إنهم يغردون خارج السرب

بقلم: زياد العيساوي
من زمن الحب

يختلف الناس بعضهم عن بعض، باختلاف أعراقهم وألوانهم، كما يختلفون في أجناسهم وأديانهم، على الرغم من أنَّ الخالق واحد، جلَّ في عُلاه، ولعلّ أبرز ما يختلف فيه الناس، وما يُميزهم عن بعضهم بعضاً، هو بصمة الإبهام، فلكل امرئ بصمةُ إبهامٍ تخصهُ، وتُميزهُ عن غيره، لكن هُناك أناساً ما يُميزهم عن غيرهم، هو طباعهم، وليس فقط بصمات إبهاماتهم.
فمن هؤلاء الناس؟
إجابةً عن هذا السؤال الذي قد يتبادر إلى ذهن البعض، نقول إنهم قلةٌ في زمننا هذا، وكأنهم يغردون خارج السرب، وهم ينشدون تلكم القيم والمعاني السامية من حُبٍ ومروءةٍ و إيثار، ولا هم في هذه الحياة لهم، إلا إسعاد الآخرين، ينشغلون عن كل مشاغلهم، وعن كل ما يشغلنا نحن في خضم هذه الحياة من ركضٍ وراء جلبِ الرزق ولهثٍ وراء زخارفها، يسدون العون إلى كل من يحتاجه، ومن دون أن يُعزى إليهم بذلك.
دافعهم هولاء الناس إلى ذلك، سجيتهم التي جُبِلت على مكارم الأخلاق؛ نرتاب أحياناً من طيبتهم، ولا نعرف ما الذي يجعلهم في نظرنا هكذا، كأنهم أنُاس مثاليون، يعطون كل ما في وسعهم بسخاءٍ، وعن طيب خاطر، ويشكك بعضنا في حُسنِ نيات هؤلاء الناس، عندما يحاولون وبشكلٍ دائم، الاقتراب حتى ممَّن كانوا دوماً السبب في أحزانهم.
وهم يسمون بل يتسامون على وضعنا في موقف المُلام، إن نحن أخطأنا في حقهم ذات مرة، ضاربين عُرض الحائط بكل ما يجول في النفس البشرية من مشاعر الغبن والإحساس بالظلم جاعلين مبدئهم، ونُصبَ أعينهُم في ذلك، قوله تعالى في مُحكم تنزيله العزيز:
{لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم.} سورة فصلت: الآية 33.
سموهم هذا، يجعلهم لا ينتظرون منَّا أيَّ مقابل، نظير ما يقدمّونه لنا، وما يُثلج صدورهم، هو إضفاء الابتسامة على مُحيا كل إنسان، كأن ما يسدونه أو يقّدمونه لنا، هو لِزامٌ عليهم، أو كأنهم قد خلقوا لذلك.
تجد بصمات أعمالهم لا إبهاماتهم باقية ببقاء عمل الخير في كل مكان وزمان، يعيشون أحزان الناس وعذاباتهم، ويعرفون جيداً كيف يكفكفون دمعهم، وكيف يزرعون الأمل في دروب حياتنا بصفاء سرائرهم، وبقيمٍ إنسانية متأصلة فيهم، قلما نجدها للحد الذي يجعلنا نظنهم فيه ساذجين، أو أنهم شواذٌ في هذا الزمن، بل أن البعض منَّا يرى في مبدئهم هذا، ضربُاً من ضروب الجنون.
وفي تتمةٍ سريعةٍ لإجابتنا هذه عن ذلك السؤال، وخوفاً من أن نوقعَ السادة القراء تحت طائلة الرتابة والملل، سنكبحُ جماح كلماتنا التي ستطول في وصفهم، لنقول إن أولئك الناس، من ذلك الزمن الذي قد ضاع وولَّى، إنهم أُناس ٌ (من زمن الحُب) الذي ننشد قيمه ومبادئه في زمننا هذا، وندعو الجميع إلى التحلَّي بها. زياد العيساوي ـ ليبيا Ziad_z_73@yahoo.com