إيران اليوم ليست إيران 1979

بقلم: عمر كوش

شكلت الثورة الإيرانية حدثاً هاماً في الفكر السياسي والفلسفي العالمي، أعلن بداية زوال حقبة الحرب الباردة والنظام الدولي المؤسس عليها، تلك الحقبة التي تواضع عليها المؤرخون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ خرج هذا الحدث، لأول مرة في التاريخ السياسي للنصف الثاني من القرن العشرين المنصرم، عن منطق تحكم الاستقطاب الثنائي للعالم، الذي أدار الأزمات والصراعات في العالم وفق منطق توازن القوى ومتطلبات ومصالح قطبيه المهيمنين وقتئذ، وتشكلت هوية إقليمية تلونت بصورة إسلامية شمولية. وقد جرى وقتها تهويل الحدث الإسلامي، حيث صوّر على أنه تهديد وتحدّ سافر للغرب، لكن العقد الأخير من القرن العشرين كشف زيف مثل هذه الخطابات والدعوات، فقد أنتجت الثورة، مع مجيء خاتمي إلى الحكم، فلسفة للحوار والتعاون بين الحضارات على المستوى الخارجي، ودعوة للإصلاح والتغيير على المستوى الداخلي.
وكان المأمول من مجيء خاتمي إلى رئاسة الجمهورية الإيرانية استبدال الشمولية بصيرورة جديدة، تتسم بقراءة واضحة لمتغيرات العالم المتسارعة، وتمتاز بإفساح المجال أمام قوى المجتمع بالظهور والتعبير عن مكنوناتها وفعالياتها. لكن القوى الحيّة في إيران لم يكن بوسعها إيجاد السبل القادرة على وضع استراتيجية تهدف إلى تحقيق النمو الاقتصادي وفك الارتباط مع التبعية، والتعايش والتسامح بين مختلف الجماعات المذهبية والاثنية، لأن هذا الأمر يتطلب المزيد من الحريات وإطلاق المبادرات الكفيلة بتحقيق الديمقراطية على مختلف الأصعدة والمجالات، ولا شك أن المخاض العسير لإصلاحية خاتمي، كشف مدى الصعوبات والمقاومات الإيديولوجية المختلفة، التي توظف الدين توظيفاً أداتياً، وخصوصاً في أوساط التيار المحافظ.
لكن إيران اليوم، ومعها مختلف الدول العربية والإسلامية، مدعوة إلى إيجاد معادلة صحيحة بين الحاكم والمحكوم في إطار علاقات الدولة والمجتمع المدني ومؤسساته، بما يعني التفتح وإطلاق التعددية، وإيجاد معادل يجمع بين قوى المجتمع الحيّة والدولة، كي يصبح الانتماء إلى الدولة وفق منطق المواطنية القائم على التعاقد الحر، وليس وفق منطق الولاءات القبلية أو الإثنية أو الطائفية أو المذهبية.
وفي الوقت الحالي، تعيش إيران أياماً تاريخية مع احتجاجات وتظاهرات الطلبة التي اتسعت لتشمل العديد من المدن الإيرانية، وهي تشكل مؤشرات واضحة على انعكاس سقوط نظام الاستبداد في بغداد والاحتلال الأمريكي للعراق، وتأتي في سياق وضع إقليمي ودولي جديد، حيث التحريض والدعم الأمريكيين لها واضحين بشكل علني. لكن لولا الطلبة الإيرانيون الذين يتظاهرون كل يوم ضد ولاية الفقيه، وضد خامنئي تحديداً، بوصفه رأس النظام، أي لو لم يكن الشارع مهيأ للاستجابة للتحريض، لما تجرأ على مواجهة ميليشيا النظام، وتحطيم هيبة المرشد الأعلى للثورة والخروج عليه.
هذا الوضع الجديد في إيران يبرهن على أن إيران اليوم، بعد احتلال العراق، ليست إيران 1979. ففي ذلك الوقت اتحدت الغالبية الإيرانية خلف ثورة تسلحت بالدين، لكن الجمهورية المتمسكة بتلابيب الثورة الإسلامية لم تعد واحدة، في ظل الصراع بين المحافظين والإصلاحيين، وفشل خاتمي في تنفيذ برنامجه، وفي ظل يافطة التخوين والتكفير التي ترفع ضد أي مطالب بالتطوير والتحديث. مع ذلك فلن ينفع التخوين والتكفير، ولا حتى عصي شرطة النظام ولا بنادق حراسه، في تفريق حشود الطلبة اليومية في الجامعات. والأجدى للنظام أن يتوقف عن تجريم كل رأي مخالف، ووصم كل مطالب بالتغيير بتهمة العمالة للشيطان الأمريكي، وأن يبحث عن صيغة ما أو مصالحة ما بين "ولاية الفقيه" ومتغيرات العصر الجديدة، خصوصاً وأن جيل المتظاهرين من الطلبة لم يعد يرضى بالشعارات، ولا بالمزيد من المعتقلات والسجون.
ومن المفارقة أن مواقف النظام الإيراني "العقلانية" من حرب أفغانستان والحرب على العراق لم تنفع في إرضاء صقور الإدارة الأمريكية الحالية، كما لم يتمكن خاتمي من فعل شيء هام طوال فترته الرئاسية، فهنالك في إيران رأس أعلى فوق الجميع، بل ودولة داخل الدولة، الأمر الذي يجعل من كل محاولة في الإصلاح أو التغيير مجرد محاولة يائسة. ولم يتجرأ خاتمي على قول ذلك، كما لم يستفد من أحداث وتظاهرات الطلبة في 4 تموز 1999، الأمر الذي جعل اليأس من قوى النظام محركاً لتظاهرات اليوم، حيث أحست غالبيتهم بعدم قدرة خاتمي على تنفيذ وعوده في الإصلاح، ما جعل الشارع الإيراني يحس كذلك بوجود حالة من الانغلاق المحكم، ولم يبق أمامه غير اليأس والإحباط، فقاطع الانتخابات البلدية الأخيرة، إضافة إلى أن قوى النظام لم تستفد من الدرس العراقي، وبالتالي لم يجد الطلبة بدءاً من النزول إلى الشارع.
تاريخياً، شارك الطلبة الإيرانيون في جل الأحداث التي حصلت في إيران، ونذكر هنا الدور الهام الذي أدوه في التغيير السياسي داخل إيران إبان عهد الشاه والثورة الإسلامية. وإن بدا اليوم حراكهم محدوداً، لكنه يمتلك أهمية خاصة للدلالة على مدى الأزمة السياسية التي يتخبّط فيها النظام، وكذلك مدى فشل الإصلاحية الخاتمية. فالإصلاح الاقتصادي انتهى إلى الفشل، حيث تأزم الوضع المعيشي لغالبية السكان إلى درجة صار فيها أكثر من نصفهم تحت خطّ الفقر، بينما يزداد الفساد في قطاع الدولة ومؤسساتها. كل ذلك يكشف عن عمق الأزمة التي تتحكم فيها ازدواجية السلطة، وعن حالة الوصول إلى الأفق المسدود الذي تقف وراءه مراكز القوى ونفوذها المتوارث من عهد الخميني.
وإن كان الجديد في تحركات الطلبة هو دعوتهم خاتمي إلى التنحي عن السلطة، في حين اعتبرته جموعهم في عام 1996 مخلصاً ومنقذاً من سلطة "ولاية الفقيه"، فإن دعوتهم اليوم تعبر عن الوصول إلى حالة من اليأس وخيبة الأمل، وبالتالي فهي دعوة للتجاوز. لكن في ظل غياب برنامج واضح المعالم للتغيير، فإن حركة الطلبة والشارع في إيران ستظل مفتوحة على احتمالات عديدة، وسيتوقف عليها في المدى القريب الوضع السياسي في إيران، خصوصاً مع تزايد الضغوط الأمريكية. ومع ذلك فإن المخاض الذي تمرّ به إيران اليوم يدعو إلى التأمل والوقوف طويلاً أمام حال الانقسام في السلطة وما يستتبعه من إرهاصات مجتمعية، ولن يجدي نفعاً أي حل لا يفضي إلى الديمقراطية، وإلى التوافق الاجتماعي والسياسي في ظل التعددية وإطلاق العنان لقوى المجتمع الحية في التعبير عن نفسها. (اخبار الشرق) * عمر كوش، كاتب وباحث سوري