إنهاء عملية برخان يضع الجزائر أمام خطر الجهاديين بمنطقة الساحل

الجزائر تنوي لعب دور أنشط في المنطقة، لكن هل يمكن ان يصل إلى حدّ نشر قوات خارج حدودها كما يسمح الدستور حاليا فيما لا يزال رجال تنظيم القاعدة وداعش وجماعات أخرى ينتشرون في المناطق الصحراوية والجبلية وعلى الحدود مع مالي والنيجر.


هل تنجح الجزائر في استثمار انسحاب فرنسا لتوسيع نفوذها في مالي؟


فرنسا تعجز عن تسيير الوضع المضطرب في مالي، فهل تتمكن الجزائر من ذلك في مناخ يشهد تمادي الجهاديين؟

الجزائر - أطلق إعلان فرنسا عزمها على إنهاء عملية برخان لمحاربة الجهاديين في منطقة الساحل وخصوصا في مالي، جدلا استراتيجيا حول إمكانية أن تلعب الجزائر ثاني قوة عسكرية في إفريقيا، دورا أكبر، بينما تواجه السلطات الجزائرية أصلا خطر الجماعات الإرهابية المتنشرة في المناطق الصحراوية والجبال الوعرة وعلى الحدود مع مالي والنيجر.

وغرقت فرنسا في تسعينات القرن الماضي بما يعرف بالعشرية السوداء في أعمال عنف واعتداءات إرهابية أسفرت عن مقتلحوالي 200 أل شخص بعد إلغاء الجيش لنتائج الانتخابات التشريعية التي فاز فيها الإسلاميون آنذاك.

وبعد مرور عقدين من الزمان على انتهاء سيل من الدماء تم احتواء القسم الأعظم من الخطر الذي يمثله المسلحون في الجزائر، غير أن رجال تنظيم القاعدة وجماعات أخرى أحدها فرع تنظيم الدولة الإسلامية يطلق على نفسه اسم 'جند الخلافة في أرض الجزائر'، لا يزالون صامدين في بعض المناطق النائية وأغلبهم في المنطقة الحدودية الصحراوية مع دولتي مالي والنيجر.

وتعرضت الجزائر خلال الأشهر القليلة الماضية لهجومين إرهابيين، بينما تعلن وزارة الدفاع من حين إلى آخر القضاء على عناصر إرهابية ومصادرة اسلحة وذخائر أو تسليم عنصر إرهابي لنفسه.

في الواقع تنوي الجزائر لعب دور أنشط في المنطقة، لكن هل يمكن ان يصل إلى حدّ نشر قوات خارج حدودها كما يسمح الدستور حاليا؟، بينما عانت الجزائر لسنوات طويلة اعتداءات الجماعات الإرهابية على أراضيها.

وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الجمعة أن فرنسا ستبدأ إغلاق قواعدها في شمال مالي قبل نهاية العام بينما لا تخفي باريس رغبتها في انخراط أكبر للجزائر في منطقة الساحل.

وقال مصدر عسكري فرنسي "يجب أن نناقش مستقبل تحركاتنا في شمال مالي مع بعثة الأمم المتحدة في مالي ومع الجزائريين، المعنيين مباشرة باعتبارهم دولة جارة".

وتستعد فرنسا لخفض عديد قوات "برخان" في منطقة الساحل، أكبر عملية عسكرية خارج البلاد، من 5100 رجل اليوم إلى ما بين 2500 وثلاثة آلاف.

وغرقت مالي منذ 2012 في أزمة أمنية اسفرت عن سقوط آلاف الضحايا من مدنيين وجنود وعناصر من حركات التمرد الانفصالية ومجموعات الجهاديين التي استغلت صعوبة مناخ وتضاريس المنطقة خاصة في الشمال قرب الحدود مع الجزائر البالغة نحو 1400 كلم.

وفي 2013 تدخلت فرنسا القوة الاستعمارية السابقة في مالي، عسكريا لمحاربة الجهاديين، ونشرت في إطار عملية برخان نحو 5100 جندي في منطقة الساحل، قُتل منهم خمسون في عمليات مختلفة.

كما أرسلت الأمم المتحدة بعثة لحفظ السلام (مينوسما) تضم 18300 شخصا بينهم 13200 عسكري.

ورأى مدير المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة بالجزائر التابع لرئاسة الجمهورية، عبدالعزيز مجاهد، أن قرار فرنسا بالانسحاب، جاء لأنها "أصبحت غير قادرة على تسيير الوضع في مالي".

وأرجع هذا اللواء المتقاعد في تصريح لوكالة فرنس برس، سبب "فشل فرنسا" إلى انها "مازالت تحمل أفكار الدولة الاستعمارية القديمة.. زيادة على ان الأنظمة المحلية فقدت شعبيتها".

التهديدات الإرهابية في الداخل والخارج تقلق الجزائر
التهديدات الإرهابية في الداخل والخارج تقلق الجزائر

الحلّ جزائري

إلا أن البلد لا يزال هدفا لهجمات جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية وعنف بين الجماعات المحلية وعمليات تهريب متنوعة. وتوسعت رقعة العنف لتطال بوركينا فاسو والنيجر المجاورين.

ويؤكد الرئيس عبدالمجيد تبون أن الحل في مالي "لن يكون إلا جزائريا".

وبما أنها تفضل الدبلوماسية والحوار السياسي شاركت الجزائر بفاعلية في اتفاق السلام الذي وقعته حكومة باماكو مع الاستقلاليين في 2015، وتتولى قيادة لجنة المتابعة لتطبيقه.

وتشير عودة رمضان لعمامرة السياسي المخضرم في الدبلوماسية المتعددة الأطراف والمنخرط بشدة في إفريقيا، إلى الخارجية، إلى رغبة الجزائر في استعادة السيطرة بعد تغيبها في السنوات الأخيرة في المنطقة.

وأصبح الدستور الجزائري يسمح بتدخل الجيش الجزائري خارج الحدود منذ التعديل الدستوري في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني.

وقال الرئيس تبون في مقابلة مع صحيفة "لوبوان" الأسبوعية إن "الدستور الجزائري يجيز الآن هذا النوع من التدخل، لكن الحل لا يكمن في ذلك"،  مضيفا "لحل المشكلة في شمال مالي، يجب إعادة نشر الدولة هناك. عبر اتفاقات الجزائر نحن هنا لمساعدة باماكو".

أهمية خاصة

يرى المحلل السياسي مبروك كاهي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ورقلة بجنوب الجزائر أن تدخلا عسكريا في مالي "مستبعد" لأن "الدولة لجزائرية حذرة جدا في تبني مواقفها، فما بالك بإرسال قوات عسكرية خارج الحدود".

وأضاف أن "نشاط الدبلوماسية الجزائرية لغاية اللحظة مجمد"، موضحا أن "الدبلوماسية الجزائرية وضعت ثقتها الكاملة في النظام السابق، نظام باه نداو الذي زار الجزائر واستقبله الرئيس تبون وأعطاه وعودا بالمساعدة. لكن الانقلاب الاخير خلط الامور".

وخلال تسعة أشهر، قاد الكولونيل أسيمي غويتا انقلابين ضد الرئيس المنتخب إبراهيم أبو بكر كيتا، في أغسطس/آب 2020 ثم في مايو/أيار الماضي، ضد الرئيس الانتقالي باه نداو.

وتتمتع الجزائر بنفوذ كبير في شمال مالي. وقال الباحث في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية (كلنجندال) رضا اليموري إنه "على الرغم من أن الدور الأمني للجزائرين ليس ظاهرا للغاية، فهم حتما على دراية بكل ما يحدث في شمال مالي من أجل أمنهم".

وأضاف "سواء على المستوى الاستخباراتي أو من ناحية اللقاءات السرية، لديهم شبكات لتكوين فكرة جيدة عما يحدث في شمال مالي".

في الواقع لا يمكن أن تتخلى الجزائر عن مالي بحكم الجيرة والعلاقات التاريخية وحتى العائلية بين شعوب البلدين في جنوب الجزائر وشمال مالي، وايضا لحمالية أراضيها من تمادي الجهاديين.

تربط علاقات عائلية أو اتنية بين المجموعات السكانية في شمال مالي وجنوب الجزائر.

وللجزائريين وزنا اقتصاديا وتجاريا في المنطقة. في تمبكتو أو غاو أو كيدال ، تعتمد الأسواق على الواردات الجزائرية - المشروبات الغازية والأرز والتمور وغيرها.

وقال اليموري إن "أي تغيير في دور الجزائر مرهون بتطور الوضع في مالي ومدى تأثيره عليها. لكن يبدو ان الحالة ليست كذلك. إنهم يريدون الإبقاء على هذا الوضع الراهن".

وقال وزير الخارجية المالي الأسبق تيبيلي دامي إن "الجزائر استجابت لنا كلما لجأنا إليها وهذا منذ اندلاع حركات التمرد".

وكما ان لمالي أهمية خاصة بالنسبة لأمن الجزائر باعتبارها "عمقها الاستراتيجي" كما يقول المسؤولون الجزائريون، فإن "دولة مالي لها أهمية استراتيجية بالنسبة لفرنسا" إذ إنها "تتوسطكل الدول الفرنكفونية" في غرب افريقيا، حسب كاهي.

واضاف أنه لهذا السبب التعاون بين البلدين "أمر ضروري وحتمي في مجالي الحوار والتنمية ومكافحة الإرهاب في الساحل".