إنَّه قانون شهريار وسايكس وبيكو!

بقلم: جواد البشيتي

حقوق المرأة الأردنية (والعربية على وجه العموم) تَقِفُ عاجزةً، لا حَوْل لها ولا قوَّة، أمام "قانون الجنسية"، وأمام "أصحاب الحَوْل والطول" من حُرَّاسه، والساهرين عليه، وسَدَنَتِه، فإذا أردتم دليلاً على أنَّ "نصف المجتمع"، من الوجهة الحسابية والعددية، ما زال، من الوجهة الحقوقية والقانونية والاجتماعية والسياسية..، "أقلِّية"، فما عليكم إلاَّ أن تقرأوا؛ ولكن بأبصار وبصائر لا تغشاها أوهام على هيئة "ذرائع"، "قانون الجنسية"، الذي يقول بالفم الملآن: "لا يحقُّ أبداً للزوجة الأردنية التمتُّع بحق مَنْحِ جنسيتها لزوجها غير الأردني، ولا حتى لأبنائها من هذا الزوج"!

إيَّاكم أن تجادلوا أرباب هذا القانون، ومُشْتَرعيه، ولا حتى وزارة الداخلية، من رأسها حتى أصغر موظَّفيها وظيفياً، في أمره، ولجهة عدائه الصريح الظاهر لحقِّ المرأة الأردنية هذا، فهُمْ جميعاً سيجيبون على البديهة قائلين (إذا ما سُئِلوا؛ وطالما سُئِلوا) إنَّ حال الزوجة الأردنية، في هذا الأمر، من حال الزوجة العربية، فالدول العربية، التي إنْ اتَّفَقَت فلا تتَّفِق إلاَّ على أنْ تَخْتَلِف، تواضعت جميعاً على أنَّ الزوجة العربية لا يحقُّ لها، ويجب ألاَّ يحقُّ، أنْ تَعْدِل الزوج العربي في "حقِّ مَنْح الجنسية"، درءاً للمخاطر عن "الأمن القومي العربي".

لا تظنُّوا أنِّي أغالي وأبالغ وأتحامل وأتجنى، فلمَّا سُئِل الناطق الإعلامي باسم وزارة الداخلية الأردنية عن السبب الذي يَمْنَع الزوجة الأردنية من مَنْح الجنسية لزوجها غير الأردني (العربي أو الأجنبي) ولأبنائها (غير الأردنيين!) منه، أجاب قائلاً: "لدرء مخاطر أمنية وسياسية وديمغرافية"، فثمَّة، على ما أوضح، 37 ألف زوجة أردنية متزوجات من غير أردنيين؛ ولكم، بالتالي، على ما نَسْتَنْتٍِج من كلامه، أنْ تتصوَّروا "المخاطر الأمنية والسياسية والديمغرافية" التي ستترتب على مَنْح هؤلاء الأزواج غير الأردنيين مع أبنائهم الجنسية الأردنية!

كل ما تستطيعه الزوجة الأردنية، قانونياً، هو مَنْح زوجها غير الأردني حقوقاً من قبيل الحق في التملُّك، والحق في الإقامة، والحق في العمل.

ما أفهمه وأتفهمه هو أن تكون لـ "قانون الجنسية" مساهمته في إحباط خُطَط وجهود ومساعي إسرائيل لإفراغ "الأراضي الفلسطينية المحتلة" من أهلها، توصُّلاً إلى مزيدٍ من التهويد لها ديمغرافياً.

ولكن، حتى في هذا الأمر نرى التمييز ضدَّ المرأة، بصفة كونها زوجة، يُفْسِد ما ينطوي عليه "قانون الجنسية" من "سياسة قومية جيِّدة"، فإذا تزوَّج رجلٌ من "الأراضي الفلسطينية المحتلة" من امرأة أردنية فإنَّه لا يُمْنَح جنسيتها؛ لأنَّ منحه إيَّاها يمكن أن يعود بالنفع والفائدة على تلك الخُطَط والجهود والمساعي الإسرائيلية؛ أمَّا إذا تزوَّجت امرأة من هناك من رجلٍ أردني فإنَّها تُمْنَح جنسيته، وكأنَّ "السبب السياسي القومي ذاته" ينتفي في حالة الزواج الثانية.. وكأنَّ تلك المرأة ليس لها من أهمية تُذْكَر في مقاومة محاولات التهويد الديمغرافي لـ "الأراضي الفلسطينية المحتلة".

العرب جميعاً، في "قانون الجنسية"، يُظهرون ولاءً لكلٍّ من ارتكب جرائم في حقِّهم القومي من أمثال سايكس وبيكو، فهُم جميعاً متَّفِقون على تحريم "ازدواج الجنسية" عربياً، وعلى تحليل ازدواجها مع غير العرب، فالأردني يمكنه ويحق له أن يصبح فرنسي الجنسية مثلاً من غير أن يَفْقِد جنسيته الأردنية؛ ولكن لا يمكنه ولا يحق له أن يظل محتفظاً بجنسيته الأردنية إذا ما أصبح، أو أراد أن يصبح، مصري الجنسية مثلاً، فـ "الانتساب" يجب أن يكون إلى "قبيلة عربية واحدة لا غير"!

ومع ذلك، كلُّهم ما زالوا يُغنُّون "بلاد العُرْب أوطاني.."!

بالله عليكم دعونا من الحُجج البالية الساذجة كحُجَّة "درء المخاطر الأمنية والسياسية والديمغرافية"، وحاولوا أن تأتوا لنا بسبب وجيه لاستمساككم بقانون "حرامٌ على الزوجة الأردنية أنْ تَمْنَح الجنسية لزوجها غير الأردني.. العربي على وجه الخصوص".

إنَّ هذا القانون يشرح لنا، ويُفسِّر، على خير وجه، قانون "لا فَرْق، من الوجهة القانونية، بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات"!

ما معنى أنَّ أبناء الزوج الأردني هُمْ "حَتْماً" أردنيون؛ أمَّا أبناء الزوجة الأردنية فهُم أردنيون "على وجه الاحتمال"؟!

في زمن ولَّى وانقضى، وأصبح بمن عَرَف، وبكل ما عَرَف، أثراً بعد عين، كان البشر يتوهَّمون (أي يعتقدون بحسب موازينهم المعرفية) أنَّ الزوج هو وحده صانع الأبناء، وأنَّ زوجته ليست سوى الرحم الذي فيه يُغْرَس الجنين، وينمو، حتى تأزف ساعة المخاض، فيَخْرُج من ظلمته إلى النور.

أمَّا الآن فنحن في مستهل الألفية الثالثة، التي لا ينتمي إليها (ويجب ألاَّ ينتمي إليها) إلاَّ كل من آمن بأنَّ الأب والأم يتقاسمان ابنهما مناصفةً، فالأم تعطي جنينها (أي الخلية البشرية الأولى) نصف "الكروموسومات" بما تشتمل عليه من "جينات"، أو "صفات وراثية".

في هذه "الشركة" يتساوى تماماً المالكان (الأب والأم) في "الأسهم"، ولا يحقُّ للأب، بالتالي، أن يزعم أنَّ الولد ابنه فحسب.

وإذا كان لـ "العقل" حقٌّ في الوجود (حتى لا نقول "حقٌّ في أن يَحْكُم العالم") فَلَسَوْف يمارسه قائلاً: "الحقوق المترتِّبة على تساوي طرفين في حقِّ المِلْكِيَّة يجب أن تكون متساوية".

وهذا إنَّما يعني أنَّ الزوجة الأردنية يمكنها، ويحق لها، أن تَمْنَح هي أيضاً جنسيتها لأبنائها، ولو كان زوجها (أي والد أبنائها) من كوكب المرَّيخ.

وهذا التساوي يجب أن يقترن بتساوٍ آخر، فالزوجة الأردنية يحقُّ لها هي أيضاً أن تمنح جنسيتها لزوجها غير الأردني.. والعربي على وجه الخصوص.

إنَّ "قانون الجنسية" المعمول به لا يمكن فهمه إلاَّ على أنَّه ثمرة جهود مشترَكة لرجال ثلاثة هم: شهريار وسايكس وبيكو! جواد البشيتي