إما حكومة صهري، أو فليشرب لبنان من البحر

لندن- احمد عبدالله
حجم الفتق الذي تصنعه حكومة صهري وصهر صهري

أعاد الرئيس اللبناني ميشال سليمان تكليف رئيس تكتل "لبنان أولا" النائب سعد الحريري بتشكيل الحكومة المقبلة وهو يعرف ان فرصه في المرة الثانية أقل من فرصه لدى التكليف الأول الذي اعقب الانتخابات النيابية في يونيو/حزيران الماضي.
وقبل الحريري بالتكليف وهو يعرف ان خصومه في تكتل حزب الله – وميشيل عون باتوا أكثر تشددا في مطالبهم، لاسيما باصرارهم على توزير من صار يعرف بـ"الطفل المعجزة" جبران باسيل، صهر العماد عون.
الحريري عاد الى قبول التكليف تحت وطأة شعور بانه يستطيع الحصول على تأييد كافي في البرلمان يسمح له، في الأقل، بتشكيل حكومة أكثرية. وهو يريد لهذا الإنطباع ان يكون واضحا لدى أطراف الأقلية، من دون أن يتخلى عن رغبته المبدئية بتشكيل حكومة وحدة وطنية.
القاعدة المتفق عليها، حتى الآن، هي ان يكون لكتلة الاغلبية 15 وزيرا، مقابل 10 وزراء للأقلية التي تضم حزب الله وحركة أمل وتيار ميشيل عون، و5 وزراء يمثلون رئاسة الجمهورية.
ولكن الأمور لم تكن لتتوقف على قبول التقسيم العددي. فالمعارضة طرحت مطالب يبدو منها انها تريد ان تحكم بالعشرة وزراء الذين يشكلون حصتها، بينما تكون الأكثرية مجرد "حكومة بلديات"، إذا صح التعبير.
فعدا عن المطالبة بوزارات سيادية، ومنها الداخلية والخارجية، بالاضافة الى وزارة المواصلات (التي تعد من وجهة نظر حزب الله "وزارة أمنية")، فقد تمسك عون بتوزير "الطفل المعجزة" أيضا.
سبب تمسك عون بتوزير صهره يعود، كما يقول الكثير من اللبنانيين، الى ان الرجل يريد ان ينشئ بيتا سياسيا باسمه في المجتمع الماروني.
ولكن هذه ليست نهاية القصة. فهناك من يقول ان اهمية هذا الطفل المعجزة تكمن في انه جسر يجمع بين عون والمخابرات السورية.
وإذا قبلنا كلاما من قبيل الكلام الذي تقوله مجلة "الشراع"، فان الاستخبارات السورية هي التي "زرعته في تيار عون عندما كان شعبياً وطنياً واسعاً، واقترب منه ودخل منزله، حتى بات صلة الوصل الحقيقية بين استخبارات دمشق وميشال عون بعد ان تقطعت السبل بصلات آخرين مثل محسن دلول ورياض رعد إلى فايز القزي وألبير منصور.. وآخرين انقطعت صلاتهم بعون واحداً بعد الآخر".
ويقول اهل هذا الكلام أيضا "ان جبران باسيل أكمل دوراً كان بدأه كريم بقرادوني وإميل إميل لحود في باريس على خط الرابية – دمشق لاحقاً". وانه "ارتقى في سلم التكليفات السورية في منزل عون حتى كلف بصياغة اتفاق تفاهم عون – حزب الله الذي أعدته استخبارات دمشق، فبات الطفل المعجزة ركيزة الحزب ودمشق في منزل عون، وذاك ينام على خبر الرئاسة الأكيدة مساء ويصحو على أمل العودة إلى قصر بعبدا نهاراً، فيزداد تعلقاً بصهره".

في المقابل، المسألة بالنسبة للحريري ليست مسألة موقف من سوريا. فبعض مقربيه يقولون انه لا يمانع، لو كان ذلك ممكنا، أن يعين رئيس الاستخبارات السورية شخصيا، ولكنه لا يستطيع قبول وزراء يفرضون عليه بالطريقة الفجة التي يحاولها عون.
سوريا وإيران تريدان، في الواقع، ان يكون لهما نفوذ ملموس ومباشر في تشكيلة الحكومة. وبخاصة في الوزارات التي يمكن اعتبارها مصادر الحكم الرئيسية.
ويثير هذا الوضع حفيظة كل حلفاء الحريري الذين لا يريدون ان يروا، وهم الفائزون بالانتخابات، حكومةً يحكمها إيرانيون عن طريق حزب الله، وسوريون عن طريق ميشيل عون.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار ان هذين الطرفين لا يتورعان في الحقيقة عن كشف نواياهما، ومنها تحويل لبنان الى أقليم تابع للحرس الثوري الإيراني، وان يتم تسليح جيشه بأسلحة إيرانية، فان قبول الحريري بإعادة التكليف يعني انه مقبل على مواجهة.
الاعتقاد السائد يفيد أن الحريري لم يكن ليعود الى قبول التكليف لو لم يكن قد حصل على الدعم الاقليمي الكافي لخوض المواجهة الى أقصاها. أي بالذهاب الى حد تشكيل حكومة أكثرية.
ولكن، بصرف النظر عن الحاجة المسبقة الى دعم الرئيس سليمان، وهو أمر ليس بالضرورة مضمونا، فان الطابع التصادمي لـ"حكومة الأكثرية" يتطلب، أول ما يتطلب، موقفا داخليا بين صفوف هذه الأكثرية يقبل مغامرة التصادم. وهذا أمر غير متوفر.
فالزعيم الدرزي وليد جنبلاط سرعان ما سيظهر كالحلقة الأضعف. ومع الخيوط التي يحاول ان يمدها مع سوريا، ومن خلالها، مع حزب الله، فانه قد يفر من جبهة الأكثرية حالما يبدو الأمر ساخنا أكثر من اللازم عليه.
الحريري نفسه، ليس في وراد القبول بالصدام. فهو لا يريد ان يرى حزب الله يقوم باجتياح جديد لبيروت، كما ان مشروعه الوطني التصالحي سوف يتعرض الى هزات مكلفة.
الحريري يريد ان يخوض التجربة من منطلقها الوفاقي. ولكنه لا يريد في الوقت نفسه ان يبدو رئيس وزراء "لا يحكم".
الموقف السياسي، بل والأخلاقي الذي ينطلق منه، ما يزال يبدو قويا. فاكثريته تستحق ان تحترم، وتستحق ان يكون لها القول الفصل في توزيع المناصب الرئيسية. ولرئيس الوزراء الحق، الطبيعي، في ان يختار ممثلين للتيارات المشاركة في الحكومة من بين أشخاص يستطيع أن يعمل معهم، لا أن يكونوا مفروضين عليه فرضا.
فقط القدرة على "التعطيل" هي ما يشكل كل الركيزة التي يستند اليها حزب الله وحلفاؤه. والسؤال الذي يشغل فريق الأكثرية، هو: هل كان حزب الله سيرضى بالشروط التي يطرحها تحالفه الآن لو انه كان هو الذي فاز بالأكثرية.
الوجه الآخر الأكثر تعقيدا هو: هل يمكن للموافقة على هذه الشروط ان تشكل سابقة تسمح لأكثرية اليوم أن تطلب مثلها عندما تصبح أقلية؟
بعض الذين ينظرون الى الأمام يقولون ان الحريري يمكن ان يقبل بشروط حلفاء الأقلية، إذا حصل منهم على تعهد يقبلون بموجبه نفس الشروط عندما تصبح أقليتهم أكثرية.
فاذا وافقوا، فيمكن للحريري ان يكون سعيدا أكثر لو انه، في الإنتخابات المقبلة، أصبح أقلية. ساعتها سيكون بوسعه ان يستوزر من يشاء من الأصهار، وان يعينهم، رغما عن أنف رئيس الوزراء، في المناصب السيادية والأمنية التي يشاء.
وبين الكثير من الأعراف التي تتحكم بمصائر لبنان، سيكون العرف السائد ساعتها هو: إما حكومة صهري، أو فليشرب لبنان من البحر.