إنه رئيس مخلوع وأب لمن هما معه خلف القضبان

بقلم: صباح علي الشاهر

كثيرة هي المعاني التي توحي بها صورة حسني مبارك وولديه خلف القضبان، منها أن هؤلاء الحكام الذين يرون الوطن "عزبة" لهم ولأبنائهم، لا ينتهون وحدهم وإنما ينهون أبناءهم معهم.

ربما يتوارد إلى الذهن سؤال: من المذنب هنا الأب أم الرئيس، أم كلاهما؟

هل ثمة حدود فاصلة بين الأب والرئيس، ونحن (وأقصد العرب) قد جعلنا الرئيس أباً لنا جميعاً، الأخيار منا والأشرار، ثم لم نسأل أنفسنا بعدئذ: هل عدل الأب بين أبنائه، بين جمال وعلاء، وبقية الأبناء المفترضين الذين كانوا ينافسون الأموات في مقابرهم؟

يعمل الأب البيولوجي، الأب الحقيقي، بداهة، وبدافع الغريزة لمصلحة أبنائه، والأب البيولوجي هنا مبارك، والأبناء الذين يعمل لمصلحتهم هما علاء وجمال، وطبيعي أن يُشرك الأبناء بكل ما يملك، ومعروف ما يملكه الرئيس من راتب محدد، ومنافع محددة، شأنه في ذلك شأن جميع الرؤساء في العالم، اللهم إلا إذا كانت الرئاسة في مصر، والعالم العربي من نمط آخر، مُفصل لا على قامات ومصالح الأوطان والشعوب، وإنما على قامات ومصالح الرؤساء، ويبدو الأمر في العديد من الجوانب على الصورة الثانية مع مزيد الأسف.

ما يتقاضاه الأب كرئيس، وما يحصل عليه، يكفل حياة رغدة للزوجة والأبناء، وحيث أن هذا هو ما يملكه، فإن من حقه التصرف بهذا الذي يملك على النحو الذي يرغب ويرضى ويتطابق مع كونه "أباً".

لكن الإشكال في قضية السيد الأب الرئيس، وهو ما سنرى فيما بعد عين الإشكال مع بقية القادة والرؤساء العرب، ليس في هذا، ليس في ما يملك، وإنما في ما لا يملك، وما لا يملك هنا مصر، والشعب المصري، فمصر ليست مملوكة لأحد، ولا هي عزبة لأحد، وإنما هي وطن للمصريين كل المصريين، الذين هم مواطنون لا رعايا، بمن فيهم مبارك وولداه علاء وجمال، لهم فيها مثلما لغيرهم، وهو في نهاية المطاف ليس أكثر من مترين من ترابها الطاهر.

لا جدال في أحقية الشعب في محاسبة مبارك على التصرف فيما لا يملك، وفق غرائز ونوازع الأبوة البايلوجية التي لم تضع حداً حراماً، ولو أخلاقياً، بين ما يجوز التصرف به، وما لا يجوز.

مبارك لم يضع فواصل بين الأب والرئيس، بين رئيس الدولة ورئيس العائلة، فجعل ما للأول للثاني، وما للثاني للأول، وبهذا غيّب الخط الفاصل بين ما هو مُباح، وما هو غير مُباح، ما هو قانوني وجائز ومقبول، وما هو فساد وسوء تصرف وسرقة بواح، وبهذا أبطل وعلى نحو صارخ صفة الأب الرئيس، ومن هنا فمن حق شعوبنا العربية بعد أن فاض بها الكيل، أن ترفض بشدة لقب "الأب الرئيس" مثلما رفضت "الأب القائد"، فالرئيس رئيس، وميدان رئاسته معروف، والقائد قائد وميدان قيادته بيّن، والأب أب وحدود أبوته معروفة وبصرامة بالغة الشدّة كي لا يختلط بما هو حرام، وعار.

لا أعتقد أن ثمة عربياً يرضى بأن يكون له أكثر من أب، ليس فقط بسبب المعنى المُريب لمثل هكذا قول، وإنما للقيد الذي تفرضه الأبوة، من بر ورعاية، وإذعان، ويخطئ من يتصور أن الطغاة لا يستهدفون هذا المعنى، ولا يدركون مغزى أن تسبق لفظة الأب لفظة الرئيس.

أيها السيد الرئيس، إن كنت في القفص، أو في طريقك لأن تكون فيه، لست أباً لأي منا، وأنما أنت أب لأبنائك، وشأنك في هذا شأن كل بني البشر. لماذا يصعب عليك فهم هذا البدهية؟

وهذا الذي توصل العالم منذ أمد بعيد إلى توصيفه، وتسميته، وتأطيره، ما زلنا ولحد الآن لا نعرف بماذا نسميه، أو نصفه، أو نكنيه، وكيف نتعامل مع بناته وبنيه، زوجته وأمه وأخته وأخيه.

نذهب لصناديق الانتخابات، وبغض النظر إن كانت هذه الانتخابات نزيهة وشفافة، لا يرقى لها الشك، أم مزورة من الألف إلى الياء، فإننا نذهب لنخوّل هذا السيد، ولفترة زمنية بإدارة شؤون الوطن، ولتحمل مسؤولية قيادة الحكومة أو لتمثيل الأمة إن كان الحكم رئاسياً، وطبيعي أن التخويل الذي حصل عليه الرئيس لا يعني تخويلاً لزوجته بالحكم إلى جانبه، متجاوزة الدور البروتوكولي الذي يمنحها إياه منصب زوجها وهو دورها كزوجة للسيد الرئيس، وللمصريين تحديداً مثلاً بارزاً من الدور الذي كان للسيدة فتحية زوجة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، قبل أن يستعير الرئيس أنور السادات لقب "السيدة الأولى" ويضفيه على حرمة السيدة "جيهان"، لترثه فيما بعد السيدة سوزان مبارك، وتزاول عبره مهام كثيرة، وسلطة وسطوة تتجاوز مهام وسلطات وسطوة أكبر مسؤول في الدولة بعد الرئيس ذاته.

"السيدة الأولى" لقب ومصطلح مُلتبس، غير واقعي لأن زوجة السيد الرئيس قد لا تكون الأولى بين نساء مصر في أي مجال من مجالات الحياة، وفي أي اختصاص من الاختصاصات، ليس هذا فقط، إنما قد لا تكون السيدة الأولى بأي معنى من المعاني، ولا قيمة للقول إن المعنى المقصود بالسيدة الأولى ليس هو المعنى الذي يرد إلى الذهن مباشرة، إذ أن الواقع يشير من دونما لبس وغموض إلى أن السيدات الأول في مصر تصرفن في واقع الحال لا على الأساس الافتراضي، وإنما على المعنى والبعد الواقعي، ونافسن أزواجهن في النشاط السياسي والتجاري، ودرجة النفوذ والسلطة، ومثلما يصدق هذا على مصر السادات ومبارك، يصدق أيضاً على تونس بن علي وسيدة تونس الأولى ليلى الطرابلسي.

تُرى لو لم تكن السيدة الأولى في تونس، قد تجاوزت دورها كزوجة للرئيس، وتصرفت كسيدة أولى بنسخة عربية، وبقية النساء ثواني أو ثوالث، أكانت قد طوردت وحٌكمت غيابياً بعد زوال كرسي الرئاسة عن زوجها، ولو لم تتصرف سوزان مبارك على النحو الذي عُد تجاوزاً أكانت قد سيقت إلى المحاكم التي نرى أنها سوف لن تتوقف حتى يتم إسترداد كل ما أخذ عن طريق الغش والتدليس وإستغلال المنصب والجاه.

مشهد مبارك ونجليه في القفص يطلب منا إعادة النظر في أشياء كثيره، منها صفة وكنية ولقب الرئيس، مثلما يطلب منا أن نحدد وبصرامة حدود صلاحيات الرئيس، الذي ينبغي أن يمتنع أفراد عائلته طيلة حكمه عن أي نشاط سياسي، وتجاري، وأن يكون الرئيس رئيساً عندما يؤدي واجبه الوظيفي، وأباً في البيت، وبكل ما يتعلق بالأمور العائلية، وعسى أن يكون الرؤساء المحاكمون بفعل ربيع الثورات العربية، آخر الرؤساء الذين يكونون في القفص وبمعيتهم أنجالهم.

صباح علي الشاهر