إنَّه عدوٌّ للسوريين والفلسطينيين معاً!

بقلم: جواد البشيتي

الفلسطينيون، وعلى وجه العموم، لا يحتاجون إلى من يؤلِّبهم على نظام حكم الأسد (حافظ وبشار) أو يحرِّضهم على معاداته، أي على أنْ يبادلونه عداءً بعداء؛ فهو تكفَّل دائماً بالإتيان بكل ما من شأنه جَعْلِهم يُضاهون أشقَّائهم السوريين في العداء له، المستتر تارةً، والظاهر طوراً؛ ولقد أساء إليهم، وإلى قضيتهم القومية، وناصبهم العداء، وارتكب في حقهم من الجرائم، وفي مخيَّماتهم اللبنانية على وجه الخصوص، ما جعله ثاني عَدُوٍّ لهم بعد إسرائيل؛ أمَّا النافعة في هذه الضارة فهي جَعْلِه الفلسطينيين أوَّل وأقْدَم العرب في كَشْف، واكتشاف، زيف عدائه القومي لإسرائيل.

والفلسطينيون الذين لن ينسوا أبداً ما ارتكبه شارون في حق أبناء مخيمي صبرا وشاتيلا في لبنان من مجازر وجرائم ما زالوا يَذْكرون حافظ الأسد بصفة كونه جزَّار مخيم تل الزعتر، ومحاصِر ومُدمِّر مخيماتهم في شمال لبنان، والمتحالف مع حلفاء إسرائيل من اللبنانيين في الحرب ضدَّهم، وضدَّ حلفائهم من اللبنانيين؛ وإنَّ أحداً من المتضامنين، حتى الآن، مع نظام الحكم البعثي الأسدي، تضامُناً لا أخلاقياً، ولا إنسانياً، لن يستطيع أبداً أنْ يُنْكِر أنَّ جيش حافظ الأسد لم يُرْسَل إلى لبنان إلاَّ بموافقة الولايات المتحدة وإسرائيل.

وها هو نجله بشار يُثْبِت للفلسطينيين، وللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وفي مخيَّمهم في اللاذقية على وجه الخصوص، أنَّه الشِّبل لذاك الأسد، بمعنى واحد فحسب، هو التأسُّد على اللاجئين الفلسطينيين العزَّل، وتقتيلهم وتهجيرهم بنيران زوارقه الحربية؛ وكأنَّه يريد أنْ يقول لهم، وللشعب السوري، وللعالم أجمع، إنَّه الآن في سعيٍ إلى الاحتماء بعصبية بغيضة كريهة، وإنَّه ما عاد، بسبب عصبيته تلك، يستطيع تمييز "المواطن السوري" من "اللاجئ الفلسطيني"؛ فكلاهما ينتمي إلى جنسٍ واحد!

اللاجئون الفلسطينيون في سوريا، ولو وُجِدَ بين ظهرانيهم العشرات من ضعاف النفوس من أمثال أحمد جبريل، لن يكونوا جُنْداً لبشار في حربه على شعبه؛ لقد رفضوا وأبوا، فما كان منه إلاَّ أنْ عاملهم كما عامل ويُعامِل الجنود السوريين الذي رفضوا وأبوا أنْ يكونوا قَتَلَة لشعبهم الثائر على هذا الدكتاتور، فَقَتَلَهُم، مُصوِّراً (في إعلامه) ما ارتكبه من جرائم في حقِّ هؤلاء الجنود الشرفاء على أنَّه من عمل وتدبير قوى إرهابية مندسَّة في جموع الشعب الثائرة عليه؛ ولن نَسْتَغْرِب أنْ يُخْبِرنا إعلام بشار أنَّ زوارق حربية تعود ملكيتها إلى قوى إرهابية مندسَّة هي التي ضربت بقذائفها اللاذقية ومخيَّم اللاجئين الفلسطينيين فيها.

الفلسطينيون في الضفة الغربية، وفي رام الله على وجه الخصوص، والذين هُمْ في صراعٍ يومي ضدَّ عدوِّهم القومي الأوَّل، وهو إسرائيل، تظاهروا تضامناً مع أشقائهم السوريين ضدَّ نظام الحكم البعثي الأسدي الذي أوغل في تقتيلهم، فما كان منه إلاَّ أن انتقم منهم بقتل وتشريد أشقائهم في مخيَّم للاجئين الفلسطينيين في الرمل في منطقة اللاذقية.

ومن قبل، رأيْنا أحمد جبريل (الأمين العام للجبهة الشعبية ـ القيادة العامة) يأمر المدافعين عنه، وعن مقرِّه، في مخيَّم اليرموك في دمشق، بإطلاق النار على فلسطينيين متظاهرين حاولوا، على ما زُعِم، اقتحامه؛ ولقد تظاهر هؤلاء ضدَّ "الفساد السياسي" لهذا الرجل، فهو مارَس سياسة من نمط "كلمة حقٍّ أريد بها باطل"، إذ سعى في توظيف مشاعر العداء الشعبي الفلسطيني لإسرائيل بما يخدم مآرب أسياده (الأبديين) الذين يصارِعون من أجل البقاء ولو بوسائل وأساليب يكفي أنْ يستعملها ويأخذ بها "رجل الدولة"، ضدَّ شعبه، حتى يمَّحي الفَرْق بينه وبين زعيم عصابة من المجرمين والقَتَلَة.

هذا "الفلسطيني"، الذي أساء إلى سمعة الفلسطينيين لدى الشعب السوري الثائر على الجلاَّد والسجَّان واللص، لا يملك من أمره شيئاً، فهو العبد المأمور؛ ولقد جاءه الأمر من أسياده بأنْ يَبْذُل وسعه، في ذكرى "النكسة"، لإقامة الدليل الحي على أنَّ بقاء إسرائيل آمنةً مستقرةً هو من بقاء نظام الحكم السوري؛ أمَّا الفرضية الكامنة في هذا "الأمر" فهي أنَّ شعور إسرائيل بشيء من الخوف والقلق من عواقب الصراع بين الشعب ونظام الحكم في سوريا هو وحده ما يُمْكنه أنْ يَحْمِل الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى على أنْ تُغيِّر مواقفها من هذا الصراع بما يساعد نظام الحكم هذا على اجتناب خطر السقوط.

اللاجئون الفلسطينيون في مخيم اليرموك لم يكونوا ضدَّ ذاك الحراك الشبابي الثوري الفلسطيني في الجولان؛ وهُمْ لا يُبالون بأنْ يُزْهِق الجيش الإسرائيلي أرواح المئات والآلاف من منهم؛ لكنَّهم ضد (وهذا ما يُظْهِر ويؤكِّد نُضْج وعيهم السياسي والثوري والقومي) أنْ يُفْسَد ويشوَّه ويُلوَّث حراكهم هذا على يديِّ "بقَّالٍ سياسي" ولو كان من أبناء جلدتهم؛ فإنَّ الفلسطيني الجيِّد (بكل المعاني والمقاييس) الآن لا يمكن إلاَّ أنْ يكون مع الشعب السوري في صراعه من أجل الحرِّية والكرامة. أمَّا الفلسطيني الرديء فلقد عرَّفه، وأحْسَن تعريفه، جبريل نفسه إذ اتَّخَذ من العداء للشعبين الفلسطيني والسوري أساساً لمواقفه السياسية جميعاً.

حتى في "الخطاب الإعلامي" حاكى وقلَّد أسياده في "الفرقة الرابعة"، وأشباهها، ففسَّر تَظاهُر اللاجئين في مخيم اليرموك ضدَّه (وضدَّ من يمثِّل، وما يمثِّل) على أنَّه رجس من عمل قوى ضدَّ "ثقافة المقاوَمة"، انْدَسَّت في مواكب التشييع.

عن اضطِّرار (وليس في الاضطِّرار فضيلة) تصرَّف نظام الحكم السوري بما يسَّر وسهَّل احتشاد مئات الشبَّان الفلسطينيين والسوريين على الحدود مع إسرائيل؛ و"رسالته" من خلال ذلك، وإلى من يعنيه أمر الأزمة التي تعصف به، هي أنَّ إسرائيل ستعاني، وستعاني كثيراً، إذا ما ذَهَب، وأنَّ ضَعْف قبضته الأمنية في داخل سوريا لن يبقي قبضته الأمنية الحدودية قوية؛ فادرءوا عنه خطر السقوط يدرأ عن حدودكم هذا الخطر الجديد!

وإنَّه لأمر ليس بالمصادفة أنْ نرى دماء الشعب نفسه تُسْفَح على الحدود (في الجولان) وفي المدن السورية في الوقت نفسه، وأنْ نرى قاتِل السوريين شرع يقتل الفلسطينيين.

الآن، أي في هذا "الربيع العربي"، ما عاد بالأمر الممكن قبوله شعبياً، أنْ يقي أي حاكم عربي مستبد نفسه من خطر سقوطه بثورة شعبه عليه من خلال تسربله بسربال عدائه لإسرائيل، أو عداء إسرائيل له؛ فليس من عدوٍّ حقيقي لإسرائيل إلاَّ الشعب الذي نزل إلى الشارع طلباً للحرية السياسية؛ والحاكم الذي يستطيع العيش (كما أعلن هو نفسه) بلا هضبة الجولان قَرْن من الزمان؛ لكنه يعجز عن البقاء حتى الغد بلا "دولة أمنية"، ليس، ولن يكون أبداً، بحاكم يُؤخَذ عداؤه لإسرائيل مأخذ الجد.

إنَّهم، والحقُّ يقال، لا يريدون الجولان، ولا يريدون استعادتها لا سلماً ولا حرباً؛ لأنَّهم اشتروا البقاء في الحكم بثمنٍ غالٍ هو "بقاء إسرائيل في الجولان".

الآن، حيث أظْهَر نظام الحكم البعثي الأسدي، وأكَّد، أنَّ عداءه للشعب الفلسطيني، وللاجئين الفلسطينيين في سوريا، لا يقلُّ عن عدائه لشعبه، ما عاد ممكناً، ولا مقبولاً فلسطينياً، أنْ تظل منظمات فلسطينية ("حماس"، و"الجهاد الإسلامي"، و"الجبهة الشعبية"، و"الجبهة الديمقراطية") على مواقفها القديمة من نظام الحكم السوري الزائل حتماً، وعمَّا قريب؛ ولقد حان لها أنْ تحسم أمرها، وتَقِف مع الشعب السوري وثورته، تاركةٌ له "حلفاء" من أمثال أحمد جبريل.

جواد البشيتي