إيران.. الثَّقافة والتَّعليم في ظل ولاية الفقيه

رجال الدين يفرضون ثقافة عقيمة على الإيرانيين

مر المجتمع الأكاديمي الإيراني، منذ انتصار ثورة العام 1979 وتولي رجال الدين الحكم، بثورتين ثقافيتين بين أعوام 1980- 1982، و2005- 2010. "تم الإقرار، من وقت لآخر، بالحاجة إلى الثورة الثقافية التي تمثل قضية إسلامية ومطلبا للأمة الإسلامية... تشعر الأمة الإسلامية بالقلق لضياع الفرصة، وعدم القيام بعمل إيجابي، بينما تبقى الثقافة على حالها منذ مرحلة النظام الفاسد الذي وضع فيه المسؤولون المرتهنون للثقافة الغربية تلك المراكز المهمة (الجامعات) تحت تصرف القوى الاستعمارية. سيوجه استمرار هذه الكارثة، الذي يمثل لسوء الحظ هدفا لبعض من المجموعات ذات التوجهات الأجنبية، سيوجه ضربة قوية إلى الثورة الإسلامية والجمهورية الإسلامية"(الخميني. مرسوم تأسيس مقر قيادة الثورة الثقافية 1980).

"يجدر بالطلاب، اليوم، أن يصرخوا في الرئيس، ويسألوا عن سبب وجود محاضرين ليبراليين وعلمانيين في الجامعات"(محمود أحمدي نجاد).

تجسد الثورة الثقافية تعبيرا استعاره الثوريون الإيرانيون من نظرائهم الصينيين. استخدم ذلك التعبير كذريعة لترويج أجندات أيديولوجيات إسلامية في النظام التعليمي، وقمع الناشطين من الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية، في الجامعات والكليات، على وجه الخصوص، في أنحاء البلاد كافة. ساعد ذلك النظامَ الإسلاموي، بما يمثل كارثة للمجتمع الأكاديمي، في منع حدوث معارضة على الصعيد العام، وتعزيز سلطته بالتالي. تمثل موجة جديدة من الثورات الثقافية، التي اندلعت منذ تشكل إدارة أحمدي نجاد المستندة إلى أسس عسكرية- أمنية، فرصة للعودة إلى الوراء للنظر في الأسباب والنتائج الرئيسة للثورة الثقافية الأولى في إيران، ومقارنتها بما جرى أثناء الفترة الزمنية الممتدة بين العامين 2005 و2010.

تم، أثناء الثورة الثقافية الإيرانية الأولى، طرد أكثر من 700 بروفيسور وأستاذ جامعي، علاوة على فصل الطلاب المنتسبين إلى مجموعات معارضة بصورة نهائية، أو حرمانهم من الدراسة، على أقل تقدير، ما بين فصل وأربعة فصول دراسية، وإغلاق المكاتب العائدة لمجموعات الطلاب المعارضين والمستقلين كافة. تم تأسيس "مقر قيادة الثورة الثقافية"، الهيئة المعينة بالكامل؛ أصبح صنع القرار في الجامعات متمركزا بصورة كلية في يد الحكومة؛ وخصصت حصص محددة للطلاب الموالين.

تم تأسيس "مكتب التعاون بين الجامعات والحوزات" لتمكين رجال الدين بصورة إضافية من بسط نفوذهم على المجتمع الأكاديمي؛ كما تم في وقت لاحق تأسيس مكاتب "ممثلي القائد" في الجامعات والكليات كافة للسيطرة على جميع الأنشطة الثقافية، الاجتماعية، والسياسية العائدة للطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية. تم إغلاق حرم الجامعات، علاوة على ذلك، مدة سنتين. لم تظهر، في العام 1982، أي مؤشرات إلى الاستقلالية في صنع القرار، التوظيف، القبول، الإدارة، بل وحتى المناهج الدراسية في الجامعات الإيرانية.

أخضع الخميني واتباعه المجتمع الأكاديمي الإيراني في خضم عملية الأسلمة في ثمانينيات القرن المنصرم. تم تأسيس منظمة "الجهاد الجامعي" لتنظيم بعض الأنشطة الطلابية -للسيطرة على الهيئات الطلابية بصورة غير مباشرة- وترويج القيم الإسلامية في الجامعات والكليات عبر ما هو إلزامي من الدورات، المناسبات الاحتفالية، وحملات الدعاية العامة.

تم إطلاق الجولة الثانية للثورة الثقافية الإسلامية -حين تولى أحمدي نجاد منصب الرئاسة في العام 2005 عبر انتخابات غير عادلة ومفبركة بوضوح- عبر اللجوء إلى القوة القسرية العائدة للحرس الثوري، وزارة الاستخبارات، والسلطة القضائية. تلقى الآلاف من الطلاب الجامعيين الناشطين إشارات على هيئة نجوم في استمارات تسجيلهم، استنادا إلى توجيهات خامنئي الذي يقود الجولة الثانية، بما يعني أنه لا يمكنهم التسجيل في الجامعة.

عمدت الإدارة الجديدة إلى دفن بقايا جنود قتلوا منذ أكثر من عشرين عاما، أثناء الحرب العراقية- الإيرانية، في بعض الجامعات لإيجاد مواقع مقدسة للموالين للحكومة، وإضفاء طابع من القدسية الدينية على المؤسسة التعليمية لإظهارها بمظهر المعارض لمعظم الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية الذين يؤمنون بضرورة علمنة تلك المؤسسة.

تم طرد الأساتذة الجامعيين المعارضين وغير الممتثلين، ومورست الضغوط عليهم لكي يتقاعدوا. يُمنع بعض من أعضاء الهيئة التدريسية أولئك من التدريس في أي من مؤسسات التعليم العالي؛ وهم الذين يمثلون في الغالب علماء اجتماع وسياسة يعبرون عن آرائهم حول توجه البلاد. اشتدت عملية الطرد تلك عقب الانتخابات الرئاسية العاشرة.

تم طرد العشرات من أعضاء الهيئة التدريسية لمجرد تأييدهم مرشحي المعارضة، بينما طُرد آخرون ببساطة نتيجة لأفكارهم ومعتقداتهم. تم استبدال 20، من بين 130 رئيس جامعة، بآخرين معينين حديثا، يتبعون توجهات الباسيج في الغالب، في مدة قصيرة من الزمن، ناهيك عن أن بعضهم لم يكونوا أعضاء في الهيئة التدريسية حتى عند تعيينهم.

تم حظر وإغلاق العشرات من الصحف الطلابية؛ أغلقت معظم مكاتب الرابطات الطلابية التي انتخبت بطريقة ديموقراطية؛ خصصت المزيد من الحصص "للباسيجيين" في الجامعات؛ عُين "الباسيجيون" كأعضاء هيئة تدريسية؛ وتم ضخ المزيد من رجال الدين، الذين لا يحملون شهادات جامعية، في مواقع إدارية في الجامعات والكليات.

تم حل 43 رابطة طلابية، في السنتين الأوليين لإدارة أحمدي نجاد، ناهيك عن استدعاء أكثر من 700 طالب للمثول أمام لجان تأديبية نتيجة لآرائهم السياسية، واحتجاز المئات من الطلاب، ومقتل طالبين في السجن، وتعرض بعض من الطلاب الآخرين للإصابات والشلل تحت التعذيب، ورفض الاستمارات العائدة لبعض من الطالبات استنادا إلى جنسهن لا أكثر. عوقب طلاب الجامعات على وجه العموم -لمجرد مشاركتهم في التجمعات لانتقاد إدارات الجامعات والحكومة- بالحرمان المؤقت من الدراسة، بمعدل فصلين دراسيين لكل طالب.

تراقب إدارة أحمدي نجاد أعضاء الهيئة التدريسية الذين يسافرون للخارج؛ ويتعين عليهم إبلاغ المكاتب الأمنية في الجامعة برحلاتهم التي يقومون بها إلى بلدان أخرى للمشاركة في المؤتمرات، وحضور النقاشات والمنتديات. يشمل ذلك أيضا السفر لأسباب شخصية، أو للترفيه، أو الحج، الذي يتم تمويله من مؤسسات خارج إطار الجامعة. تعرض العديد من الأكاديميين الذين حضروا مؤتمرات في الخارج، أثناء الفترة الرئاسية الأولى لأحمدي نجاد، في العديد من الأحيان، إلى التوبيخ بشدة عند عودتهم إلى البلاد، واعتقل بعضهم بتهمة محاولة القيام "بثورة مخملية".

أعلنت إدارة أحمدي نجاد في تلك الفترة أنها ستلغي اختبار القبول الوطني الموحد (لتشجيع الالتزام على وجه الاحتمال، الخلفية السياسية/ الأيديولوجية، على سبيل المثال، مقابل الدرجات)، ولتقليل عدد الطلاب الإيرانيين الذين يدرسون في الخارج (حوالي 70000 في العام 2007). تم شغل المواقع الإدارية كافة في الجامعات، على وجه التقريب، من قبل "الباسيجيين" ورجال الدين الموالين سياسيا للأجنحة العسكريتارية والسلطوية.

اشتدت حملة التطهير بعد الانتفاضة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في العام 2009. عقد النظام العزم، بعد أن شعر بالتهديد جراء الاحتجاجات الكبيرة في الجامعات عبر أنحاء البلاد كافة، على الإسراع بإطلاق المرحلة الثانية للثورة الثقافية. صرح كامران دانشجو، وزير العلوم والبحث والتقنية الإيراني، قائلا إنه سيتم طرد أعضاء الهيئة التدريسية الذين لا يشاركون النظام في توجهاته، والذين لا يلتزمون بصورة عملية بولاية الفقيه –حكم الولي الفقيه.

جاء ذلك التصريح بعد أن عبر علي خامنئي، قائد إيران، عن قلقه من أن ما يقارب المليونين -من مجمل عدد طلاب التعليم العالي في إيران البالغ 3.5 مليون- يختصون في العلوم الاجتماعية. تحدث خامنئي، بذلك الصدد، قائلا: "يستند معظم تلك العلوم الاجتماعية والإنسانيات إلى فلسفات تستمد جذورها من المادية، وإن قمنا بتدريس نسخة مما قاله الغربيون وكتبوه لشبابنا، فسننقل لهم الشك وعدم الإيمان بالمبادئ الإسلامية التي تتضمنها قيمنا".

أدت الانتخابات الرئاسية المفبركة في العام 2009، والاحتجاجات الواسعة التي قامت على إثرها -بمشاركة طلاب الجامعة باعتبارهم الأعضاء الأكثر فاعلية في الجماعات المعارضة- أدت إلى التعجيل بإطلاق المرحلة الثانية للثورة الثقافية.

هددت إدارة أحمدي نجاد حتى بهدم بعض من الجامعات: "إن وجدت جامعة أو كلية يستهان فيها بالمتدينين، وثقافة الانتظار (للإمام الغائب)، وثقافة الباسيج، جامعة لا يسمع فيها صوت الأذان لمقاطعته الفصول الدراسية، جامعة لا يمكن لرجل الدين أن يدخلها، جامعة بلا مسجد أو قاعة للصلاة... جامعة لا تقام الاحتفالات الدينية في حرمها، ويحتفل فيها عوضا عن ذلك بشاهار شانبيه سوري (عيد النار الإيراني، الذي يحتفل به في آخر ليلة ثلاثاء من العام)... جامعة يقال بأن الطلاب يمرحون فيها، ويستمعون إلى الموسيقى في رحلاتهم الحقلية، أقول بكلمة واحدة أن هذه الجامعة لا يجب أن تكون موجودة بالأساس. إن وجدت مثل هذه الجامعة، فإن شعب إيران، الطلاب، أعضاء الهيئة التدريسية، والموظفين سيسوونها بالأرض".

(نتيجة ما حصل) ازدياد المسافة بين المجتمع الأكاديمي الإيراني والجامعات في العالم المتقدم. توترت علاقة إيران الأكاديمية، منذ قيام الثورة الثقافية، مع الولايات المتحدة والعالم الغربي. لا يمكن للأساتذة والطلاب الإيرانيين التواصل وتبادل أعمالهم بحرية مع زملائهم عبر أنحاء العالم.