إمارة غزة غير المعلنة

بقلم: د. أفنان القاسم

الوضع الراهن في غزة، وقصدي هنا وضعها السياسي، منوط بإرادة أهلها. أهلها ارتضوا بالإخوان المسلمين حكاما عليهم، وأهلها ارتضوا بدين الملتحين شريعة لهم، وأهلها ارتضوا بالصواريخ الحِرَفية لتحرير فلسطين مقاومة لهم، وأهلها ارتضوا بالحصار، وبالدمار، وبالنوم في العراء، وأهلها ارتضوا بالسياط، وبالجراح، وبالدعاء كي يخلصوا مما هم فيه من وقت هو من أتعس الأوقات، فليكن لهم ما ارتضوا به، ولتكن لهم غزة إمارة طالبانية أو جمهورية بنغالية.
وهي على كل حال لهم إمارة غير معلنة، وجمهورية للعمائم غير معترف بها، وهي على كل حال لن تكون إلا ما هي عليه الآن.
كانت في الماضي تحت الحكم المصري على هامش فلسطين، ولتبق اليوم وهي تحت حكم العمائم واللحى على هامش فلسطين، ليس في الأمر كما يظن البعض نهاية فلسطين، وخاصة كما يدعي أوساخ أوسلو أن انفصال غزة هو السبب في عدم الوصول إلى حل ليبرروا إخفاقهم وانهزامهم التاريخيين وليتمادوا في عمالتهم وترك الأمور على ما هي عليه.
إمارة غزة ستكون لفلسطين مثلما هي إمارة مونت-كارلو لفرنسا، الفرق بينهما أن الثانية تزدهر بكازينوهاتها والأولى بمعابدها.
جمهورية غزة ستكون لفلسطين مثلما هي جمهورية بنغلاديش لباكستان، الفرق بينهما أن الثانية أفقر بلد في العالم والأولى أفقر من أفقر بلد في العالم.
قطاع غزة سيكون لفلسطين مثلما هو قطاع آلاسكا لأمريكا الفرق بينهما أن الثاني كله ثلج وجليد والأول كله رمل وغبار... فرنسا موجودة دون مونت كارلو، وباكستان دون بنغلاديش وأمريكا دون آلاسكا، وكذلك فلسطين ستكون موجودة دون غزة، وخاصة غزة الموجودة اليوم دون فلسطين، بكل بؤسها هذا صحيح، ولكنها موجودة، ووجودها هذا قوة لها، ونقطة تسجل لصالح حكامها؟
أما أن يأتينا من يتكلم عن وحدة ومصالحة ومقاومة وحرية وتحرير وبهدلة وولولة ونشيج وعويل، فكل هذه أوهام لا علاقة لها بالواقع، وهي في الأساس ليست مهمة، وليست نهاية فلسطين، لأن إمارة غزة غير المعلنة بداية موضوعية لإقامة الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية، والتي ستكون غزة حتما جزءا منها لفلسطينيتها كهوية معنوية أكثر منها سياسية، ولكنها في الشروط الحالية أهم بكثير من الهوية السياسية.
إرادة أهل غزة التي هي من إرادة حماس وشعائرها وغيبياتها وخزعبلاتها لها شروطها الاجتماعية والاقتصادية وبتغيير هذه الشروط فقط ستتغير إرادة أهل غزة وليس بمقال طنان عن الأخوّة والمصالحة الوطنية والتضامنية، ليس بالحوار المجهض حتما بين الفصائل، فلا حوار بين إخونجي من غزة وكرخنجي من رام الله، لا وليس بالتمنيات، أو حلف الأيمان المغلظة على الواحد والآخر لتصفية الأمور، لأن الأمور صافية لا أصفى منها وواضحة كل الوضوح.
أهل غزة اختاروا اللعين الرديء لظروفهم وأهل الضفة اختاروا الألعن والأردأ أيضا لظروفهم، وإلا فليخرج الجميع إلى الشوارع، وليقاتلوا حكامهم قبل أن يقاتلوا محتليهم. د. أفنان القاسم ramus105@yahoo.fr