إيران أمام الانفتاح أو الكارثة

بقلم: اسعد حيدر

حدث غير مسبوق بعد 11 استحقاقا انتخابيا رئاسيا في ايران، ومنذ الثورة التي اطاحت بالنظام الشهنشاهي وقيام الجمهورية الاسلامية في ايران. اذ تم تحديد موعد للانتخابات الرئاسية الايرانية قبل تسعة اشهر من تاريخها. وقد اعان في طهران مطلع هذا الشهر ان الانتخابات الرئاسية ستجري في 14 حزيران من العام 2013 في حين ان العادة جرت على تعيين الانتخابات قبل شهرين في اقصى الحالات.

هذا القرار ليس بسيطا لانه ليس لمجرد اشغال الراي العام الايراني بالحملة الانتخابية. اذ فتحت الحملة الانتخابية اثناء حملة الانتخابات التشريعية في مطلع العام الحالي والتي جرت بين اطراف "البيت" الواحد بهدف رسم الخريطة السياسية للانتخابات الرئاسية المقبلة. لكن يبدو ان نتائج الانتخابات التشريعية لن تكون وحدها التي ترسم خريطة الانتخابات الرئاسية. ذلك ان التطورات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة دخلت على الخط وهي تشارك بقوة في رسم مسارات الانتخابات الرئاسية القادمة.

بداية الازمة الاقتصادية لم تعد مجرد وشوشات اصبحت حالة ايرانية عامة. تدهور التومان الايراني بسرعة قياسية اكد ذلك. في 48 ساعة فقط خسر الريال مقابل الدولار اكثر من 18 بالمئة من قيمته. بين ليلة وضحاها وصل سعر الدولار الى حوالي 2700 تومان في سوق الصرف غير الرسمية في حين ان السعر الرسمي ما زال بحدود 1250 تومان، علما ان هذا السعر مخصص فقط لشراء بعض المواد المحددة والمحدودة. باختصار بعد مضي ثلاث سنوات وثلاثة اشهر على انتخاب احمدي نجاد لولاية رئاسية ثانية وقيام "الانتفاضة الخصراء" ومن ثم وأدها انهار سعر التومان. فقد كان في 12 حزيران/يونيو 2009 حوالي 990 تومان، وهو مرشح لان يبلغ 3000 تومان في الاسابيع القليلة المقبلة. بعض المسؤولين الايرانين اتهموا حاكم البنك المركزي بانه ساهم في هذا الانهيار لانه امتنع عن انزال الكميات الضرورية من الدولار الى الاسواق، وقد يكون ذلك صحيحا. لكن اسباب الانهيار اهم من هكذا حركة طارئة. المقاطعة والعقوبات الاقتصادية الغربية وخصوصا الاميركية منها فعلت فعلها. وحسب التقارير الاقتصادية فأن ايران حصلت في تموز/يوليو 2011 على 8.9 بليون دولار من عائداتها النفطية في حين انها حصلت في تموز 2012 على 2.9 بليون دولار، أي ان مداخيلها انخفضت الى اكثر من الثلث، واذا ما اضيفت عقوبات جديدة أقسى كما هو متوقع فان الانهيار سيكون أسرع ومفاعيله أقوى بكثير، مع ما سيسببه من ارتدادات زلزالية سياسية واقتصادية وشعبية أقوى بكثير.

الاقسى للنظام الايراني لم يمر. بالعكس ما زال امامه ايام صعبة طويلة خصوصا ان التفاعلات الداخلية للازمة تكاد تتحول الى نار في الهشيم. فالازمة لم تؤثر فقط على الحياة اليومية للمواطنين بل اخذت تؤثر على مواقع اقتصادية اساسية منها ما يعتبر استراتيجيا مثل النفط والغاز حيث للحرس الثوري يد مباشرة في ادارتها انتاجا وتصديرا وتسويقا.

النقاش على كيفية مواجهة الحرب الاقتصادية ضد البلاد اصبح علنا. وربما من المرات النادرة في الثلاثين السنة الماضية يرفع مسؤولون ايرانيون رسائل مباشرة وعلنية الى المرشد حول رؤيتهم لحل الازمة. وزراء خمسة سابقون اقترحوا على المرشد تشكيل هيئة تدير البلاد بدلا من الرئيس احمدي نجاد. لكن هذا الحل كما يبدو ليس مقبولا لانه يشكل سابقة خطيرة في تركيبة النظام الايراني. لكن الاهم في كل هذه التحركات ان الحرس الثوري دخل على الخط في بادرة له غير مسبوقة.

استنادا الى مصادر عدة متطابقة بينها مصدر في المعارضة الخضراء اكدت ان خمسة جنرالات لهم حضورهم الفعلي والمعنوي ويمتلكون جزءا من سلطة القرار توجهوا في سابقة فريدة من نوعها الى المرشد الخامنئي وطرحوا عليه خلال لقائهم به رؤويتهم ومواقفهم مما تعاني منه البلاد.

السؤال الكبير كان من نتاج ازمة التومان اذ سألوا المرشد:

لماذا لم نحضر انفسنا لاحتمال هبوط التومان بحيث لا نصل الى وضع لا يمكن فيه دفع المستحقات او تمويل الشركات الضخمة الذي ادى الى افلاس بعضها وبالتالي الى رفع نسبة العاطلين عن العمل؟

لماذا ندق طبول الحرب كثيرا ونحن لا نملك قدرات عسكرية فعلية لمواجهة الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل؟

لماذا لا نستخدم لغة شفافة في الملف النووي ونستخدم لغة استفزازية تخلق اجماعا دوليا ضد بلادنا؟

لماذا نقوم باعدامات علنية ترفع من حدة الخطاب الدولي حول ضرب حقوق الانسان في ايران؟

لماذا لا نكون شفافين فيما يتعلق بمسألة انتاج السلاح النووي طالما اننا لا نريد انتاجه لاغراض عسكرية؟

لماذا وضعنا كل بيضنا في سلة الرئيس السوري بشار الاسد؟

لماذا لا تتم مواجهة تضخم ثروات بعض المسؤولين نتيجة للفساد والسقات والتلاعب في المعاملات الخارجية خصوصا المتعلقة بالالتفاف على العقوبات؟

طبعا رد المرشد آية الله خامنئي كان قاسيا. باختصار قال لهم "انا اعرف ماذا اعمل واعرف ماذا تفعل الحكومة وعليكم الا تعلقوا واهتموا باعمالكم".

لكن هذا الرد القاسي لم يحل دون بحث المرشد لوسائل وخطط تسمح له باخراج البلاد من هذه الازمة التي لم يسبق لها ان واجهتها حتى في عز الحرب العراقية الايرانية. لذلك عمد الى توجيه اشارات للداخل والخارج معا تؤكد استعداده للمضي في سياسة انفتاح داخليا وخارجيا ضمن شروط محددة.

من هذه الاشارات ان المرشد تعمد ان يرافقه الى قمة عدم الانحياز الشيخ هاشمي رفسنجاني بدلا من ان يرافقه رؤساء السلطات الثلاث خصوصا وان رفسنجاني الذي ابعد منذ فترة طويلة نادى وينادي بالانفتاح داخليا باتجاه قوى الاصلاح وفتح الباب امامها للمشاركة في الانتخابات الرئاسية ومن جهة اخرى البدء في حوار جدي مع الغرب. اما الخطوة الثانية فكانت في استقباله العلني للوفد المرافق للامين العام للامم المتحدة بان كي مون الذي ضم كل من جيفري فيلتمان وتيدي لارسن وهما من الصقور. ويرى خبراء في الشأن الايراني ان تكون قد جرت لقاءات جانبية سرية بين فلتمان ومسؤولين ايرانيين، على وقع طبول الحرب التي تدق يوميا في واشنطن وتل ابيب ضد ايران.

تضيق دائرة الخيارات امام القيادة الايرانية، اذ ليس امامها الكثير من الوقت، خصوصا في الداخل قبل الخارج، ذلك ان الشتاء يقترب. وما لم تستنبط الحلول لمواجهة التضخم وارتفاع الاسعار وندرة المواد الاستهلاكية بسبب صعوبات الاستيراد، فان الشارع معرض للانفجار.

لذلك السؤال الكبير هو: هل يفتح المرشد الباب امام كافة القوى - خصوصا الاصلاحيين - في الانتخابات الرئاسية، ام يتجاهل كل ذلك فتختلط الازمة الاقتصادية بالمطالب الشعبية فييتمدد الربيع العربي - او ما يسميه الايرانيون الصحوة الاسلامية - الى قلب ايران؟ وماذا عن مواجهة التصعيد الغربي؟ هل يكون بمزيد من الخطاب الاستفزازي او كما قال وفد الحرس باللجوء الى لغة شفافة تدفع الغرب الى تخفيف "الحرب"التي يشنها عليها؟

أسعد حيدر