وانتهت القوات العراقية من المرحلة الأولى من حملة استعادة الموصل كبرى المدن الواقعة تحت سيطرة الدولة الإسلامية إذ طردت التنظيم المتشدد من الجانب الشرقي للمدينة.

ويشرف العبادي على القتال المستمر منذ عامين، لكنه يفتقر للثقل السياسي كالذي يمتلكه الصدر أو المالكي.

وقال واثق الهاشمي رئيس المجموعة العراقية للدراسات الإستراتيجية ومقرها بغداد "العبادي أتى بحكم تسوية بين الأميركان والإيرانيين."

وأضاف "إلا أن هذه المعادلة قد لا تستمر في ظل تصعيد إدارة ترامب ومن المؤكد أن إيران ستسعى إلى أن يكون لها حليف قوي في بغداد" للسيطرة على الانتخابات البرلمانية العام المقبل.

وقال الرئيس الأميركي الجديد إنه "وجه تحذيرا" لإيران بعدما أجرت تجربة لصاروخ باليستي متوسط المدى في يناير/كانون الثاني.

وتقول بعض القوى الغربية إن إطلاق صاروخ باليستي قادر على حمل رأس نووي ينتهك قرارا لمجلس الأمن الدولي أقر اتفاقا يخفف من العقوبات الدولية على طهران. وتقول إيران إن إطلاق الصواريخ لا ينتهك الاتفاق.

ووضع التصعيد ووقف إدارة ترامب استقبال المهاجرين من سبع دول ذات أغلبية مسلمة العبادي في مأزق، فقد قاوم دعوات من ساسة شيعة عراقيين موالين لإيران بالرد بالمثل على الحظر مستشهدا بحاجة العراق إلى الدعم العسكري الأميركي.

وفي تعليقه على اتصاله الهاتفي يوم الخميس مع ترامب قال إن بغداد ستبتعد عن التوتر الأميركي الإيراني.

دعوات لإنهاء الفساد

ونظم أتباع الصدر عدة مظاهرات العام الماضي للمطالبة بإجراء إصلاحات لمكافحة الفساد واقتحموا المنطقة الخضراء وهي منطقة شديدة التحصين تضم مباني حكومية وأخرى تخص بعثات دبلوماسية أجنبية بعد اشتباكات مع قوات الأمن.

ويحتل العراق الغني بالنفط المركز 161 على مؤشر الفساد لمنظمة الشفافية الدولية الذي يضم 168 دولة.

وبعد 14 عاما على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وأطاح بصدام حسين لا يزال ذلك البلد يعاني من نقص في الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات، بينما تئن المنشآت والبنية الأساسية تحت وطأة إهمال واسع النطاق.

والاحتشاد في الشوارع مهم للصدر إذ لا يمكنه الاعتماد على داعم إقليمي للحفاظ على شعبيته أمام تعاظم نفوذ المالكي المدعوم بقوة من إيران.

وفي رد فعله على مقتل أتباعه مساء السبت قال الصدر إنه يعلق الاحتجاجات في الوقت الحالي، لكنه أضاف "دماء شهدائنا لن تذهب سدى."

وقال الهاشمي إن العنف الذي اندلع السبت الماضي لن يؤذن على الأرجح بتغير كبير في ميزان القوى، لكن المحتجين أوصلوا رسالة مفادها أن الصدر لا يمكن تجاهله.

وأضاف أن الاحتجاجات مكنته من "استنهاض جمهوره بشعارات وطنية وتأكيد زعامته."

والصدر هو سليل عائلة من رجال الدين عانت في ظل حكم صدام حسين. وفي حين ظلت عائلة الصدر في العراق فر منافسوه الشيعة الرئيسيون ومن بينهم المالكي ولم يعودوا إلى العراق إلا بعد الغزو.

ودربت إيران وسلحت فصائل شيعية تعرف مجتمعة بقوات الحشد الشعبي لمواجهة الدولة الإسلامية. ولدى معظم قادتها صلات وثيقة بالمالكي.

ويتهم حزب الدعوة الصدر بعرقلة الحرب على الدولة الإسلامية، قائلا إن احتجاجات الشوارع تزيد العبء على القوات المسلحة في وقت تقترب فيه من إخراج المتشددين من الموصل آخر معقل كبير للتنظيم المتشدد بالعراق.

كما يتهم النائب البرلماني أحمد البدري المقرب من المالكي التيار الصدري بالفساد أيضا. وقال "الانتخابات على الأبواب والجميع يريد أن يكسب الشارع ولكن الجميع أيضا بمن فيهم التيار الصدري داخل دائرة المحاصصة والفساد بحكم مشاركتهم في عدة حكومات."

ويرفض أتباع الصدر الاتهامات بعرقلة الحرب. وقال موظف حكومي يدعى علي عبدالمهدي (42 عاما) خلال مشاركته في مظاهرة السبت "الفساد هو الذي سمح بدخول داعش. اثنينهم (كلاهما) في نفس الكيس."