إمارة حزب الله الإسلامية في لبنان لخدمة جمهورية الأسد في سوريا

بقلم: حسان القطب

من حق أي فريق لبناني تأييد أو معارضة الطرف الآخر، ولكن على أسس سياسية واقعية، وضمن ما يمكن وصفه أو تسميته بالعمل الديمقراطي والمنافسة السياسية المشروعة تحت سقف القانون.

ولبنان كما يعلم الجميع هو عبارة عن كيان نموذج يضم طوائف متعددة، من حقها أن تتنافس على السلطة كما من حقها أن تتحالف بين بعضها، تماماً كما من حقها أن تختلف على فهمها وخططها لخدمة الصالح العام وليس الدول المجاورة، ولكن ليس من حق بعضها أبداً أن تمارس سياسة التهويل الإعلامي وبث الأخبار غير الصحيحة عبر وسائل إعلامها لإخافة بعضها من البعض، وللتحريض على بعض مكوناتها.

فقد ذكر أحد المواقع الالكترونية التابعة لقوى الثامن من آذار/مارس المؤيدة للنظام السوري، "أنه وحسب أهالي شمال لبنان فإن استهداف حراس الحدود السوريين كان بهدف تسهيل حركة دخول وخروج المسلحين من تلكلخ وإليها، وأكدوا أن مصدر النيران كان من الجانب اللبناني من منطقة العريضة تحديداً حيث يتمركز عناصر مسلحون تابعون لحزب التحرير اللبناني (السلفي) الذي سمح بتأسيسه أحمد فتفت".

إلا أنه وفي اليوم التالي نفت مصادر أمنية لـ"الحياة" الرواية التي تفيد بإطلاق نار من منطقة وادي خالد في اتجاه الجانب السوري من الحدود، مؤكدة أن الوضع الأمني مضبوط في شمال لبنان".

ومع ذلك لم تصدر الوسيلة الإعلامية أي تصحيح أو تكذيب أو اعتذار عن هذا الخبر الملفق، وما يحمله من إساءة لمواطنين لبنانيين.

إن سياسة الترهيب لا زالت هي السائدة في عقل ومنطق وتفكير وسلوك هذا الفريق، فكل سلاح سوى سلاحه هو سلاح فتنة، وكل موقف سياسي لا يتوافق أو يتناقض مع مواقفه السياسية هو خيانة، وكل انتفاضة ضد الظلم والقهر والتعذيب والقتل والسجن، ضمن الدول التي يتحالف معها هذا الفريق هي مؤامرة واستهداف لفكره وطروحاته وقيادته، وكل قتل وتعذيب وتشريد واعتقال وتهجير في دول محوره هي لخدمة الصالح العام ولتطهير المجتمع من الفاسدين والمرتشين والمرتدين.

وفي هذا الإطار ذكر ميشال سماحة في مقابلة له على إذاعة النور "انه تبين أن من أعلن الإمارة الدينية فيها بين المهربين وحد أدنى من المشايخ التكفيريين هؤلاء اخرجوا النساء والأولاد وبدؤوا في الهجوم على مراكز الهجانة والشرطة في الداخل وأعلنوا إمارتهم ونصبوا وزيرين مالية والدفاع، رأينا مباشرة دخول مسلحين من لبنان عبر الحدود الرسمية لغاية عصر أمس الأحد، والحدود اللبنانية ـ السورية ضبطت من قبل السوريين وليس من قبل اللبنانيين والجهات الرسمية اللبنانية بدل من أن تتخذ إجراءات كما يفترض أن تتخذها أي دولة".

وكان تلفزيون المنار قد سبق محطته الإذاعية بنشر هذا الخبر حين أورد في نشراته نقلاً عن مصادر سورية "كشفت مصادر سورية لـ"المنار" أن المدعو ناصر مرعي أعلن إمارة في تلكلخ وانشأ إذاعة تنطق باسمه، لافتة إلى أن السلطات السورية تعمل على تفكيك هذه الإمارة" وحقيقة الأمر أن المشايخ التكفيريين الذين ذكرهم سماحة كان بهدف ترهيب الأقليات غير الإسلامية في لبنان وسوريا والمنطقة، ودفعه للالتفاف حول النظام السوري.

حالات التعبئة هذه ضد فريق معين يحمل صبغة طائفية معينة وضد جمهور لبناني معين ويحمل الهوية اللبنانية، ويعيش في منطقة جغرافية واسعة عانت وتألمت من تهميش سياسي واقتصادي واسع وطويل وعميق، لم ينته فصولاً إلا بعد الخروج السوري من لبنان، ولكن حلفاء سوريا في لبنان وعلى رأسهم حزب الله قد هاله أن يرى الألفة والمحبة تجمع المواطنين اللبنانيين والسوريين المهاجرين والنازحين من أراضيهم وبيوتهم، فلم يسأل عن سبب النزوح وعن دور النظام في سوريا في تهجيرهم بل قام بتوجيه التهم للنازحين السوريين والحاضنين اللبنانيين على حد سواء.

وهذا الكلام الاتهامي يؤكد أن حزب الله وميشال سماحة وحركة أمل والتيار العوني وسائر القوى في هذا الحلف هم حلفاء النظام السوري فقط وليس الشعب السوري أبداً، وهو الذي يعاني اليوم من سياسات حكامه!

ولقد فات هؤلاء أن أبناء الشمال وتحديداً وادي خالد قد عانوا من الحرمان لعقود، تماماً كما يعاني اليوم أكراد سوريا وفقراؤها وفلاحوها ومثقفوها وناشطوها، ومع ذلك لم يقوموا ببناء بيوت غير شرعية على الأملاك العامة كما فعل أتباع حزب الله وحركة أمل، ولم يستولوا على الأملاك العامة والخاصة كما فعل أتباعهم بتحريض وبغطاء سياسي كما قال وذكر العديد منهم على شاشات التلفزيون، ولكن ميشال سماحة لم يسمع بهذا الأمر وكذلك أمثاله، ولم يقوموا بزراعة الحشيش الممنوع في كل الشرائع والأديان والمواثيق الوطنية والأخلاقية، ومع ذلك يطالب ولصالحهم أحد المراجع السياسية بعفو عام ويقول انه قد أصبح جاهز للبت والتصويت في مجلس النواب، ولهذا السبب فإن الهدوء لن يعود لسجن رومية قبل تمرير هذا القانون، فمزارعو المخدرات وتجارها هم ثروة لا يجب التفريط بها، وهم لا يستحقون العفو العام فقط، بل أن يتقلدوا أوسمة، أما أبناء لبنان في وادي خالد فهم إرهابيون وتكفيريون!

هذا الكلام مرفوض جملةً وتفصيلاً، وما قاله مخلوف وسواه منذ أيام يشكل اكبر إدانة لهذا النظام وأعوانه وحلفائه ولكن علامات الخجل قد اختفت، والرغبة بل القدرة على مراجعة الذات وقراءة الوقائع والتصريحات بموضوعية يبدو أنها غير متوافرة.

لذا فإن إعلام حزب الله، وبعض الإعلام الآخر الحليف الذي يمارس التوجيه التحريضي، إنما يؤسس لفتنة خطيرة، وعلى هذا الفريق آن يعترف أن النظام السوري قد ارتكب أخطاء وعليه مراجعتها وتصحيحها، وأن شعبه هو المسؤول الأول والأخير عن محاسبته سواء في الشارع أو عبر صندوق الاقتراع إذا توافرت له فرصة إجراء انتخابات شرعية حرة ونزيهة وشفافة.

أما سياسة كيل الاتهامات التحريضية بتشكيل ولايات وإمارات وكانتونات فهذه اتهامات باطلة ومن يطلقها وهو إعلام حزب الله وبعض حلفائه، والمؤسف في هذا الأمر أن سياسة إنشاء الإمارات والكانتونات يمارسها هذا الفريق بكل مظاهرها، فهو الوحيد في لبنان الذي يملك مؤسسات موازية للدولة اللبنانية بكل تفاصيلها من أمنية وسياسية واجتماعية وتربوية وإعلامية، وهو يسيطر على الطرق المؤدية للمطار حيث يقطعها ساعة يشاء عبر ما يطلق عليه "مؤسسة الأهالي" الذين يغضبون ساعة تصدر التوجيهات، فيقطعون الطرقات ويتصدون للقوى الأمنية وكذلك القوات الدولية في الجنوب إذا لزم الأمر، وهناك دائماً من يقود ويوجه الأهالي الذين لا يهدأون، إلا حين يحضر مندوبو حزب الله وحركة أمل فتطمئن نفوسهم ويهدأ بالهم ويستقر حالهم.

وما من مسؤول أجنبي يزور البلاد إلا ويزور مسؤول العلاقات الخارجية في حزب الله "عمار الموسوي"، وكذلك يملك حزب الله القدرة على اتهام النظام البحريني بالقمع والظلم دون العودة للسلطة اللبنانية ووزارة خارجيتها المسلوبة الإرادة والدور إلا حين يشاء بعضهم ولو أدى ذلك للإضرار بمصالح اللبنانيين الذين يعملون في تلك البلاد تماماً كما جرى في دولة ساحل العاج، وما من مشكلة أمنية مستعصية إلا وتنتهي بعد أن يعالجها المسؤول الأمني في حزب الله وفيق صفا، ومشكلة البناء غير الشرعي لم تتم معالجة بعض ظواهرها وليس جميعها التي استقرت وأصبحت واقعاً مفروضاً بقوة الأمر الواقع، إلا بعد أن عقد اجتماع في مدينة صور بحضور الأمنيين والمحافظ ومسؤولي حزب الله وحركة أمل.

إذن من يملك دولة ضمن الدولة ومن يملك إمارة إسلامية تتبع أوامر دينية معينة تملك القدرة على منع المشروبات الكحولية في مدينة النبطية ومحيطها، وفرض ممارسات اجتماعية معينة على كافة المواطنين على اختلاف انتمائهم، سوى هذا الفريق الذي يتهم غيره بممارسة هذا الدور.

فإمارة "تلكلخ" المزعومة هي عنوان لتبرير قمع السلطة السورية لمواطنيها، واتهام أهالي وادي خالد بدعم الانتفاضة في سوريا هو تبرير لإجراءات أمنية قد يرغب البعض في ممارستها بحق مواطنين لبنانيين جريمتهم أنهم يملكون الحس الإنساني والأخلاق الوطنية التي دفعتهم لإيواء مواطنين سوريين من نساء وأطفال جريمتهم أنهم يطالبون بالحرية في وطنهم.

ولكن حزب الله الذي يروج لهذه الإمارة المزعومة إنما يخفي خلف هذا الاتهام واقع أن إمارته الدينية قائمة في حقيقة الأمر بقوة الأمر الواقع، ونعيش ممارساتها ودورها وتصرفاتها كل يوم.

من هنا نفهم حرص إمارة حزب الله الإسلامية على دعم جمهورية الأسد في سوريا، وتسخير إعلام حزب الله وكل من يدور في فلكه لخدمة هذا النظام وهذا المشروع لأن سياسة الترهيب والتخوين والقمع والهيمنة هي القاسم المشترك بينهما.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات

hasktb@hotmail.com