'إل غوستو' .. تعايش المسلمين واليهود تحت سقف الموسيقى

كتب ـ محمد الحمامصي
الفن سبيل أصيل لتعايش الشعوب

استطاعت المخرجة الجزائرية الأصل صافيناز بوصبايا في فيلمها الوثائقي "إل غوستو" (88 دقيقة) أن تنقذ الموسيقى الشعبية الجزائرية التي كادت أن تندثر، وذلك صدفة، على حد تعبيرها حيث كانت في زيارة سياحية للجزائر مع أصدقائها وهي المرة الأولى التي تزور فيها بلدها الأصلي، وأثناء تجوالها لفت نظرها مرآة قديمة أرادت شراءها، من محل يقع في الحي الشعبي "القصبة"، وعند حديثها مع صاحب المحل الذي يتجاوز عمره السبعين عاما، اكتشفت أنه كان عازفا في فرقة المطرب الشعبي الشهير أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن العشرين الراحل الحاج محمد العنقاء مؤسس الموسيقى الشعبية الجزائرية، وليؤكد لها صدقه أطلعها على صور له مع الفرقة وبوستر لحفلة كان معاونا لقائد الأوركسترا فيها.

هذا اللحظة كانت مفتاح رحلة هذا الفيلم الذي قامت عليه المخرجة لمدة تصل لسبع سنوات، نبشت خلالها تاريخ مجموعة كبيرة من العازفين والمطربين تفرقوا في أنحاء الجزائر وهجر بعضهم إلى أوروبا وخاصة اليهود منهم.

الفيلم الوثائقي الذي شهد مهرجان أبوظبي الدولي في دورته الخامسة العرض العالمي الأول له، لم يقتصر دوره على مجرد التوثيق لرحلة هذه الموسيقي ودورها وقيمتها وموسيقييها من المسلمين واليهود، وإنما تجاوز ذلك كاشفا لأبعاد الحياة السياسية والاجتماعية لتلك الفترات التي مرت بالمجتمع الجزائري حتى ما بعد الاستقلال.

صافيناز بوصبايا

الفيلم أيضا لم يقتصر دوره ودور مخرجته على مجرد إلقاء الضوء على تاريخ الموسيقى الشعبية وعلاقاتها مع الموسيقى الغربية، بل امتد إلى أن يكون سببا في تكوين أو إعادة إحياء هذه الفرقة، فقد لمت المخرجة شمل العازفين اليهود والمسلمين ليتشاركوا مجدداً في شغفهم الدائم: الموسيقى الشعبية، التي تشكل وجدان منطقة القصبة الجزائرية، والتي تمثل تزاوجا بين الموسيقى العربية والأوروبية واليهودية، وجزءا حيويا من المجتمع الجزائري حيث كانت تعزف في الأفراح والمناسبات الدينية والتي عادت في الانتشار مرة أخرى بدايات الألفية الثالثة.

إل جوستو يروي قصة المفكرين الأحرار الذين يبرهنون على أن الموسيقى لغة عالمية تسمو فوق الاختلافات العرقية، وهو يذكر الأجيال الشابة بأن التعايش الثقافي والديني كان يشكل واقعاً حياً قبل زمن ليس ببعيد، إنه شهادة رائعة تجمع بين الموسيقى التقليدية للعرب واليهود، ما بين الجزائر وفرنسا.

هذه القصة التي تشكل تأكيدا على الفن سبيل أصيل لتعايش الشعوب وأصحاب الديانات المختلفة، ودون شك حمل إشارة جريئة على أن الموسيقيين المسلمين واليهود يمكن أن يعملوا معا بانسجام، صاحب ذلك إخراجا متميزا تجلى في صور بصرية بديعة عن المكان والإنسان وجال بالمشاهد في أحياء منطقة القبصة الجزائرية التي أكد أبناؤها أنهم عشاقون حتى النخاع للموسيقى وفوضى الحياة.

وفي هذه النقطة تشير المخرجة إلى أنه قبل عام 1962 عام استقلال الجزائر كان يعيش 130 ألف يهودي، معظمهم هاجر إلى فرنسا خوفا من مستقبلهم مما بات الآن دولة يتصاعد فيها المد الديني الأصولي، وهو أيضا العام الذي انتهى فيه عيش الموسيقيين المسلمين واليهود المشترك، إلا أن هؤلاء الذين هاجروا إلى أوروبا استمروا في تقديم نفس هذه الموسيقى الشعبية الجزائرية مع إضفاء لمسة أندلسية على أعمالهم، في الوقت الذي كان زملاؤهم المسلمون قد هجروا العمل دون أن يهجروا عشق الموسيقى والغناء.

بوستر الفيلم