إيران: المأزق الأميركي وسيناريو المحاصرة

بقلم: د. عبدالهادي التميمي

يوجد تشابه كبير بين مجريات التحضيرات الأميركية البريطانية، التي ساهم فيها محمد البرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لغزو العراق واحتلاله، والتحركات الدبلوماسية الأميركية، بدعم بريطاني، لمحاصرة ايران وإجبارها على التخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم. فقد سبق احتلال العراق مزاعم أميركية بريطانية من "رعب" نووي عراقي وأسلحة دمار شامل قد تنطلق ضد المصالح الغربية والأميركية خلال خمس وأربعين دقيقة، حسب زعم رئيس الوزراء البريطاني، وتهديد العالم المتحضر والديمقراطية والحرية. وقد مرت الخطوات التحضيرية في أروقة الوكالة الذرية وهيئات الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي الذي أصدر قرارات إستنادا الى الفصل السابع من الميثاق الخاص بحماية السلم والامن الدوليين وبالتالي فسره الأميركيون، وعرب متأمركون، أنه ترخيص باستخدام القوة العسكرية ضد العراق.
كان دور لجنة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل العراقية (أنسكوم) ومن ثم لجنة مراقبة الأسلحة العراقية المحظورة (أنموفيك) ولجنة الطاقة الذرية حاسما في توفير غطاء فني ومهني ودولي "مزيف"، للقرار الأميركي البريطاني بغزو العراق واحتلاله. ولقد أصبح معروفا، ومعترفا به أميركيا وبريطانيا، عدم وجود أسلحة دمار شامل عراقية سواء على مستوى الانتاج أو الانتشار أو البرامج. وقد سعى المسؤولون العراقيون في مؤتمرات صحفية ورسمية إلى التأكيد على خلو العراق من تلك الاسلحة. غير أن الوكالة الدولية، برئاسة البرادعي، ولجنة الامم المتحدة رفضت تقديم جواب قاطع، وماطلت طويلا مستخدة لغة ملتوية وتشكيكية وتضليلية حسب التوجيهات الأميركية البريطانية.
وعندما سربت مجلة نيوزيوك الأميركية في شهر فبراير/شباط 2003 أي قبل غزو العراق بشهر، خبرا عن وجود تقرير سري للجنة التفتيش عن الاسلحة لدى المخابرات الأميركية والبريطانية، يؤكد خلو العراق من تلك الاسلحة منذ بداية التسعينيات، سارع ناطق باسم المخابرات الأميركية، في تصريح نادر وغير معتاد، لينفى ذلك التقرير ويصف الخبر بالكذب. غير أن الكاتب يملك نسخة الان من ذلك التقرير الذي لم تنشره الامم المتحدة أو لجان التفتيش عن الاسلحة وبقي مخفيا كي يواصل المسؤولون الأميركيون والبريطانيون حملتهم المبرمجة لتأليب الدول الاخرى والرأي العام ضد العراق. وضعت علامة "سري وحساس" على محتويات ذلك التقرير الذي هو عبارة عن تدوين لمقابلة "تحقيق" أجراها فريق من لجنة أنسكوم مؤلف من رالف إيكيوس رئيس اللجنة والبروفسور موريزيو زيفيرو نائب رئيس وكالة الطاقة الذرية ورئيس لجان التفتيش في العراق والدبلوماسي نيكيتا سميدوفيتش رئيس فريق التفتيش عن الصواريخ، مع حسين كامل، صهر الرئيس العراقي المنشق، في أحد القصور الملكية الاردنية، في عمان، في الثاني والعشرين من شهر أغسطس/اب 1995 في تلك المقابلة «التقرير» تأكيد على قيام العراق بالتخلص من جميع أسلحته الكيمياوية والبايولوجية والصاروخية ومعامل انتاجها منذ عامي 1991-1992.
ويصف الاعلام الأميركي والغربي الان، وكذلك العديد من المسؤولين الغربيين والأميركيين، إخفاء المعلومات الحقيقية بأنها سياسة "تضليل" متعمدة لتحقيق مآرب سياسية وخرق للقانون الدولي.
وفي الموضوع النووي الايراني يسير المسؤولون الأميركيون على المنهج ذاته من خلال الوكالة الذرية ومجلس الامن وفق برنامج مدروس يؤدي الى إصدار مجلس الامن لقرار ملزم وفق الفصل السابع يأمر إيران بوقف تخصيب اليورانيوم والامتثال لتعليمات وكالة الطاقة الذرية بعد أن وفرت تلك الوكالة الغطاء المطلوب في تقريرها الجديد الذي يتهم ايران بعدم تنفيذ التزاماتها. ومع ذلك لا يعتقد العديد من المحللين والسياسيين أن يؤول المخطط الأميركي الى ما آلت اليه الحالة العراقية، أي الغزو أو الحرب على ايران لأسباب كثيرة أهمها: المأزق الأميركي في العراق، وانهيار مصداقية السياسة الأميركية-البريطانية، وانفضاض العديد من الدول والهيئات عن مساندة المشروع الاستراتيجي الأميركي في المنطقة بسبب انكشاف "التضليل" الذي واكب التحضيرات لغزو العراق. وعلى الارجح أن الهدف الأميركي البريطاني الوحيد القابل للتحقيق هو محاصرة ايران بقرارات دولية وتهديدات مبطنة وتسريبات، وربما عمليات عنف وهجمات بمساعدة عناصر أميركية أو ايرانية متعاونة معها لزعزعة الاستقرار السياسي في ايران.
وظهرت بوادر "التهييج" الداخلي الايراني من خلال عمليات تفجير واغتيال في محافظة خوزستان، التي يسميها بعض العرب "عربستان"، ضد المصالح والشخصيات الحكومية أعلنت منظمات، تقول انها معارضة وطنية من الاقليات، عن مسؤوليتها عنها. غير أن ايران اتهمت عناصر مخابرات بريطانية وأميركية بالوقوف وراء تلك التفجيرات.
غير أن السؤال الاهم هو هل ايران ستخضع للضغوط الأميركية وتتخلى عن مشروعها النووي التي تقول انه لأغراض سلمية؟ كل الدلائل تشير الى أنها لن تفعل ذلك لانها تشعر بقوتها وأرجحية مصادر تلك القوة وخصوصا في العراق الذي أصبح النفوذ الايراني واسعا ومتشعبا مخابراتيا وسياسيا وتنظيميا بحيث يمكن أن يهدد المشروع الاستراتيجي الأميركي برمته. يضاف الى ذلك تهديد مرشد الجمهورية الايراني علي خامنئي بأن بلاده ستستهدف جميع المصالح الأميركية اينما كانت اذا شنت الولايات المتحدة هجوما على ايران فيما أكد الرئيس الايراني أحمدي نجاد أن بلاده لن تتراجع عن برنامجها النووي.
لقد وضعت الولايات المتحدة نفسها في هذا المأزق الصعب من خلال ترتيب تفاهم مع ايران من جهة ومع مجموعات ايرانية وعراقية معارضة تابعة لايران، مثل المجلس الاعلى وفيلق بدر بقيادة عبدالعزيز الحكيم وحزب الدعوة بقيادة ابراهيم الجعفري، للتعاون الوثيق لاسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين. كانت فرصة ذهبية لايران رسخت من خلالها دورها في العراق على حساب المشروع الأميركي الذي كان يرمي الى الهيمنة وتغيير الخريطة السياسية في الشرق الاوسط ونشر المفاهيم الديمقراطية الأميركية. ولم يعد سهل المنال وقف ذلك الدور أو عكسه لان رجالات ايران وأجهزتها متجذرة الان في العراق. ولا يوجد أدنى شك أن المسؤولين الايرانيين يلعبون أوراقهم بذكاء ودهاء من أجل مصلحة بلادهم. د.عبدالهادي التميمي - كاتب وأستاذ جامعي